الأربعاء، 31 مارس، 2010

من بحر البقر إلى مدرسة الأونروا ... علينا أن لا ننسى

في تمام الساعة التاسعة و عشرين دقيقة في الثامن من شهر إبريل عام 1970، حلقت طائرات الفانتوم أمريكية الصنع الموجهة من إسرائيل فوق مدرسة بحر البقر الإبتدائية التي تقع في مركز الحسينية بمحافظة الشرقية، وألقت بصاروخين و خمس قنابل على مائة وثلاثين طفلاً، استشهد منهم ثلاثين طفلاً وجرح خمسين بإصابات بالغة خلفت عدداً من المعوقين، بينما سويت المدرسة تماماً بالأرض.
ومن الأطفال الذين رحلوا من جراء القصف الإسرائيلي الوحشي، أحمد أنس الباشا و طه عبد الجواد طه و عادل مصطفى خميس و سامي إبراهيم قاسم و محمد أنور أحمد العناني. و كحلاوي صابر فتحي حسين و طارق نبيل أبو زيد حسن و ممدوح بدر علي محمود و وليد إبراهيم إبراهيم حسن و أحمد علي عبد العاطي أحمد و نجاة محمد حسن خليل و صلاح محمد إمام قاسم و أحمد عبد العال السيد و محمد حسن محمد إمام و زينب السيد إبراهيم عوض و محمد السيد إبراهيم عوض.
ومنذ أيام تعرضت مدرسة تابعة لوكالة غوث اللا جئين "الأونروا" في غزة إلى قذائف الهاون التي ألقتها طائرات إسرائيلية عليها، واستشهد ما لا يقل عن أربعين أغلبهم من الأطفال الذين لجأوا إلى المدرسة للاحتماء من القصف الإسرائيلي، الذي لم يرحمهم حتى داخل المنشآت التابعة للأم المتحدة، والتي هي من المفترض منشآت تتمتع بالحصانة بين الأطراف المتنازعة في أي مكان في العالم.
من مدرسة بحر البقر في الشرقية إلى مدرسة الأونروا في غزة، علينا أن لا ننسى أبداً، أطفالنا الذين راحوا نتيجة الوحشية الإسرائيلية، تلك الدولة المبتسرة التي انزرعت في الشرق وتربض على مرمى البصر المصري. يجب أن لا ننسى مهما فات الزمن وهدأت جراح الذين راحوا نتيجة الصراع المصري الإسرائيلي الذي امتد لعشرات السنين، أن لنا دماء في رقبة كل من يحمل الجواز الإسرائيلي، وإننا وإن كنا نعيش الآن على إثر معاهدة تسمى معاهدة السلام، فلزام علينا أن نظل نتذكر تاريخ الدماء التي سالت في سيناء وتاريخ الأنفاس التي انقطعت أسفل الأرض بعد أن تم دفنها حية.
إن قصة الطفلة اليهودية آن فرانك، التي نشر اليهود مذكراتها المكتوبة من مخبأها في النمسا بعد أن فرت عائلتها من ألمانيا، وحتى تم الوشاية بهم والقبض عليهم ليموتوا جميعا ماعدا والدها في محرقة هتلر، هي اللبانة التي يلوكها اليهود في كل محفل ليبكوا ويستدروا البكاء على المآسي التي عاشوها كشعب مضطهد، وليغطوا بها على أصلهم المتوحش والنازي وأيديهم الملطخة بدماء آلاف الأطفال وليس مجرد آن فرانك واحدة.
هذا هو الفرق بينهم وبيننا، هم يعرفون كيف يصنعون تاريخاً حتى وإن كان ملفقاً، ليعيشوا في أكاذيب ويورثوها إلى أطفالهم، ليلوكوا نفس القصص التي صنعها أجدادهم ويحققوا بها مكاسب مستمرة مهما مر الزمن وتم تعويضهم آلاف المرات. لكن هل بإمكانكم أن تقولوا لي، كم طفل من أبنائنا يعلم عن أطفال مدرسة بحر البقر؟ كم أم مننا قصت على مسامع أطفالها قصة أحمد وطه وعادل وسامي ومحمد وكحلاوي وطارق وممدوح و وليد و نجاة وصلاح و زينب؟ أطفالنا الذين تم قصف أجسادهم البريئة وهم يتلقون دروسهم في المدرسة، فتلطخت كتبهم الدراسية بدمائهم البريئة وتحطمت على رؤوسهم جدران فصولوهم عام 1970. كم أم ذهبت إلى أطفالها لتخبرهم بموت أربعين طفلاً فلسطينياً في مدرسة الأونروا؟
إن ما بيننا وبين إسرائيل، تاريخ ممتد من الدماء، ومهما كنا نعيش الآن وفق معاهدة مفترضة للسلام، فعلينا أن لا ننسى تاريخنا الذي لطخته اسرائيل بدماء آلاف الأطفال والنساء والرجال الذين راحوا جراء غدرهم، وعدم احترامهم لأبسط القوانين الإنسانية. إنني رغم عدم تأييدي لحماس، إلا أنني لا يمكن أن أتغاضى عن التوحش الإسرائيلي الذي لا يميز بين مقاتل وطفل، بين عنصر من عناصر حماس يخرج حاملاً سلاح موجهاً إياه إلى قلب اسرائيلي، وبين طفل يلجأ إلى مدرسة تابعة للأم المتحدة حتى تحميه من القصف الدائر في شوارع بلده، فلا يجد سوى الرصاص موجهاً إلى صدره رغم انعزاله.
من مدرسة بحر البقر إلى مدرسة الأونروا، يجب علينا أن لا ننسى دمنا العالق في أكف الإسرائليين، يجب علينا أن نتناقل الروايات وننقلها إلى أبنائنا ونوصيهم بنقلها إلى أبنائهم، حتى تظل الذكرى يقظة ومتوقدة في القلوب، حتى نظل رغم الهدوء المفترض صاخبين من الداخل ومشتعلين من أجل وطننا وأطفالنا، حتى لا نواجه مرة أخرى مدرسة جديدة مقصوفة في قلب مصر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق