الأربعاء، 31 مارس، 2010

بطولات نسائية في بكين... والعربيات في خدور الحريم

"تكونين في حريم حين لا يحتاج إليك العالم. تكونين في حريم حين تهمل مساهمتك ولا أحد يطلب منك شيئاً. تكونين في حريم حين يغدو كل ما تقومين به غير ذي فائدة. تكونين في حريم حين تدور الأرض وأنت غارقة في الاحتقار واللامبالاة. شخص واحد يملك سلطة تغيير هذا الوضع وجعل الأرض تدور في النهر المعاكس وهذ الشخص هو أنت، إذا قاومت الاحتقار وحلمت بعالم مخالف، تتغير وجهة الأرض." .. حاصرتني فاطمة المرنيسي الكاتبة المغربية بتلك الكلمات التي ذكرتها في كتابها " نساء على أجنحة الحلم" وأنا أتابع أولمبياد بكين. ربما استمتع الجميع بمتابعة الرياضات الشيقة والانتصارات المبهرة لأبطال وبطلات من جميع أنحاء العالم، ولم ينغص عليهم متعة المتابعة أي شئ سوى أن انتصارات العرب خلال تلك الدورة تكاد تكون منعدمة. ربما نغصت علي تلك الحقيقة متعة المتابعة، لكن ما مرر علي عيشتي كلها وليس فقط متعة المتابعة، هو هذا الكم من النساء البطلات من جميع أنحاء العالم، وما يحققنه من انتصارات مذهلة وحقيقية تقدم المرأة في إطار القوة والسيطرة، حيث أرقام قياسية جديدة في عالم الرياضة بمختلف فروعها وانطلاق لا حدود له للمرأة في العالم يحقق فكرة المساواة على أرض الواقع، بعيدا عن هواية مضغ الكلام التي احترفها العرب فيما يخص النساء أو فيما يخص كل شئ. تنطلق المرأة بجسدها لتثبت عملياً أنه ليس عورة ولا فتنة ولا حرام، تنطلق بطاقتها الروحية لتثبت سيطرتها على مقدراتها وقدرتها على تحقيق مجداً رياضياً ينطلق من خلاله اسم بلدها مدوياً في العالم كله، تنطلق بنفسها بعيداً عن المساحيق التي تحولها إلى دمية وتمثالاً للمشاهدة فقط مع يافطة معلقة "ممنوع الاقتراب أو التصوير"، تنطلق بمجدها الرياضي دون مناقشات بالية بخصوص العيب والحرام والعادات التقاليد.
كانت هذه هي صورة المرأة في أولمبياد بكين، فأين كانت المرأة العربية من كل هؤلاء؟ تمثيلات نادرة وغير مشرفة فيما عدا اثنتين من المغرب العربي، كانتا شبيهتين بمن يحاول الدفاع باستماتة عن آخر قلاع تحرر المرأة العربية في القرن الماضي، ذلك التحرر الذي لم نلحق أن نهنأ به، حتى اجتاحتنا تيارات التأسلم بأفكارها عن المرأة المعلبة في النقاب/الحجاب، عمليات الترهيب من النار وربط العفة والطهارة بالجسد المغطى من الذباب البشري ووضع صورة ذهنية وهمية لشكل المسلمة تحولت لضغط اجتماعي في الشارع نفسه، فأصبح البلطجية هم حماة شرف المرأة المسلمة، لتخاف وتختفي وراء النقاب/ الحجاب، وترتفع بعدها لافتات " مملكة المرأة بيتها" و" المرأة جوهرة يجب صيانتها بالمنزل" ...إلخ، لنعود ونواجه خطر زحف مفهوم الحريم مرة أخرى.
إن المرأة العربية الآن، تثكلها انتصارات صغيرة يوهمها بها دعاة العودة إلى نهج السلف الصالح، بأنها بعودتها للحريم ترفع راية انتصار ثقافة العرب على الغزو الثقافي الآتي من الشمال، وأنها بالاختفاء داخل الخيم السوداء تنصر الله ورسوله وترفع راية الدين الحنيف، لكنها لن تدرك حجم المأساة والخديعة التي وقعت في براثنها، إلا عندما تسقط آخر قلاع المرأة في الشارع، الذي يحاربوننا داخله ويدعون بأننا نزاحمهم فيه، لتعود إلى مجتمع الحريم حيث كما قالت فاطمة المرنيسي لن يحتاج إلينا العالم ونحن داخله، وسنكون مجرد كماً مهملا لا فائدة له، وسنكون مجرد أدوات يمتلكها الآخر " الذكر" لننجب له أطفالاً لا يشبهوننا في شئ، حيث سنكون مجرد أوعية تفرغ بمجرد إنتهاء فرصتها في الحمل والولادة.
عندما شكت المعلقة الرياضية على رياضة الباليه المائي، بأن الفريق المصري من مواليد التسعينات، لا يمتلك الخبرة التي تمكنه من المنافسة بقوة أمام بطلات العالم من مواليد الثمانينات، لم تذكر السبب، لكن صوتها المتحسر، قال كل شئ، فلقد أصبحت عادة العائلات المصرية أن يدفعن ببناتهم لممارسة السباحة والباليه المائي حتى سن البلوغ وبعدها يتم حجبهن لأن المايوه حرام، ولا أنسى هنا واحدة من البطلات المصريات في نفس الرياضة، احتجبت في عز انتصارها ومجدها الرياضي، قائلة انها مرتاحة حيال قرارها، وبالطبع ارتياحها يأتي من نظرة الرضى التي تتلقاها من أسرتها ومن المجتمع في الشارع، الذي كان يدينها من قبل، فلم تشعر بلذة الانتصارات البطولية، في الوقت الذي لم تعرها بلدها اهتماماً يوازي حجم البطولات التي تحققها له. إن خطر الحريم يزحف بقوة حتى يكاد يصل إلى أعناقنا، ولن أقول سوى ما قالته فاطمة المرنيسي " شخص واحد يملك سلطة تغيير هذا الوضع وجعل الأرض تدور في النهر المعاكس وهذ الشخص هو أنتِ".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق