الاثنين، 10 أكتوبر، 2011

كيرياليسون ...يا رب الرحمة (२)



أحلم يوماً بأن أكتب مقالاً مبهجاً، فهلا منحتني إياه يا مصر؟ نعم؛ أعترف بأنني تعبت من الألم، من الصعب أن نولد أشقياء، وتدور علينا عقارب الساعة لنشقى بمرورها أكثر. من الصعب أن نحلم بأن يكون هذا الحزن آخر الأحزان، فلا تمنحنا بلادنا سوى حزن أكثر. من الصعب أن نشيح بأبصارنا عن رؤية الدماء فلا نرى في الجهة المقابلة سوى دماء أكثر. من الصعب يا مصر أن لا تعطينا رغم عشقنا إليك سوى عذاب يليه عذاباً أكثر.
في 25 يناير منحتنا مصر أياماً عظيمة، لم نشعر رغم تساقط الشهداء سوى بالفخر لأننا نحرر تلك الأرض من عدوها الداخلي الجاثم على أنفاسها وأنفاسنا منذ عقود طويلة، ظننا جميعاً بعد تنحي الطاغية اننا لأول مرة منذ ولدنا على هذه الأرض نستنشق هواءاً نقياً، وأنه بعد طول انتظار سيأتي غدا أخيراً ويرحل الأمس المظلم الذي حل علينا طويلاً ... هل كنا مخطئين يا مينا؟ هل كنا مخطئين يا مايكل؟ هل كنا مخطئين يا كل شهداء مصر؟ أخبرونا من عليائكم الآن بما ترونه .. هل نعود مرة أخرى إلى مخابئنا ونطوي الحلم أسفل أسرتنا وننام على الخيبة كما اعتدنا سنين عمرنا الماضية؟ أم أنكم ذهبتم لتُعَبدوا بدمائكم طريقاً ممهدة تعبر عليها الحرية؟
كنت أظن أنني أقرأ الواقع السياسي بجدارة، أحلل وأفند الحقائق وأخرج بنظريات عظيمة تستقرئ مستقبلاً أعظم، لكنني بعد أحداث اليومين السابقين، لم يعد قلبي يتحمل أكثر. انتهكوا عقلي وأجهدوه بأحداثهم المتلاحقة، والتي لم تعد تترك لنا وقتاً للتفكير أو التحليل أو الاستقراء. من منا الآن بقادر أن يقول كلمة يمكننا تصديقها. فما هو السبب أو الدافع الذي يجعل الأحداث تصل إلى ما وصلت إليه أمام ماسبيرو، تلك المجزرة الدامية التي راح ضحيتها عشرات من المصريين، لم يفعلوا سوى أنهم حملوا الشموع وساروا نحو ماسبيرو ليطالبوا بحقهم في عبادة الله آمنين في كنائسهم، هل هذا كثير جداً لتلبيته؟ هل هذا المطلب فوق تحملكم؟
قبل أن يرحل مبارك وباقي رفاقه من الخونة، عشنا سنينا طويلة نعتقد أن شعب مصر تحول إلى شعب طائفي، يذبح بعضه بعضاً على أساس اختلاف الدين، لكننا اكتشفنا أن نظام مبارك هو الذي كان يخطط ويدفع إلى تنفيذ عمليات الاعتداء على الكنائس وقتل المسيحيين في دور عبادتهم، الآن ماذا؟ هل مازال نفس المخطط يسير آمناً بيننا على قدميه؟ كيف يمكن أن يقتل القاتل القتيل ويمشي في جنازته؟ يهدمون الكنائس بواسطة عملائهم ثم يقومون ببنائها على نفقتهم الخاصة؟ وأخيراً يقتلون الأبرياء ويلقون بجثثهم في مداخل البنايات المحيطة بماسبيرو، ثم يقتحموا مكاتب القنوات الفضائية ليعتدوا على العاملين فيها ويستولوا على شرائط الفيديو التي سجلوها للأحداث، ثم يخرجوا علينا بأنهم المجني عليه وليس الجاني، وبعد أن يحرضوا ضد المسيحيين علناً على شاشاتهم، يعودوا ليعتذروا ويلقوا باللوم على اندفاع المذيعين. في عرف من هذا؟ هل إلى هذه الدرجة هانت علينا أنفسنا حتى هنا عليهم، فلم يعد لنا ثمن، لم يعد لدمائنا قيمة؟ هل خرجنا في يناير لنعيد كرامة المصري وحقه في حياة كريمة، لتنقلب علينا الطاولة فتُسحب كرامتنا ويُسلب حقنا في الحياة من أصله؟
يا ولاة المور الأفاضل، ماحدث أمام ماسبيرو لم يكن فتنة طائفية، فعناصر الشرطة العسكرية تمثلكم ولا تمثل المسلمين. لم يخرج المسلمون ليقتلوا أهلهم من المسيحيين أمام ماسبيرو. كان هناك الكثير من المسلمين المشاركين في المسيرة ولم يحمل أحداً منهم سلاحاً ليرفعه في وجه المسيحيين، بل رفعتوه أنتم وضغتم على الزناد لتسحقوا القلوب اليسوعية. أرجوكم نحن لسنا أغبياء وإن كنتم تعتقدون أننا كذلك، فنحن لسنا أغبياء إلى هذه الدرجة!
بقى أن أودع الجميل مينا دانيال، صاحب الخمسة وعشرين عاماً، الشاب الذي كان عمره ألف عام. فعلت الكثير يا مينا خلال سنواتك القليلة، وكأنك كنت تُكمل قدرك سريعاً قبل أن يغدرك الزمن، أغار منك يا صاحبي لأنك ناضلت من أجل وطنك ومن أجل فقراء هذا الوطن أكثر مني رغم أنني أكبرك بأعوام كثيرة، أغار منك لأنك نلت ما طلبته من شهادة، أغار منك لأنك صليت في الكنيسة والمسجد وقدت المصلين في كليهما نحو طريق الحرية، أغار منك لأنك الآن في عالم أفضل، فأوقد لنا شمعة في طريقك إلى هناك.
ولا تنس أن تبلغ سلامي إلى أحمد بسيوني صديقي الذي عجل بالذهاب من قبلك.
عطر وزهر على روحيكما... عطر وزهر على أرواح شهداء مصر منذ مينا موحد القطرين، فلا تتركوهم يذهبو بجهد مينا إلى الخواء.

الاثنين، 3 أكتوبر، 2011

الطائفية كهدف استراتيجي قومي

عندما أتأمل الأحداث الطائفية التي تطل برأسها علينا بين الحين والآخر، حتى منذ عهد ما قبل ثورة 25 يناير،أضحك. أعذروني فهي بالفعل على الرغم من مظهرها المأساوي، مضحكة في مضمونها. فأي ناظر للأحداث من أعلى يكتشف ببساطة شديدة، أن هناك رأس واحدة مدبرة ومحركة للأحداث، وأن هذه الرأس للأسف الشديد، "حافظة مش فاهمة"، بمعنى أنها لو كانت تمتلك قليل من العقل أو الفهم، لما كانت لعبت لعبتها بمثل هذا التكرار والتراتبية المملة.
يمكننا أن نقسم التكتيكات الطائفية، إلى ما قبل 25 يناير، وما بعدها. فما قبل، كانوا يعتمدون طريقة التفجير وقتل الأبرياء في الكنائس، فلما كُشفت لعبة التفجيرات وفُضح الواقفين ورائها، قال زعيم عصابة القناع الأسود، في ليلة غاب عنها القمر، لصبيانه في بطن الجبل؛ أنه عليهم تغيير التكتيك المتبع وذلك لضمان الاستمرارية والجودة لعملية " بطن الزير" المشهورة بالملف الطائفي في مصر، وبالتالي تغيير الأداء على الأرض من التفجير إلى الهدم، ودخلنا في عصر "موضة هدم الكنائس". أياً كانت الأهداف الاستراتيجية لعصابة القناع الأسود، سواء بث الفرقة وهدم اللحمة بين طرفي الوطن " المسلم والمسيحي"، أو كما يقول بعض من القلة المندسة أنها تهدف لتبرير مد قانون الطوارئ، أو مثلما يردد المتشائمون أن مشكلة الطائفية موجودة فعلاً بين المصريين وبعضهم....إلخ. فأنا لا تهمني أهداف العمليات الطائفية، بقدر ما يهمني، أن التكتيك الجديد في واقع الأمر يعود بالفائدة على المسيحيين ويحل المشكلة الأزلية والخاصة بعذاب إخراج تصاريح بناء أو ترميم وتجديد كنائس، فبمجرد أن يهدم صبيان الزعيم الكنيسة، يخرج المستنيرون والمسيحيون في مظاهرات، فتضطر الحكومة العظيمة أن تتبنى القضية وتعلن أنها ستبني الكنيسة على حسابها (قال حسابها قال!).
في حقيقة الأمر، أنا لا أصنف حاملي بطاقة الرقم القومي المصرية، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو بهائيين أو ملحدين أو ينتمون لعبدة الشيطان وبلاد تركب الأفيال، هم في نهاية الأمر يحملون نفس الوجه الكادح الذي أُضيف إليه مؤخراً نظرة أمل للغد. التصنيف الحقيقي لدي، يكمن في تقييم أداء عصابة القناع الأسود، التي لم يتغير فيها سوى الأسماء والوجوه، بينما الأداء والمنهج واحد، وإن كان إحقاقاً للحق، فزعيم وأعضاء العصابة الجدد، يحملون قلباً رهيفاً حنوناً، وبدلاً من تلويث شوارع مصر بدماء المسيحيين، تحولوا إلى سد الشوارع بمخلفات هدم الكنائس. وأنا في واقع الأمر ما يشعرني بالضيق، هو الازدحام المروري الذي سيقع من وراء عمليات الهدم والبناء؛ لذلك أرجو من القائمين على الأمر، أن يضعوا جدولاً منظماً لهدم الكنائس المصرية وإعادة بنائها بحيث لا يكون هناك أكثر من كنيسة واحدة في كل محافظة مطلع كل شهر. اقتراحي هذا نابع من صدقي الشديد ورغبتي الأصيلة في تطوير الإدارة في مصر، نظراً لأننا بالفعل نعاني في بلدنا من سوء الإدارة، وربما يكون ذلك هو السبب الرئيسي وراء تأخرنا عن الركب المتطور لبلاد العالم، والتي لا ينقصنا " واللهي" بعقد الهاء، أي شيئ لكي نقف جوارها في الصفوف الأولى عالمياً.
يبقى أن أقول " والله الموفق"، لكنني سأوستوحي التجديد في الأداء من السادة، وأوجه رجاء لعصابة القناع الأسود وزعيمها المفدى، أدامه لمصر ولشعبها الكريم لأقول لهم: احترموا عقولنا يرحمكم الله.