الاثنين، 18 فبراير، 2013

في مجتمع البطاطا



عندما تقود سيارتك في شوارع القاهرة ستطالعك وجوهاً منهكة تبيع أشياءً كثيرة، ربما لا تحتاجها وإن احتجتها فستتوجه لأقرب سوبر ماركت مجاور لمنزلك لتشتريها، وربما طلبتها بالتليفون لتصلك " ديلفري"، هم في النهاية؛ هؤلاء الباعة الصغار، لا حاجة لهم وربما كانوا زائدين عن المطلوب، حيث يسدون بأجسادهم مسارات الشوارع فيعكرون مزاجنا اليومي ونحن نقود سياراتنا.
ما فات حقيقة لا جدال فيها، لكن الحقيقة أيضاً أنني أحب البطاطا المشوية ولطالما كان بائعو البطاطا بعرباتهم مستهدفين من قبلي. ابتسم عندما أراهم وأجري نحوهم لأنهم المنبع الرئيسي لبطاطتي المشوية التي أشتهيها والتي لا تخرج من فرن منزلي بذلك الإبداع الذي يخرج من بين أيديهم. أتذكر أنه من عشقي للبطاطا قمت بعمل مشروع تصوير فوتوغرافي كامل لهم ولوجوههم المبتسمة بينما دخان مداخن أفرانهم المحملة على العربات يحيط بوجوههم المصرية الأصلية.
المقطع الأول من المقال لا علاقة له بالثاني ولكن ما أحببت قوله هو؛ أنني فوجئت بعد الثورة بزحف الباعة الجائلين الصغار إلى كل شبر في القاهرة وهذا أمر مزعج من الناحية المرورية ولكن وسط انزعاجي المروري الشديد تساءلت ما الذي يمكن لهؤلاء أن يفعلوه حتى يسدوا رمقهم حتى ولو بلقمة مغمسة بالتراب؟ وهم مثلنا يعيشون في وطن عبثي لا قيمة فيه للإنسان والذي عندما قام بثورة استبدل دكتاتوراً وزبانيته بمجموعة كاملة من الزبانية والطغاة المنظمين. الأمر الآخر أن الوجه المصري الأصيل لبائع البطاطا أصبح يانعاً غضاً لأطفال صغار لم يتجاوزوا مراهقتهم بعد، واختفى الوجه الملوح بسمرة الشمس الزاحف نحو الخمسين والستين من العمر، فاختفت بهجتي برؤية عربة البطاطا وتحولت إلى شفقة، لكن ما باليد حيلة فأنا لا أملك مالاً يكفي لاحتضان كل هؤلاء الأطفال المنتهكين والذين تعرضوا لأكبر سرقة في التاريخ " سرقة طفولتهم".
في الحقيقة لم تداخلني الفجيعة عندما قرأت خبر مقتل عمر بائع البطاطا الصغير، ففي أحداث محمد محمود الأولى ومجلس الوزراء تم قتل أطفال كثيرة من أهل الشوارع وغض المجتمع كله عن مقتلهم الطرف وأنكروه. الفجيعة تأصلت في قلبي منذ زمن واعتدت عليها. الذي لفت نظري فعلاً تلك الجنازة الصغيرة التي سار فيها بائعوا البطاطا والسوداني والترمس الصغار مودعين شهيدهم، جنازة رأيتها بذرة لثورة حقيقية ستحدث قريباً وأتمنى أن أراها بعيني وأشارك فيها، ثورة للإنسان المصري الحقيقي المنتهك، يعبر فيها عن ذاته التي سلعها الطغاة الجدد وزبانيتهم من ممثلي المسرح الكوميدي الذي نشاهد عروضه يومياً سواء كانوا موالاة أو معارضة، فكلاهما سيلقى في محرقة الواقع، واقع عمر بائع البطاطا وإخوانه من الباعة الجائلين، الذين لا ننظر إليهم إلا بتأفف ونتعامل معهم باعتبارهم زائدين عن الحاجة، ولا نردد سوى عبارات سخيفة لكي نبرر لأنفسنا الصمت. فلتصمتوا حتى تموتوا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق