الأربعاء، 27 فبراير، 2013

الخطة الخمسية لـ "كوز الدرة"


بعيداً عن "النوستالجيا" أو موجات الحنين، أعترف بأنني شعرت بالهزيمة عندما استيقظت على خبر توقف مجلة المصور عن الصدور، رغم أنني لا أتابعها منذ سنين طويلة نظراً لابتعادها عن التطور وفقاً لآليات الزمن الذي نعيش فيه، أو مواكبتها لعقلية القارئ المعاصر، حيث تحولت إلى مطبوعة يديرها مجموعة من الموظفين الذين أكلهم الروتين وركنوا لفكرة التمرغ في تراب الميري. مع ذلك فأنا أرفض تماماً فكرة إيقاف صدورها كحل لمشاكلها المالية، فالبتر ليس الإجابة القاطعة لكل الأعضاء المعتلة، لأن الرأس لا تُبتر وإذا ما بُترت انتهى الإنسان.
بالطبع ما سبق هو كلام الحكماء، لكن كلام المسئولين عن مشروع إحلال "كوز الدرة" محل الألف، لهم رأي آخر، فهم يفكرون بعقلية التجار في كل شيء حتى المعرفة والعلم، ولما لا وفي عرفهم العلم لا يكيل إلا "بالتنجان"؟!
تقنين آليات الخطة الخمسية لكوز الدرة، لم تتوقف عند حدود جريدة المصور وتوابعها القادمة، فلقد تم الانتقال للمرحلة الثانية منها والتي تختص بالكتاب المدرسي. وكما جرت العادة أن أستيقظ على الفجيعة، طالعتنا بوابة الأهرام الإليكترونية بخبر يفيد تغيير وزارة التربية والتعليم لشروط مناقصة الطباعة، التي تلغي الممارسة التي كانت تعقد كل عام ويتفق بموجبها المطابع الكبرى مع أصحاب 125 مطبعة خاصة على السعر وتقسيم حصص الطباعة، وألزمت الشروط الجديدة أصحاب المطابع بوجود سجل صناعي وبألا تقل حصة كل مطبعة عن أربع ملايين كتاب، وهو ما تعجز عنه المطابع الصغيرة التي لا يمكنها استيعاب أكثر من مليون كتاب كحد أقصى. وبالطبع لأن الأسماك الكبيرة لا تتعاطف مع الصغيرة، فقد تخلت المطابع الكبيرة عن الصغيرة وتركوها لتتوه في وادي الظلمات حيث الموت هو المصير المؤكد.
أعترف أنني لا أتعاطف مع الكتب المدرسية، فهي كتب لا تمت إلى العلم المعاصر بصلة، وغالباً لا تؤدي إلى محو الجهل من عقول الطلاب بل إلى تأصيله وتجذيره. تعاطفي هنا مع المطابع التي ستذوب في سيول تقنين كوز الدرة والتي مهما احتجت واعتصمت ومزقت شرايينها، لن يهتم بها ولاة أمر الكوز وسيصدرون لها الطرشة المتصدرة لكل أفراد الشعب.
أيها السادة، استعدوا لأن تدخل مصر- إن لم تكن دخلت بالفعل – في عصر المماليك الثاني، لنعود إلى مغامرات علي الزيبق في مواجهة سنقر الكلبي والشعب يصفق بحماس، بينما المملوك الأكبر يعب ويكنز في خيرات الدولة وهو يتدحرج بكرشه المهول أمامه بين عمدان القصر المهيب، الذي لا يفقه أبعاد جمالياته الثقافية أو الفنية، لكنه فرح برزق الله الذي أتاه دون أن يدري أو يحتسب حتى ينزلق في " أنجر البالوظة" فيتبعه مملوك آخر والشعب يكتفي بالمشاهدة بينما يعلم في قرارة نفسه أن باب زويلة سيستقبل كثيراً من الأجساد المعلقة، لأن الألف واضحة لكل من يرى.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق