الخميس، 27 فبراير، 2014

عروس النيل ...كنت يوماً


لا يمكنني أن أدعي أنني الوحيدة من بين المصريين أوالمصريات التي تمتلك مخزوناً خاصاً ومتفردا من الذكريات مع نهر النيل العظيم، لكنني وبكل بساطة أحب أن أدعي أنني الوحيدة من بين نساء وبنات مصر التي اصطفاها النيل دون غيرها لتكون حبيبته السرية، وصديقته الأثيرة وخلته الوفيه. هل يمكنني أن أقول: هكذا كنت لسنين طويل سابقة لكنني منذ فترة ليست بالقريبة فقدت القدرة على التواصل الذي كنت أتمتع بها مع النيل؟ ...هذه هي الحقيقة للأسف، فالنضوج القسري والمبني على أحزان وآلام، بإمكانه أن يبعدنا عن أفضل مشاعرنا التي كانت تحلق بنا في الفضاء ونغلق عليها جفوننا ونحن ذاهبون إلى النوم.

نشأت في بلدة اسمها الفشن بمحافظة بني سويف، وعيت على الدنيا وأنا أحيا فيها لكنني عرفت من عائلتي أننا لا ننتمي إلى المكان بل ننتمي إلى مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية، بعد فترة عرفت بأن جزءً كبيراً من عائلتنا ينتمي إلى مدينة طنطا بالغربية بينما يعيش جزء آخر في القاهرة. هذا بالنسبة لعائلة أمي التي تربيت بينها، أما أبي الذي لم أتعرف عليه إلا في عشريناتي فعلمت أنه ينتمي إلى منطقة بولاق أبو العلا لكن أصوله تعود إلى محافظة أسيوط. كل هذه المدن والمحافظات وجدت دمائي تتوزع عليها، ما دفعني إلى القليل من التشتت بين صديقات ينتمين كلهن إلى الفشن وعائلاتهن متمركزة بالمكان، فقررت أنني من الفشن ولا علاقة لي بكل تلك الانتماءات المتعددة، لكن الأمر لم يكن سهلاً حيث كنت وأسرتي دائماً ضيوف على أهل الفشن ولم ينظروا إلينا أبداً على أننا "فشناوية"، فكان هذا دافعاً كافياً لي منذ طفولتي أن أبحث عن هويتي المشتتة فلم يكن أمامي سوى مصر بكل محافظاتها وربوعها ولم يكن هناك من يمكنه أن يمثل مصر في نظري سوى نهر النيل.
تتمتع مدينة الفشن بموقع متميز على النيل مثل كل مدن الصعيد، وكي نذهب إليه علينا أن نعبر خط السكة الحديد نحو شارع البحر الأعظم والذي كان شبه مهجور آنذاك إلا من بعض البيوت المزروعة وسط حقول الذرة الشامخة بعيدانها الباسقة. كان الذهاب إلى شارع البحر الأعظم شبه ممنوع من قبل أسرتي نظراً لبعده نوعاً عن شارع الجيش الذي كنا نقطن به بإحدى وحدات المساكن الشعبية التي بناها عبد الناصر للموظفين والذي استطاع جدي عبد المنعم هلال أن يفوز بإحدى شققها. كما أن الشارع لم يكن قد أصبح مأهولا بالسكان بشكل يبعث بالطمأنينة إلى قلب أمي التي عاشت عمرها كله في فزع خوفاً من فقدي وأختي، لما كنا ومازلنا نمثل لها من إنجاز واحد وحيد لعمرها كله. لذلك لم يكن مسموحاً لي الذهاب إلى شارع البحر الأعظم إلا إذا كنت بصحبة جدتي لشراء السمك من " حلقة السمك" هناك والتي كانت جديدة آنذاك. كانت عيناي تذهبان بعيداً في آخر الشارع الطويل في كل مرة أذهب فيها إلى حلقة السمك، وعندما كنت أسأل جدتي عما يوجد بآخر الشارع، كانت تجيبني بأنه " البحر".
الأفق السماوي المفتوح أعلى حقول الذرة بآخر الشارع، مَثل إغراءً لا يقاوم بالنسبة إلى فتاة في الثامنة من عمرها تتمتع بخيال خصب وتحلم برؤية وزيارة بلاد ومواقع كثيرة لا تراها سوى عبر شاشة التلفاز والمجلات والكتب التي تدمن قراءتها. لم يكن النهر ليظهر من موقعي هذا، فلقد كانت مياهه تجري أسفل تل منحدر، لذا فشوقي لرؤية النهر او "البحر" كما اعتاد اهل البلدة أن يطلقوا عليه كان كبيراً وعبور ذلك الشارع الطويل حتى آخره ومن ثم الهرولة نحوالأسفل، كان بمثابة مغامرة شديدة الخطورة، ولا أنكر أنني كنت وربما ما زلت أعشق المغامرات وإن انطوت على خطورة ما، فالحياة المستوية بلا منحنيات لطالما كانت مملة وقاتلة بالنسبة لي.
عندما انتهت امتحانات المدرسة بدأت في نسج بعض الأكاذيب الصغيرة لأمي؛ بأنني أذهب إلى زيارة صديقاتي أو لشراء مجلات من عم نسيم بائع الجرائد والذي يقع " كشكه" جوار مزلقان القطار. كانت الساعة الثامنة مساءً هو موعد سندريللا كي تعود إلى المنزل، فكنت أغادر المنزل في الرابعة والنصف عصراً وأتوجه نحو النيل.
في المرة الأولى شعرت برهبة كبيرة وانا أتقدم بخطوات بطيئة نحو المجهول؛ نعم لقد كان النيل بالنسبة لي آنذاك مجهولا، أشاهده فقط عبر شاشة التلفاز الأبيض والأسود وأسمع عنه من أمي وجدتي، حيث يأتي ذكره عارضا في حكاياتهما المتذكرة لرحلات قامتا بها في المركب الذي قد يطفوا فوق مياه نهر النيل أو فوق مياه بحيرة المنزلة بالدقهلية التي احتلت جزءً كبيرا من ذاكرتيهما.
عندما وصلت إلى قمة المنحدر الذي يستقر في آخره النهر، كان المشهد الذي أثر لبي ولا يختفي من ذاكرتي حتى اليوم، هو انعكاس أشعة الشمس الغاربة على صفحة مياه النيل لتعطي ألوان الطيف. كان قوس قزح بألوانه السبعة مجرد حدوتة أقرأها في قصص الأطفال مع صورة كرتونية مبهجة، لكن في ذلك اليوم تعرفت عليه بنفسي. لم تتمكن طفولتي من التمهل واتخاذ قرارا متعقلا بشأن الألوان المبهجة والعائمة على صفحة النهر، فجريت نحوها ولمست قدماي لأول مرة برودة المياه المنعشة ومن ثم اخذت باللعب مع الألوان مشتتة تجمعها فوق المياه. في غمرة عبثي الطفولي المرح وجدت من ينادي ورائي: " انت يا به انت يا به" نظرت خلفي لأجد احد الصيادين منزعجاً باعتباري فتاة بندرية قد تتسبب في مصيبة غرق جديدة. لا أتذكر الحوار بالنص ولكنه حذرني من ان أدخل في عمق النهر أو حتى أسير بالعرض على الشاطئ موضحاً ان طمي النيل غدار وأن الشاطئ غير مستوٍ قد يهبط بي فجأة في العمق، كما ان هناك مناطق تحتوي على دوامات تسحب البشر للأسفل بلا رجعة.
عدت إلى الأرض خائفة ربما، ووعدت الصياد بأنني لن أرتكب خطأً من تلك التي عددها على مسامعي، لكن ذلك اليوم كان بمثابة بداية علاقتي الحقيقية بالنيل، فلقد دأبت على الذهاب هناك كلما ابتكرت قصة جديدة لأمي كي أتسلل نحو النهر دون ان تدري وحفظت سري داخل قلبي ولم أخبر به حتى أختي التي كانت بمثابة راعي رسمي لي.
ظللت أتردد على النهر وكونت علاقة متينة مع الصيادين وأسرهم المتناثرة في أكشاك صفيح على التل المطل على النهر، كنت أجلس بينهم وألعب مع أطفالهم بين أشجار التين الشوكي التي لطالما تأذيت منها في ظل محاولاتي المستميتة لقطف ثمرة بنفسي. الجلوس على الشاطئ كان معجزتي الحقيقية فلقد تحول النيل بالنسبة لي إلى صديق حميم أسرد على مسامعه تخاريفي وأحلامي وأزماتي وحلمي بأن يكون لي أبا أعرفه ويمنحني مصروفي كل صباح مثل باقي صديقاتي، وكان يجيب علي أو هكذا كنت اظن، لكن الأكيد أنني كنت أجالسه وأقص عليه مرويات طويلة من تلك التي كانت تحكيها لي جدتي أو من تلك التي أتفنن أنا في نسجها.
بعد ان حصلت على إجازة المدرسة بعد انتهاء الصف الخامس الابتدائي، اقترحت علي صديقتي وجارتي التي تقاربني في العمر أنها ترغب في أن تخرج إلى مكان جديد لنمضي فيه وقتاً مختلفاً، ولا أذكر كيف انضمت الينا أختي وصديقتها، وبالفعل كنت أنا القائد لتلك الرحلة النيلية كي يشاهدوا معي قوس قزح على الطبيعة. للأسف لم أعد سرد تعليمات الصياد لجارتي التي تحمست كثيراً لقوس قزح ونزلت معي إلى شاطئ النيل، فقامت بخطأ جسيم حيث سارت بالعرض في النهر إلى أن وصلت لإحدى منزلقات الطمي فانكفأت على وجهها في الماء. كنت أظنها تكمل لعبها فاغتظت منها كثيراً وذهبت نحوها وأنا أصرخ: ايه اللي بتعمليه ده هتروحي مبلولة كدة إزاي؟. مددت كفي حتى أجذبها من الماء لكن الصياد لم يكن قد سرد علي أهم تحذير: لا تحاول جذب غريق بيديك لأنه سيجذبك أنت نحو الغرق. انزلقت في مياه النيل جوار جارتي ولم أعد أدري ما الذي يحدث على الشاطئ. لكنني عشت لحظات بين السعادة ومصارعة الموت. كنت أسفل المياه لكنني كنت أرى ضوءً شفيفاً يتسلل نحو عيني يأتي من أعلى، لم أكن أعرف السباحة حينها، لكنني كنت أخبط بذراعي وقدمي المياه فأصعد لأعلى قليلاً لاستنشق الهواء ثم أعود لأغوص في المياه وأدور في الدوامة الهيولية الممتعة. لم أتذكر أمي ولا أبي تذكرت فقط أنني أرغب في أن أقوم بأشياء كثيرة وأنني لو استسلمت لذلك الهلام الذي أسبح داخله وأغيب في ألوان أشعة الشمس الغاربة التي تعتلي بصري، لن أفعل شيئاً منها.
لم تغرق أياً  منا، فلقد أنقذنا الصيادين على الشاطئ واكتشفت بأن أختي كانت واحدة من اللائي تم انقذاهن بعد أن حاولت انقاذي فغاصت في النهر معنا. عدنا ثلاثتنا نقطر ماءً وبمجرد أن طرقنا بابي منزلينا لم يكن هناك الكثير ليتم رويه!.
منذ ذلك اليوم وأنا أتعامل مع النيل على أنني عروسته، لم يرهبني الحادث بقدر ما قربني أكثر من النهر وإن كنت قررت تحاشي النزول إلى مياهه والاكتفاء بالجلوس على الشاطئ. لكن للأسف بدأ زحف السكان إلى منطقتي السرية، وبدأت المباني تحتل الحقول واختفت عيدان الذرة ليحل محلها الطوب، وقبل أن أغادر الفشن نحو القاهرة لم يعد هناك مساحة على الشاطئ كي أجلس عليها بين أطفال الصيادين، فقد اقتلعوا شجر التين الشوكي وهدموا صفائح الصيادين وبنوا شيئاً أطلقوا عليه " نادي". وغابت ألوان قوس قزح.
في القاهرة اخترت بقعة هادئة على الشاطئ أسفل كوبري قصر النيل كي أتقرب زلفا إلى حبيبي الأبدي وكذلك مَثل كوبري أبو العلا قطعة أثرية من الجنة تطل على شاطئ خطيبي "النيل". اعتدت ان اتنقل بين هاتين البقعتين لأبث حبيبي وصديقي الأبدي لواعج صدري وكل خرافات السياسة والدين التي انغمست داخلها آنذاك في فترة دراستي الجامعية، لم يكن لي حبيب غيره فلم أجرب في تلك الفترة ان احب مثل باقي قريناتي وإن كنت دوما مملوءة بالحب الرومانسي الموجه نحو الفضاء باتجاه شخص يماثل قلبه نهر النيل اتساعاً ويحمل على صفحته ألوان قوس قزح المبهجة. ورود حمراء كثيرة ألقيتها في النهر حباً وشغفاً وعشقاً حقيقياً لم أشعر بمثيله يوما تجاه بشر. لكن القدر دائما ما كان يتربص بقصة حبي، فكوبري أبو العلا اختفى بأمر من الرسميين العظام وأسفل كوبري قصر النيل زحف البشر والبائعين المتجولين ولم يعد هناك لحظة صمت تشملنا.
الآن اجدني بعيدة عن النيل كثيراً ولا ادري السبب ...ربما عدت اليه وعاد الي يوماً.

تم نشر المقال في مجلة الثقافة الجديدة في أكتوبر 2013


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق