الخميس، 20 يوليو، 2017

"قمر العشاق" ... مباراة صوفية ناعمة أضاءت خشبة المسرح القومي



"حضرة روحانية" هكذا ببساطة تشبه بساطة صفاء النفس في سبيل الوصول إلى الله، يمكن وصف عرض "قمر العشاق" الذي أضاء خشبة المسرح القومى في النصف الثاني من شهر رمضان. مباراة في عشق الله كتبها باقتدار الكاتب عبد الرحيم كمال الذي اشتهر بكتاباته الصوفية التي يحاول من خلالها التعبير عن كل كل أفكاره وتوصيلها للمشاهد على اختلاف نوعه ودرجة ثقافته، فهو ربما ينفرد باللعب في تلك الساحة وحده وكأنه  يأخذ على عاتقه مهمة تهذيب النفوس المشتتة في محاولة معرفة الله وكيفية الوصول إليه، وربما كان نص "قمر العشاق" البسيط في تركيبته الدرامية، مثالاً بارزاً على هذا الهدف، فهو يحاول أن يقول بهدوء أننا جميعاً مهما اختلفت مسالكنا في الحياة نبحث عن الله ونحاول الاهتداء إلى طريقه النوراني الذي يأخذنا إلى منطقة الراحة والشعور بالاستقرار مهما تلاطمت أمواج الحياة من حولنا.


من خلال ثلاث شخصيات أداها باقتدار على خشبة المسرح كل من الفنانة القديرة سوسن بدر والقديرين ناصر سيف وخالد الذهبي، نتابع ثلاث مسارات مختلفة متفارقة التقت في النهاية على تل "قمر العشاق"، هذا التل الذي يعد رمزاً للبرزخ الذي يلتقي فيه كل البشر في طريقهم النهائي إلى ملاقاة الله في نهاية رحلة الحياة وما بعد الموت للوصول إلى الآخرة التي لا تنتهي عنده وحده. وبفكر صوفي شديد الصفاء يجمع عبد الرحيم كمال ثلاثة يعبرون عن رحلتهم للوصول إلى الكشف وبلوغ ما وراء الحُجب حيث الله يجتمع عنده المحبون والذين أفنوا عمرهم من أجل وصله مهما اختلفت السُبل، حيث يُمثل الفنان خالد الذهبي ذلك الذي بلغ الكشف صدفةً أو هبةً من الله بعد أن كان فتىً مدللاً يأخذه الترف من لهو إلى آخر حتى بلغ قمته ولم يكن لديه غيره ليفعله، فكشف الله له الحجب وهو نائم ليمضي في حضرة جلاله متحبباً متقرباً منتظراً بلوغ المنتهى بماعيته سبحانه، وناصر سيف العالم المُفكر الذي خرج عن صندوق الراحة المُحدد لتعريف الله والوصول له من خلال الطقوس والشرائع المفروضة كقائمة جاهزة مُقدمة بسهولة من المجتمع والناس، وفضل الخروج على الله بالسؤال في كينونته وماهيته وضلال القوالب الجاهزة عنه ولم يعترف سوى بالعقل وحده لتفسير كل شئ على الأرض وأنكر تماماً السير في طريق الدين المُعبَد بلا تفكير أو تأمل، فتعامل بصلف مع كل المُحيطات المُقَولَبة لتعريف الحياة والموت والآخرة ومفردات الكون، لكنه في النهاية وصل إلى تل قمر العشاق الذي يجتمع فيه المُحبون الذين يبغون وصل الخالق جل جلاله. أما سوسن بدر فجسدت شخصية الإنسان الذي يعيش حياةً من كَبَد، فلا تأخذها بالتذمر ولكن بالتدبر، حيث قابلت الكثير من العثرات في الحياة وواجهتها بقوة وصلابة، فتعلمت حكمة الحياة ومنها عرفت الطريق إلى الله فكشف عنها الحجاب لتراه وتكون بماعيته.


ثلاث طُرق متفرقة مضى فيها الثلاثة تُعبر عن أدبيات الصوفية والتصوف، حيث يصل إلى الله ذلك الذي يخرج عليه ويُنكره، وذلك الذي يتجاهل وجوده وينغمس في الترف واللهو، وتلك التي تضيع بين طيات قسوة الحياة وصروف الزمن، فقط هم يختلفون عن غيرهم بشئ واحد ركز عليه الكاتب في نصه، ألا وهو القلب، فبلا قلب مُحب لا سبيل لنا للوصول إلى جلالته سبحانه.
يُحسب لعبد الرحيم كمال في نص "قمر العشاق"، أنسنة الشخصية المُلحدة التي يتعامل معها مجتمعنا بكراهية واستنكار وكأنها الشيطان مجسداً على الأرض، فيقول بوضوح أنه حتى الملحد يصل إلى الله بإلحاده ورفض كل ما هو رُوحاني بالتعامل مع الماديات فقط لتفسير الكون، فالخروج على الله هو اعتراف بالأساس به ومحاولة لرفض القوالب الجاهزة السطحية في تعريف الله وطريقه، فليس بالطقوس يكون الإيمان وإنما بالعقل المُحاط بنور القلب. أيضاً يُحسب له إثارة التعاطف مع العاصي اللاهي الغارق في الملذات فهو بقلبه يمكن أن يهديه الله السبيل القويم، أما جعل التجربة الحياتية الموجعة مُجسدة بواسطة امرأة فهي نقطة إيجابية تُحسب أيضاً للنص ولا أدري إن كانت مقصودة من قبل الكاتب أم لا؟، لكنني رأيتها هامة جداً حيث أنها كرست لفكرة عُمق التجربة الحياتية للنساء في مجتمعاتنا وأنهن لسن بكائنات سطحيات يعشن على هامش حياة الرجل.


استطاع المخرج محمد الخولي أن يُخرج النص من شكله التقليدي حيث ثلاثة ممثلين يلقون نصوصاً أقرب إلى الشعرية على مسامع المتلقين، ليحوله إلى نص مُتحرك رغم عدم وجود حركة على المسرح، فقد قسم المسرح إلى وحدتين منفصلتين يقف على جانبها الأيمن كل من ناصر سيف وخالد الذهبي، بينما تقف على الجانب الأيمن سوسن بدر، ثم وصل بينهما في الخلف بفرقة الفراديس للإنشاد الديني والصوفي وبذلك عبأ فضاء المسرح، ليخلق تفاعلاً بين عناصره الثلاثة بالتباري بين الممثلين في الحوار حول الله والخروج والوصول إليه بينما تلاحقهم "الفراديس" بنصوص إنشادية جمعت بين تلخيص محتوى كلامهم وبين الرشاقة في نفس الوقت، ما خلق حالة من السلطنة والسباحة في ملكوت الله دون لحظة انفصال واحدة عن ضوء خشبة المسرح، ساعده على تحقيق ذلك الديكور الذي نجح ناصر عبد الحافظ في إبداعه ليجعلنا نشعر بأننا مُعلقين في الفضاء بين الكواكب والمجرات يشملنا ضوء القمر والنجوم.
أما القمم التمثيلية التي جمعها هذا النص على خشبة مسرحية واحدة، فقد تمكنت من سحبنا بصوتها العميق والمُعبر بقوة عن كل كلمة كتبها عبد الرحيم كمال، فكانت بحق مباراة ناعمة بينهم فازوا فيها جميعاً.
نُشِرَ المقال في جريدة القاهرة عدد 11 يوليو 2017


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق