الأربعاء، 15 ديسمبر، 2010

فكوا عن دربنا وجعتوا قلبنا

هكذا انطلقت الهتافات النسائية في السودان، اعتراضاً على جلد فتاة لم تتخط السادسة عشر من عمرها في السوق وأمام المارة، خمسين جلدة، على أثر اتهامها بارتداء البنطال. وأنا أرفع عقيرتي أيضاً معهن وأقول لكل الحكام الإسلاميين في كل أصقاع الأرض " فكوا عن دربنا وجعتوا قلبنا".
بغض النظر عن كون الحكم بالجلد على من ترتدي البنطال، أمراً لا علاقة له بالإسلام لا من قريب ولا من بعيد، حيث أن الإسلام الصحيح في كتاب الله عز وجل، لم يفرض أي عقوبة على الزي للمرأة أو للرجل، وأن عقوبة الجلد مخصصة لفعل واحد، ألا وهو الزنى، وحدد عدد الجلدات بمائة جلدة، يشهدها نفر من المؤمنين، ولم يقل في قلب السوق ليشهدها كل المؤمنين، حيث أن المبدأ العام في الدين الحنيف هو الستر وليس الفضح. بغض النظر عن هذا الأمر، حيث أن قلوبنا قد تعبت أيضاً من كثرة النقاش حول ما هو إسلامي وما هو غير إسلامي، لأنني اكتشفت أنه لكل بدعة ظلامية في الاسلام، حديث يخرج من بين طيات كتب فقهية علاها التراب وأكل عليها الدهر وشرب، اتخذها بعض المشايخ مصدر رزق واستنطاع على كواهلنا نحن المسلمين الغلابة، أو بالتحديد نحن المسلمات الغلبانات، حيث أصبحنا ممسحة لأحذية رجال الأمة الإسلامية من مشرقها إلى مغربها ومن جنوبها إلى شمالها، فالرجل المسلم وكما هو واضح، لم يجد سوى المرأة كي يثبت من خلالها عدم عجزه، بعد أن عجز عن فعل كل شيئ وأي شيئ، ولم يتمكن من الحفاظ حتى على ثقافته، فالمسلم "الكول"، أصبح هو صرعة الأجيال الحالية، فأن تتنكر للغتك وقيمك الثقافية، أمر لا علاقة له بأن تتحدث في الحجاب ووجوبه على المرأة، وكأن المرأة هي الوسيلة التي يستخدمونها لإثبات ذكورتهم المشوهة।
الفتاة السودانية التي تم جلدها، وتدعى "سلفا كاشف"، تنتمي إلى عائلة مسيحية نازحة من بلدة يامبيو بجنوب السودان، نزلت من بيتها لشراء بعض الحاجيات من السوق في منطقة الكلاكلة بالخرطوم، فاعتقلها الشرطي ساحباً إياها إلى المحكمة، وتم إدانتها والحكم عليها وتنفيذ العقوبة، دون حتى إخطار أهلها، نظراً لكونها قاصر. الفتاة التي تم جلدها في الشارع على مرأى ومسمع من الناس، والتي كانت تنادي على أمها كي تنقذها من بين براثن كلاب الشرطة السودانية، بأصواتهم التي يجلدونها بها، أثارت شفقة المارة، الذين انزعجوا من هذا المشهد، كونها المرة الأولى التي يشاهدون فيها عملية جلد علنية، وليست داخل ساحة المحكمة.
الغريب أن الشارع السوداني الشمالي، يرفض تعطيل قوانين سبتمبر التي تم سنها عام 1982، مؤكدين أنه " لا تبديل لشرع الله" – لا أدري أين شرع الله هنا؟ – لكنه يعترض فقط على أن تنفيذ القانون تم في الشارع وبين المارة، وأنه كان يجب أن يتم في ساحة المحكمة، كما هو متعارف عليه. والمتعارف عليه هنا يا سادة، أن الرجال والنساء السودانيون يتم جلدهم يومياً بذرائع عدة ما أنزل الله بها من سلطان، لكن بالطبع نصيب المرأة من الجلد أكثر بكثير، ففي الوقت الذي تُجلد فيه المرأة لارتدائها البنطال، يسير الرجل ببنطاله طليقا في شوارع السودان، وبينما لا يتم توجيه أي عقوبات للرجل القواد، يتم جلد وسحل المرأة التي تعمل في الدعارة....... إلخ. ما يجعل القضية نسائية بالدرجة الأساسية، ويكون من حق نساء السودان، الصراخ عالياً هاتفات " فكوا عن دربنا وجعتوا قلبنا".
بالنسبة لي لا أرى مثل تلك القضايا، بمعزل عن قضية انفصال الجنوب السوداني عن الشمال، فما الذي يجعل المسيحيين في الجنوب، يتحملون هذا الحكم الجائر الملقب بالإسلامي، بينما من الممكن أن ينعموا بقوانين عادلة وديمقراطية، تحت مظلة " مسيحية" فرضاً؟ ما الذي يجعل رجلاً أو امرأة جنوبية مسيحية يصوتان لعدم الانفصال، بينما بالإمكان أن يعيشا بحرية وكرامة بمعزل عن الشمال المتسلط وقوانينه الظلامية الجائرة؟. ببساطة شديدة لو كنت امرأة من جنوب السودان، سأتغاضى عن كل العواقب السلبية للانفصال، وسأصوت من أجل تحقيقه، فقط لأسير في الشارع بأمان مرتدية ما أريد بحرية.
أنا لا أدين الحكم في السودان، لما يصدره بحق النساء من أحكام جائرة، فوفقاً لناشطات سودانيات في حقوق المرأة، يصدر بحق النساء السودانيات مليون ونصف جلدة سنوياً، ما يجعل السودان ساحة تعذيب كبيرة للنساء. لكني أدين كل الأنظمة وكل الحكام العرب والمسلمين، الذين يستخدمون الإسلام لصالح هيمنتهم وسيطرتهم على مقدرات الشعوب، أدين تحويلهم لديننا الحنيف إلى دين دموي وسادي وظالم، ينصر جنساً على الآخر، ويفرق بين عباد الله على أساس النوع " ذكر وأنثى"، أدين تركهم لزبانية جهنم الملقبين بالشيوخ والدعاة، لكي يبثوا سمومهم بين الناس في كل مكان، ويقتاتون على بساطة الناس وسذاجتهم ورغبتهم في نيل رضا الله وجنته. أدين الشعوب العربية والمسلمة، التي لا تُعمل عقولها وتستسلم إلى ركنها جوار الحائط، مستسلمة للخنوع والذل. أدين المرأة العربية والمسلمة التي استسلمت، لفكرة الحجاب والنقاب، وأحبت أن يتم تشبيهها بالحلوى التي سيعف عليها الذباب إن لم يتم تغطيتها جيداً، بائعة بذلك كونها إنسان عاقل وليس مجرد جسد مصدر للشهوة والفتنة. أدين نفسي وأدينكم جميعاً لأننا بلا استثناء استسلمنا إلى هذا العفن.

الخميس، 2 سبتمبر، 2010

صورة المرأة المغربية أم المصرية في الدراما!

السؤال الذي يراودني دائماً وسط الأجواء المتعصبة والمتزمتة في الشارع المصري والعربي عموماً هو: منذ متى نتعامل مع الدراما التلفزيونية أو السينما أو الغناء ...إلخ، على أساس أنها رسائل سب أو تشويه لشخوص بعينها؟ منذ متى ونحن نتعامل مع الفنان على أساس الشخصية التي مثلها في مسلسل أو فيلم؟ كيف وصلت الحالة العقلية المصرية والعربية إلى هذا المنحدر الفكري ؟ وأين كنا والعقول تذهب ولا يبقى سوى صوت الحمقى؟
الأزمة المفتعلة، للدفاع عن صورة المرأة المغربية، فتحت طاقة التساؤل في عقلي من جديد، وكذلك ساهمت في تداعي كافة التعليقات التي يبادر بها الأخوة العرب في كافة المواقع الاجتماعية العربية، لسب وتشويه المصريين جميعاً والنساء بشكل خاص. وسألت نفسي، لماذا لا أهتم بالرد على هؤلاء وسبهم بالمقابل، ولماذا أقول لنفسي دائماً أنهم مجرد حثالة لا يعبرون عن شعوبهم بالكامل؟ رغم أنني في الحقيقة لم يصادفني حتى الآن تعليق واحد محترم من قبل العرب يخص مصر والمصريين!.
لماذا لا نقوم نحن أيضاً بحملة ضد البلاد العربية، التي تتطاول علينا في كافة مواقعها الإلكترونية، وكذلك في منتجها الدرامي؟. فالمصرية في كافة أشكال الدراما العربية، يجب أن تكون إما معلمة في مقهى أو راقصة درجة عاشرة أو " خطافة رجالة" أو فلاحة ساذجة تثير الشفقة والضحك. ولماذا نذهب بعيداً، في رمضان الحالي تذيع قناة سما دبي، أوبريت عن رمضان، تمثل فيه امرأة إمارتية الجنسية دور مصرية، وقد تم مراعاة أن تكون تلك المرأة دميمة ومترهلة الجسد، ترتدي ملاية لف وتضع زينة رخيصة ومبالغ فيها بوجهها، تتحدث بأسلوب الحواري، وتسير تدفع الناس من حولها بيديها بأسلوب أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه متوحش. فهل هذا هو النموذج الذي من المفترض أن يمثل المصرية في أوبريت عن رمضان ويحتوي على جميع الجنسيات العربية؟ ولماذا تم تجسيد جميع الجنسيات العربية بأسلوب محترم وراقي ولم يتم عمل ذلك مع المصرية؟
مع ذلك ورغم استيائي من الأوبريت، قررت أن أتوقف عن مشاهدة تلك القناة ولم أحاول أن أنظم حملة أتهم فيها دبي والإمارات بتشويه صورة مصر والمصريات. إن موقف الحملة المغربية من " مسلسل العار"، والذي لا أشاهده بالمناسبة، ولكنني قررت أن أشاهد المشهد الذي أثار استيائهم، موقف الحملة من المسلسل، مجرد محاولة لحشر مصر في قضية لا ناقة لها فيها ولا جمل. فالمشهد قد نجد آخر مشابه له تماماً في دراما أخرى، لكن تجسد الدور امرأة مصرية. كم من مرة ظهرت المرأة المصرية في الدراما، في دور عاهرة ونصابة وقاتلة ؟ كم مرة تم شتم المصريات وسبهن في شرفهن على إثر الحوادث المنشورة في صفحات الحوادث المصرية والعربية، ولم نعتقد أو نفكر للحظة، أن المقصود من وراء كل ذلك تشويه صورة المرأة المصرية. إنها دراما وسينما وجرائد. وظيفة الدراما إلقاء الضوء على السلبيات لمعالجتها وفضحها، ووظيفة الجرائد أن تنقل لنا الأخبار بكافة أنواعها ومنها الحوادث، وذلك لزيادة الوعي لدى المجتمع.
إن صورة المرأة المغربية، لم يتم تشويهها في مصر بكل تأكيد، فالمكانة التي وصلت إليها سميرة سعيد وليلى غفران ومؤخراً جنات، لم تكن لتصلن إليها في أي مكان آخر غير مصر. المغربيات يعملن في مصر مدرسات للغة الفرنسية، ولا أعتقد أن هناك إيمان بمكانة المرأة المغربية العلمية، أفضل من الوثوق فيهن داخل المدارس وبين أبنائنا. السؤال الآن، وبعد هذه الأزمة المفتعلة التي كانت واحدة من الحملات الإعلامية العربية لتشويه مصر والمصريين، السؤال هو: ما هو موقف المغرب وباقي البلاد العربية، من مصر والمصريات؟ متى سيتوقف سيل السباب والشتائم الموجهة إلينا في كل مكان، خاصة وأن هناك قنوات تليفزيونية عربية، كرست ذاتها من أجل تشويه سمعتنا، وقلب الحقائق ضدنا.

الخميس، 29 يوليو، 2010

مازال شيوخ الاسترزاق يقتاتون على ذبح الفن المصري

مازال مشايخ النصب والاسترزاق، يقتاتون على الفن المصري. في الماضي...ليس بعيداً جداً. تطايرت الفتاوي الدينية من أفواه مشايخ، رسخوا لأنفسهم بين المصريين الطيبين، وروجوا لحرمانية الفن. تلاعبوا بألفاظ مثل العري والقبلات والمشاهد الساخنة في السينما، واتهموا الفنانين والفنانات بالزنا، بل ذهبوا إلى القول بأن كل تمثيل وغناء حرام. اعتزلت العديد من الفنانات مرتديات الحجاب، وعادت بعضهن إلى الحظيرة الفنية، ليعلن أنه تم دفع الأموال لهن حتى يعلن تبرأهن مما قدمن من فنون. فنانون آخرون، تم تمويل مشاريع إعلامية لهم، لإنتاج أوعية إعلامية ذات محتوى ديني وهابي، يروج لفكر التحريم والحجاب والفن الحرام، وإطلاق اللحية وقص الشارب، وغيره من قشور الإسلام، أو بدع الوهابيين.
تغير فكر المجتمع نفسه. أصبحت كل الراقصات عاهرات في نظر الناس، وكل فنانة داعرة حتى تتحجب وتعتزل. بل إن الفنانين أنفسهم اضطروا أن يركبوا الموجة، حتى لا يفقدوا أعمالهم وقبول المجتمع لهم، ورددوا أقول بلهاء مثل، السينما النظيفة! اضطرت فنانات مثل المخرجة إيناس الدغيدي، أن تعيش حياتها كلها بين قضايا التكفير والاتهام بالترويج للفسق وغيره. لكن الشهادة لله وحده، أن أمثال إيناس الدغيدي وغيرها، كانوا سبباً رئيسياً في أن لا يموت الفن المصري تماماً، لكن علينا أن لا ننكر، أنه ظل قابعاً في غرفة الإنعاش قرابة الثلاثة عقود على الأقل، ليبدأ في الانتعاش قليلاً قليلاً، مع منتصف التسعينات.
انساق المصريون وراء ترهات الفتاوي الوهابية، وساروا وراء المشايخ المصريين المرتزقة، الذي اقتاتوا على بيع ريادة مصر الفنية والثقافية، بأرخص الأثمان، حتى استيقظنا ذات يوم، لنجد أن السعوديين نهبوا تراثنا الفني والثقافي واحتكروه لأنفسهم، وأنهم سحبوا من أسفل أقدامنا ريادتنا الفنية والإعلامية، وأصبحوا هم الآن محتكري الإعلام العربي ورواده، وأصحاب أقوى شركات إنتاج سينمائي وموسيقي. من الذي اشترى تراث مصر السينمائي واحتكره في قنواته الشهيرة؟ أليس الأمير الوليد ابن طلال السعودي؟ من الذي احتكر الإنتاج السينمائي بعد ذلك؟ أليست شركة روتانا للإنتاج السينمائي؟ من الذي أنتج أول فيلم سينمائي سعودي؟ أليست نفس الشركة؟ من الذي احتكر المطربين المصريين والعرب في شركته للإنتاج الموسيقي، وكاد أن يتسبب في خراب بيت محسن جابر وشركة عالم الفن؟ أليس الأمير ابن طلال وشركته، روتانا للإنتاج الموسيقي؟ من صاحب أكبر وأقوى مجموعة تلفزيونات عربية الآن؟ أليس الشيخ السعودي الوليد الإبراهيمي صاحب مجموعة تلفزيون الشرق الأوسط " إم بي سي"؟
بالطبع لا أنفي عنا التواطؤ مع الوهابيين ضد أنفسنا؟ مصر مليئة بالخونة والأرزقية، الذي سهلوا بيع تراثنا الفني من أجل حفنة ريالات. هؤلاء الخونة من مشايخ وإعلاميين ومثقفين، مازالوا يسيرون بيننا إلى اليوم، يركبون أفخر السيارات ويرتادون أفضل الأماكن ويعيشون في أرقى الأحياء والمنازل، بينما نحن نشقى بغبائنا واتباعنا لفتاويهم الممجوجة والعميلة. ما لا يعرفه بعضنا أيضاً، أن أصحاب تلك الفتاوي العظيمة يعيشون الحياة الفاسقة والماجنة بأدق تفاصيلها في قصور الأمراء العظام، بل بإمكانكم أن تتأكدوا، أنهم يمارسون تلك الأفعال، التي قد تقرأونها في ألف ليلة وليلة، وتتخيلون أنها ضرب من خيال المؤلف، أو حياة قديمة انتهت بتطور وتحضر الإنسان.
كنت أعتقد، أن فتاوي النصب والاسترزاق الخاصة بالفن، انتهت وعفا عليها الزمن، لكن فيما يبدو، أن مشايخ الاسترزاق، لم يهن عليهم أن يخرج الفن المصري من الإنعاش ويبدأ في تنسم بعض الهواء النظيف، فقد عاد أحد أكبر أساطين الاسترزاق الديني، الشيخ المزواج، الذي يجمع أربع زوجات على زمته، يطلق واحدة ليأتي بأخرى، وكله بالدين وكله بأمر الله. خرج هذا العفن، ليشوه سمعة الفن والفنانات المصريات من جديد، وتحدث من خلال قناته غير المعلوم مصدر الإنفاق عليها، مثلها مثل كل قنوات الاسترزاق الديني، ليتحدث عن الفنانات ويصفهن بأن كل رصيدهن الفني سرير وخروج عن الآداب العامة. يا شيخ يا مبجل، وما هو رصيدك أيها المزواج " بتاع النسوان والزواج العرفي" أليس سريراً أيضاً ؟ إن الفنانات المصريات أشرف منك ومن أمثالك.
أيها المرتزقة، يا من تبيعون الإسلام بالجملة والقطاعي. يا من حولتم مصر إلى مجتمع متطرف متوهبن، يصدر الظلام للمنطقة، بعد أن كنا رواد العلم والفن والثقافة والمعرفة. إرفعوا أيديكم العفنة، وتوقفوا عن فتاويكم القذرة، اتركونا نحيا من جديد، ربما استطعنا أن نلحق ما فات ونعود لنصبح منارة الكون من جديد.

الاثنين، 12 يوليو، 2010

"سكينة محمدي" ...النساء ترجمُ بعضها بعضاً


فجرت قضية سكينة محمدي الإيرانية، قضية هامة في رأيي، على الساحة الشعبية للمسلمين في مصر، ذكوراً كانوا أم إناثاً. ألا وهي كمية الشر والعنف والاستعلاء بأي شيئ ديني، حتى لو لم يكن مثبتاً، أو حتى لو كان مخالفاً للنص الإلهي في القرآن.
قمت ببساطة شديدة ودون أدني تفكير، بالتوقيع على الالتماس الإلكتروني، المنشور على الإنترنت، والذي يطالب الحكومة الإيرانية بوقف تنفيذ حكم القتل رجماً، على امرأة أربعينية، لارتكابها إثم الزنى. صدر الحكم على سكينة رغم عدم اكتمال الشهود الأربعة ورغم إنكارها وفقاً للشرع، ورغم عدم ثبوت الأدلة المادية في القضية.
وقعت ببساطة ودون أدنى تفكير، لأن حد الرجم يهودي في الأساس ولا علاقة له بالإسلام، ولأنه أسلوب بربري في القتل لا يليق أبداً بقوم متحضرين، خلوقين. بل لا يليق تحديداً بالمسلمين، الذين أمرهم الله بأن يحسنوا ذبح البهائم، فما بالكم بالانسان؟. تحمست للقضية، نظراً لاهتمامي بكل ما له علاقة بالمرأة في العالم أجمع، فبدأت أروج للقضية في محيطي وأطالب الناس بالتوقيع على الالتماس، لانقاذ تلك المرأة من هذه الميتة البشعة، فكانت المفاجأة!
لم أكن أتوقع أبداً أن تتحمس النساء قبل الرجال، إلى رجمها!. بل إنهن لم يقرأن تفاصيل القضية والخبر الخاص بسكينة، والذي كان متداولاً في كل مكان عبر الإنترنت. لم يسمعنني حتى وأنا أشرح لهن أن السيدة بريئة أساساً، لم يلتفتن لي وأنا أقول لهن أن حد الرجم أصلاً، ليس إسلامياً وإنما يهودياً. ولأن النساء في الأغلب حتى لو كن جامعيات، جاهلات بكل شيئ فيما عدا فتاوي قنوات الرعب والإرهاب باسم الاسلام؛ اتهمنني بالترويج للفاحشة وأعطينني ظهورهن ثم مضين. جاء الدور على الرجال. بدأوا يستخرجون الأحاديث المختلفة، من كل حدب وصوب ليثبتن بها، أن الرجم حداً إسلامياً، وأن الزانية، يجب أن تُرجم فوراً، طالما شهد عليها أربعة شهود. لم يقترب أي منهم للقرآن الكريم. لم يحاول أبداً أي منهم أن يقول، قول الله وحكمه في الزانية والزاني على حد سواء، وعندما ذكرت لهم الآيات من سورة النور :
سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ. وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ.
هذا هو حكم الله في مرتكبي الزنى من الرجال والنساء، وليس النساء فقط. فسكينة محمدي المحكوم عليها بالرجم، لم نسمع عن شريكها. أين هو ؟ ما هو مصيره؟ هل تم تنفيذ حكم رجم عليه قبلها، أم أنه وكما يقول واقع حكم الملالي في إيران، موقعه في القضية، شاهد عليها فقط!!!!!!
أيها المروجون للرجم في مصر. إن الله أنزل كتاباً كاملاً غير منقوص، كي تكمله الأحاديث النبوية. لقد قال الله نفسه في كتابه العزيز " وما فرطنا في الكتاب من شيئ". لم يكن هناك آية تقر الرجم، ثم استنسخت، فاختفى المنطوق وبقى الحكم سارياً، كما يدعي بعضكم، لأنه لا يوجد دليل أبداً على أن تلك الآية وُجدَت من الأساس. وأقول لمن يرددون ما ذُكر للأسف في بعض كتب الحديث، قول عائشة، أن آية الرجم كانت موجودة ضمن صحف القرآن، فلما توفى الرسول عليه الصلاة والسلام، وانشغلوا في إجراءات دفنه، دخلت إحدى الدواجن فأكلتها: هل يمكن أن تكونوا أصحاب عقول وتصدقوا هذه الرواية من الأساس؟ . لقد قال الله في كتابه العزيز " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون". هل يستطيع الله حفظ القرآن من البشر ومن أعداء المسلمين على مدار العصور، ويعجز عن حفظه من داجنة؟ ... " فرخة يعني؟". معقولة !!!!!!!!!!!!!
الاسلام من خلال كتابه المقدس " القرآن"، لم يفرق بين محصن ومحصنة أو غير ذلك. الحكم واحد على مرتكبي الزنا في كل الحالات، ألا وهو مائة جلدة غير مزيدة أو منقوصة. ثم إن الله كما هو واضح في الآيات، فتح باب التوبة لمرتكبي الفحشاء، فكيف يتوبوا وهم موتى؟ وكيف يمكن تطبيق حكم الله في آياته، بأن لا ينكح الزاني إلا زانية أو مشركة، والعكس صحيح، وهم موتى؟.
أما الأمر الوحيد المخصص للمتزوجين، واضح في قوله تعالى:
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ. وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ.
كما هو واضح في الآيات؛ المسألة كلها يتم حلها بالشهادة أربع مرات من قبل الزوج والرضا بلعنة الله لو كان من المذبين، لتأتي الزوجة وتحلف أمام حلفانه بالعكس والرضا بلعنة الله لو كانت من الكاذبين أيضاً. هل هناك رحمة بعد هذا؟ لماذا ترتضون وترغبون في الإسلام قاسياً وبربرياً، بينما هو رحمة للعالمين؟
إن الرجم لمرتكبي الزنى من المحصنين، هو حكم توراتي، تسلل إلى الفقه الإسلامي واختبأ بين ظلال التفسير للقرآن. ينبغي إزالة هذا الحكم اليهودي من الفقه الإسلامي، حتى يزول التحريف عن مفاهيم القرآن، وتأخذ فاعليتها في الفقه الإسلامي.
كفاكم تحريفاً لإسلامنا। كفوا أيديكم عن دينكم. اتركوا القرآن يعلوا على خرافات ما عداه. وارفعوا أغلالكم عن رحمة الله كي تسري بيننا، لنتنفس رحيق الحياة التي وهبها الله لنا.
أمنية طلعت

الاثنين، 17 مايو، 2010

أمنية طلعت تتقدم ببلاغ للنيابة ضد الشيخ السرساوي وقناة الناس

بعد قضية عزة سليمان ضد الشيخ حجازي

أمنية طلعت تتقدم ببلاغ للنيابة ضد الشيخ السرساوي وقناة الناس


تقدم المحامي سامي حرك، ببلاغ إلى المحامي العام الأول بنيابات جنوب الجيزة الكلية، ضد قناة الناس والشيخ مازن محمد السرساوي، وذلك بالنيابة عن الكاتبة أمنية طلعت. وكان الشيخ السرساوي قد بدأ منذ 25 مارس الماضي في بث حلقات خلال قناة الناس، يحض فيها على العنف ضد المرأة بوصفها أم وزوجة وأخت وإبنة، موجهاً كلامه إلى جميع فئات المجتمع من الرجال باعتباره داعية إسلامية، وباعتبار أن ما يقوله أمراً إسلامياً. كما استخدم عبارات معادية للمنظمات الحقوقية الخاصة بالمرأة بما فيها من هيئات حكومية مصرية مرموقة ووصف القائمين عليها بأنهم "نصابين". ومن بين الأوامر التي وجهها للرجال من المسلمين بوصفها إسلامية: ( فالعصا هي من تربي .. لو حصل حاجة كده ولا كده إضرب على طول ... إضربها كسر دماغها"، " الذين يضربون ... هؤلاء هم الرجال الذين يحفظون بيوتهم"، " مش ممكن يقوم بيت تكون الست فيه هي الريس "، "المرأة لا تصلح إطلاقاً لأن تقود سيارة فما بالك بالبيت وغيره"، "بتوع حقوق المرأة دول نصابين يدعون لحرية تجعل المرأة سلعة, ولا مومس, ولا سافرة ". كما إمتلأ شريط الحلقة بعبارات مماثلة تحض على الكراهية بين الرجل والمرأة, دعامتا الأسرة, والعنف والعدوانية ضد المرأة ومؤسسة الأسرة, بما يضر بالمصلحة العامة وإثارة المشاعر.
وتقول الكاتبة أمنية طلعت عن سبب اضطلاعها برفع هذه القضية: "هذا المحتوى العدائي الذي يرتدي عباءة الدين ويتم بثه عبر شاشة إعلامية يشاهدها الملايين من الناس، يمثل خطراً مباشراً علي بوصفي امرأة وأم في ذات الوقت، كما يمثل خطراً أكبر على ابنتي وعلى بنات المسلمين كافة، كما أن هذه الحلقة مترجمة إلى اللغة الإنجليزية ويتم بثها عبر موقع اليوتيوب لترويج فكرة أن الإسلام دين عنيف ويضطهد المرأة، ما يشكل تشويهاً للدين الذي أنتمي إليه أيضاً".

أما المحامي سامي حرك فيقول: لقد أخذت العريضة رقم 3344 من مكتب محامي عام نيابات الجيزة، وتم إحالتها إلى التحقيق في نيابة 6 أكتوبر برقم 1220"، مضيفاً " شريط الحلقة احتوى على تهديد مباشر لبناء الأسرة المصرية الذي يقوم –بالضرورة- على المودة والرحمة والتفاهم والثقة والإحترام بين المرأة والرجل, وبين الصغير والكبير, لا التمييز والكراهية، لذلك تحمست لتولي أمر هذا البلاغ بمجرد أن طلبت مني الكاتبة أمنية طلعت ذلك".

الثلاثاء، 11 مايو، 2010

حدوتة مصرية!



أعلم تماماً أننا جميعاً وبلا استثناء، لدى كل واحد منا قصة مأساوية عن اصطدامه بحوائط الصد المصرية، وكيف أنه في مقدرة أي أجنبي أياً كانت جنسيته عربية أو غربية، أن يحقق أحلامه في القاهرة بسهولة ويسر، فتنفتح أمامه كل الأبواب الموصدة والأذرع المغلقة، ليصبح نجم النجوم في مصر وربوع بلاد العرب في غمضة عين، بينما المصري لن تقابله سوى الأسوار العالية والحوائط الشاهقة وكل قوى الطرد الموزعة بحرفية عالية أعلى كافة الأبواب. وكأنه كُتِب علينا أن نثبت أنفسنا في الخارج أولاً لنعود إلى مصر ونحن مكللين بالغار فعلاً، فلا يجد من يحتكرون مفاتيح الأبواب بدا من فتحها والسماح إلينا بالعبور حتى لا يفوح عفنهم في كل الآفاق.
حكاية مصطفى سعيد مثل حكايتنا جميعاً، لكنني لن أتراجع عن سردها وإن كانت مكررة على المسامع، فالحكاية واحدة رغم اختلاف أسماء الأبطال. هذا الفتي ذو السبعة والعشرين عاماً، مثل بالنسبة لي مفاجأة حقاً، فلقد تمت دعوتي بواسطة إحدى صديقاتي لحضور حفل له وفرقته " أصيل" ضمن فعاليا مهرجان أنغام من الشرق الذي تقيمه هيئة الثقافة والتراث في العاصمة الإماراتية أبوظبي. ذهبت لأستمع إلى تجربته الموسيقية الشرقية الجديدة والتي تتصدرها آلة العود التي يتخصص مصطفى فيها. لآخر لحظة كنت مترددة في الذهاب إلى الحفل، فلقد استمعت إلى العديد والعديد من التجارب الموسيقية العربية التي يتزعمها العود، فما الذي يمكن أن يضيفه مصطفى حتى أترك منزلي يوم الجمعة وأقود سيارتي متخطية كمية مهولة من إشارات المرور والسيارات المجنونة حتى أصل إلى مسرح قصر الإمارات؟. قررت التوجه في النهاية إلى الحفل على الأقل حتى لا أكسر اتفاقاً بيني وبين صديقتي التي تكبدت عناء الحصول على تذكرة مجانية لي.
كان رد مصطفى وفرقته على خمولي وجلوسي على كراسي المسرح في تراخي جد قاسي، فلقد صفعني بموسيقاه مشعلاً داخلي وقود الانتباه والدهشة والتساؤل، أين كان هذا الموسيقار العظيم قبل ذلك؟ وكيف لم أسمع عنه من قبل وأنا التي تدعي أنها من كبار المهتمين بالموسيقى والباحثين عن كل جديد فيها. مصطفى ليس مجرد عازف للعود ماهر، فهو مؤلف موسيقي أيضاً حيث أن كل ما قدمه مع فرقته " أصيل" من تأليفه، هو أيضاً منشد يمتلك صوتاً نادراً وكما نقول بالعامية " صوته يسطل". استطاع مصطفى بموسيقاه الشرقية المجددة والمطورة أن يسحب روحي لتحلق فوقه مع فرقته التي تتكون من عازفين مهرة حيث غسان سحاب على القانون ومحمد عنتر على الناي والمغني أسامة عبدالفتاح. يقدم مصطفى تجربة موسيقية شرقية بامتياز، لكنك عندما تستمع إليها تشعر أنها قديمة وحديثة في ذات الوقت، فهي أليفة جداً بالنسبة إلى مسامعك، لكنك تستطيع أن تؤكد أنك تسمعها لأول مرة، وهذا ما شرحه لي مصطفى عندما تحدثت إليه عقب الحفل، حيث قال لي أنه يرفض أن يجدد الموسيقى العربية من خارجها بمزج ما هو غربي أو حتى شرقي آسيوي إليها، وإنما يعمل على تطويرها من داخلها. مصطفى تجاسر وأعاد تلحين قصيدة " أراك عصي الدمع" للحمداني والتي غنتها أم كلثوم من قبل من تلحين الشيخ أبوالعلا محمد، ثم من تلحين رياض السنباطي، وهذه شجاعة يحسد عليها، بل ونهنئه عليها أيضاً فلقد لحنها وأنشدها بصوته، كما لو أنها لم يتم تليحينها أو غنائها من قبل، كذلك قدم عزفاً منفرداً لمقطوعات موسيقية من تأليفه على العود، ومقطوعات موسيقية قدمتها الفرقة كلها باعتبارها تخت شرقي حداثي مبهر.
ما هي المشكلة إذاً في كل ما سبق؟ المشكلة أن محمد يعيش في بيروت منذ عام 2003 ، حيث حصل على الماجستير في الموسيقى من الجامعة الأنطونية اللبنانية، وهو الآن يحضر الدكتوراة ويقوم بتدريس عود وعلوم ارتجال وتأليف موسيقى شرقي وغناء في نفس الجامعة. عندما سألته لماذا لا تدرس في معهد الموسيقى العربية وتقدم حفلاتك مع فرقتك في مصر وتعيش في القاهرة؟ أجابني بهدوء شديد يحسد عليه "معهد الموسيقى العربية لا يدرس للعميان" وبيروت فتحت ذراعهيا لي وأعطتني الشهرة فأنا مشهور في لبنان وباريس وعدد كبير آخر من البلاد العربية والعالمية. نسيت أن أخبركم أن مصطفى ضرير لأنني كنت حتى التقيته مؤمنة بأن الإعاقة الجسدية أمر لا اعتبار له أمام الذكاء والإبداع والعطاء الانساني، فلا يمكنني مثلاً أن أحشر طه حسين في صندوق العتمة ولا يمكنني أن أتعامل مع الشيخ سيد مكاوي والشيخ إمام وعمار الشريعي وغيرهم كثيرون، على أنهم لا يبصرون. كيف يمكن لمعهد الموسيقى العربية أن يرفض الطلاب الذين لا يرون بأعينهم طالما أنهم يمتلكون الموهبة والنبوغ الموسيقي، ألا يدرسون لطلابهم روائع الشيخ سيد مكاوي مثلاً أو العظيم عمار الشريعي؟.
بعيداً عن معهد الموسيقى العربية، أتساءل: أين وزارة الثقافة من موهبة مصطفى ونبوغه الموسيقي؟ ألا يمكن للوزارة التي منحت نصير شمة العراقي بيت الهراوي الأثري كي يحوله إلى مدرسة لتعليم العود، أن تمنح مصطفى المصري ولو نصف بيت أثري كي يدرس منهجه الموسيقي الشرقي المطور للطلاب المصريين والعرب، الذين يتوافدون على مصر كي يدرسوا بها الموسيقى، في حين يخرج المصريون ليدرسوا في لبنان؟ وأين دار الأوبرا والسيدة المبجلة رتيبة الحفني التي أحضرت سليم سحاب من لبنان ونصير شمة من العراق لتضعهما على قمة الموسيقى في مصر، ألم تنتبه إلى موهبة مصطفى الذي حمل حقائبه وفر إلى بيروت لأن بيروت تقبل بالعميان بينما القاهرة لا تعتبر أو تعترف بهم.
لا أناصب العداء لأي شخص تم ذكره في مقالي كما أن بيروت وكل العواصم العربية على رأسي وفي عيني، فكل العرب مرحب بهم في مصر، لأنها أم الدنيا التي تفتح ذراعيها إلى الجميع، لكن أليس من الأولى أن تكون مصر أماً لأبنائها أولاً قبل أن تتبنى باقي الدنيا؟.

الأربعاء، 5 مايو، 2010

النيل يحزم حقائبه في اتجاه إسرائيل

عندما قال هيرودوت " مصر هبة النيل" لم يخطئ، وإن كان انتقص بكلمته حق المصريين. لا أقصد المصريين المعاصرين، إنما أقصد هؤلاء المصريين الذين عاشوا يوماً ما على أرض مصر واحترموا النيل وقدسوه واستطاعوا بحسن استخدامه أن يشيدوا أهم حضارة شهدها الانسان بل أم الحضارات جميعاً. كان نهر النيل دائماً الشغل الشاغل للمصريين منذ مطلع التاريخ، عملوا دائماً على السيطرة على مجاريه حتى المنابع، وكان هذا الوعي يظهر بوضوح في تلك الأوقات التي تكون فيها مصر مركزاً لإمبراطورية كبيرة، أو في تلك الأوقات التي يتجدد فيها الطموح للإستقلال عن المركز. كما أن اهتمام المصريين بالنيل شمل الحرص دائماً على الحيلولة دون ظهور عوائق تمنع استمرار تدفقه إلى داخل مصر، ما أثر منذ البداية على طبيعة الدولة والكيان المصري وأولوياتها التنظيمية الداخلية، بما يشمل ذلك من إقامة نظام ري وشبكات لتوزيع المياه، وتنظيم المجاري الرئيسية والفرعية، وإلزام الناس بذلك التنظيم الدقيق عن طريق الحزم وعدالة التوزيع وتطوير الأساليب عن طريق سلطة مركزية قوية وصارمة. كانت مصر في ذلك شأنها شأن الدول الكبرى التي قامت حضاراتها على الأنهار مثل حضارة بلاد ما بين النهرين والصين، لكن لم تعرف أي من تلك الحضارات تأسيس علم للنهر مثل مصر، كما لم تعرف كذلك أيضاً سلطة مركزية قوية ومستمرة عبر عشرات القرون مثل مصر أيضاً. وسواء خلال عهد الأسرات الفرعونية القديمة أو خلال عصور الإمبراطوريات اليونانية والرومانية والإسلامية، لم تتخل مصر أبداً عن هدفها الاستراتيجي الدائم، ألا وهو السيطرة على منابع النيل لضمان تدفق المياه إلى مجرى النيل في الداخل. حتى في عصر الدولة المصرية الحديثة مع محمد علي، كان هناك الوعي الخاص بالامتداد جنوباً باتجاه السودان وحتى أعالي النيل. ولا يمكن أن نتغافل أبداً عن محاولات إنجلترا المستميتة من أجل فصل السودان عن مصر أثناء الحقبة الاستعمارية، وهو ما نجحت فيه في نهاية المطاف، على أيدي الضباط الأحرار الذين ارتبكوا لقلة خبرتهم السياسية بين أعباء الاستمرار في الدفاع عن وحدة مصر والسودان وبين ضرورة إخراج البريطانيين من مصر. ومنذ ذلك الاستقلال المشين بين طرفي الدولة المصرية السودانية عام 1956، والعلاقة بين طرفي البلد الواحد والذي تمزق إلى بلدين، لم تستقم أبداً، لكنها لم تضطرب تماماً أيضاً إلا في عهد حكومة الترابي والبشير ومحاولة إقامة دولة إسلامية في السودان عام 1989.
رغم ما سبق، فإن الحكومات المصرية التي قامت بعد ثورة يوليو 1952، لم تغفل أمر النيل أيضاً، ففي عهد الرئيس جمال عبدالناصر، اهتمت مصر ببناء سياسة أفريقية قوية، قامت على تزعم حركات الكفاح ضد الاستعمار، وكانت لمصر يد طولى في تحرير القارة السوداء من كافة أنواع الاستعمار سواء الإنجليزي أو الفرنسي، كما تزعمت مصر إقامة منظمة الوحدة الإفريقية، وأقامت علاقات تعاون وتنمية مع سائر دول القارة وبخاصة دول منابع النيل والقرن الأفريقي، حتى أنه في عهد الرئيس السادات، ورغم توتر العلاقات المصرية العربية وتحديداً المشرق العربي والخليج، إلا أنه لم يغفل أبداً العلاقات المصرية الأفريقية وكان هناك وزارتان للخارجية، الأولى وزارة خارجية عادية ونائب وزير للخارجية متفرغ للشؤون الإفريقية.
لكن خلال العقود الثلاثة الأخيرة، شهدت العلاقات المصرية الإفريقية انكماشا حقيقيا، رغم وجود بعض الجهود التي تم بذلها لتنظيم العلاقات مع دول منابع النيل وحوضه ودول القرن الإفريقي، لكنها لم تكن أبدا على المستوى الذي تفرضه تلك الاستراتيجية المصرية التاريخية والتي تضع دائماً في أولوياتها السيطرة على منابع النيل، حيث أن مصر لا تتمتع بأي مصدر حيوي آخر للحصول على المياه سوى ذلك النهر الذي لطالما حمى مصر من ويل المجاعات التي اجتاحت العالم أكثر من مرة على مدار العصور.
اتفاقية مياه النيل
عام 1929 أبرمت الحكومة البريطانية بصفتها الاستعمارية، نيابة عن عدد من دول حوض النيل هي أوغندة وتنزانيا وكينيا، إتفاقية مع الحكومة المصرية، تتضمن إقرار دول الحوض بحصة مصر المكتسبة من مياه النيل، وإن لمصر حق الفيتو في حال إنشاء هذه الدول، مشروعات جديدة على النهر وروافده. ثم تم استكمال تلك الاتفاقية بأخرى مصرية سودانية تعطي لمصر حق استغلال 55 مليار متر مكعب من مياه النيل التي تصل إلى البلدين من أصل 83 مليار متر مكعب، كما تضمنت بند الأمن المائي، الذي يقضي بعدم السماح بإقامة مشروعات على حوض النيل، إلا بعد الرجوع إلى دولتي المصب. وفي فبراير عام 1999، تم توقيع مبادرة دول حوض النيل العشر، بهدف تدعيم أواصر التعاون الإقليمي بين هذه الدول.
مما سبق، قد يعتقد البعض أن مصر تستولي على حصة الأسد بينما تترك باقي دول النيل معوزة تعاني الجفاف وشح المياه، لكن الحقيقة هي أن مصر لا يوجد لديها مصدر آخر للمياه غير مياه النيل وتعتمد في 97% من احتياجاتها عليه، بينما لا تعتمد رواندا مثلاً سوى على 15.4% من احتياجاتها المائية على نهر النيل، و بوروندي على 2.8% وكينيا على 6.6% وأثيوبيا على 2% وتنزانيا على 1.3 % و أوغندا على 0.08 % وكذلك الكونغو الديمقراطية على نفس النسبة، حيث تتوفر لدى تلك الدول مصادر أخرى للمياه، فمناخها رطب معتدل ويبلغ معدل هطول الأمطار بها 1000/1500 ملم في السنة، في حين لا يتعدى هطول الأمطار في مصر والسودان 20 ملم في السنة، بينما أثيوبيا وحدها يبلغ فيها منسوب هطول الأمطار 900 ملم في السنة. هذا عدا شواطئ البحيرات الحلوة التي تجري في طول وعرض تلك البلاد.
إذا ..ما الذي حدث حتى تتفجر تلك الأزمة بين دول المنبع ودول المصب ولماذا تتزعم أثيوبيا هذه الأزمة؟
إبحث دائماً عن اسرائيل في كل مصيبة، فلقد سارت الأمور على ما يرام حتى بدأت إسرائيل تنشط بين الدول الإفريقية، حيث من أهدافها تأليب دول الحوض على مصر لأسباب عديدة، منها إضعاف مصر وإخراجها من الطوق العربي ( نجحت في ذلك)، كما تعمل الآن على تغذية الحرب الأهلية في دارفور لتقوي ميزان كفة الانفصال بين السودان الشمالي والجنوبي، ومازالت تسعى للحصول على حصة من مياه النيل كما نجحت على الاستيلاء على نهر الأردن.


علاقة اسرائيل بأفريقيا
كانت قارة أفريقيا مستهدفة من قبل المخطط الصهيوني وجزء من مشروعه، حيث تم اختيار بعض مناطقها كمواقع بديلة لتوطين اليهود في حالة تهديد المركز الأصلي " فلسطين". من تلك المناطق المستهدفة في أفريقيا، منطقة شرق أفريقيا، حيث اهتم تيودور هيرتزل وحاييم وايزمان على أوغندا وكينيا كوطن لليهود، وكذلك تمت مخاطبة اللورد كرومر لإقامة الوطن القومي لليهود في السودان خلال عامي 1903 و 1907، عندما كانت السودان مستعمرة بريطانية، وذلك لرغبة اليهود الروس الذين يرغبون في أرض يستطيعون فلاحتها بعدما ساءت أحوالهم في روسيا. رحب هيرتزل بالفكرة لأنه رأى أن شرق أفريقيا مكاناً مناسباً، خاصة وأن التواجد اليهودي مكثف في أفريقيا ويساعد على جمع يهود الشتات الأفريقيين. ومن الملاحظ أن الجاليات اليهودية في أفريقيا أصبحت متحكمة في مفاتيح السلطة والثروة، حيث أصبحت أفريقيا تحتضن جاليات يهودية مختلفة ومتباينة الأحجام.
لقد ركزت إسرائيل على القارة الأفريقية بعد أن فشلت في إيجاد موطن قومي لليهود فيها، وذلك نظراً لما تتمتع به القارة من مزايا استراتيجية وثروات طبيعية هائلة ومخزون من المياه الوفيرة. ظلت علاقات إسرائيل بإفريقيا قاصرة على دولتين هما، ليبريا التي كانت أول دولة تعترف بدولة إسرائيل، و أثيوبيا. لكن عندما نجحت الدول العربية في إقصاء إسرائيل من حضور قمة عدم الانحياز عام 1955 وإحباط محاولتها للحاق بعضوية الحركة، عزم الاسرائيليون على فك طوق العزلة الذي فرضته عليهم الدول العربية، وذلك بكسب علاقات سياسية مميزة مع الدول الإفريقية تستطيع في المستقبل أن تؤيد الدولة الاسرائيلية في المحافل الدولية وخاصة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولتنفيذ استراتيجيتها عملت إسرائيل على الاعتراف بالعديد من الدول الأفريقية التي نالت استقلالها، وكثفت من زيارات الرسميين الاسرائيليين لهذه الدول لحضور حفلات أعياد استقلالها، كما شجعت رؤساء تلك الدول على زيارتها، وذلك لخلق رأي عام أفريقي يساعد على دفع محاولات الكيان الصهيوني للتغلغل في أفريقيا، عن طريق توقيع العديد من الاتفاقات في مختلف المجالات الأمنية والعسكرية والاقتصادية مع هذه الدول.
وفي الفترة من العام 1963 و حرب يونيو 1967 بين العرب واسرائيل، ركزت الدولة اليهودية على منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر باعتبارها منطقة استراتيجية من الناحية الأمنية والعسكرية والاقتصادية لها، وسعت إسرائيل إلى إيجاد نفوذ لها على ساحل البحر الأحمر عبر علاقتها مع أثيوبيا في ذلك الوقت، وبالفعل نجحت في إنشاء مراكز عسكرية لها في جزر فاطمة ودهلك وحالب على الساحل الإرتري، حيث احتفظت بمراكز رصد معلومات وقوات كوماندوز وقطع بحرية صغيرة على تلك الجزر. ويعد البحر الأحمر هو المخرج الجنوبي الوحيد لدولة إسرائيل، حيث عن طريقه تستطيع فك الحصار المفروض عليها من دول الطوق العربي، ولازالت حرب أكتوبر 1973 ماثلة في الذاكرة الاسرائيلية حيث تم فيها إغلاق مضيق باب المندب بواسطة القوات المصرية واليمنية، وبالتالي تم إغلاق المنفذ الجنوبي لإسرائيل، وتعطل ميناء إيلات تماماً أمام حركة الملاحة البحرية، ما دفع الكيان الصهيوني للتحرك مباشرة بعد الحرب للتواجد في منطقة القرن الإفريقي ودوله المطلة على ساحل البحر الأحمر، واحتفاظها بقواعد لها في أثيوبيا والجزر الإرترية الموجودة على ساحل البحر الأحمر.
استراتيجية الصهاينة في السودان
ساعدت اتفاقية كامب ديفيد إسرائيل، على أن تطرح نفسها بشكل جديد أمام الأفارقة الذين ساندوا مصر في حربها الطويلة مع إسرائيل، خاصة عند استيلائها على شبه جزيرة سيناء. فقد عادت إسرائيل إلى أفريقيا بمفهوم جديد، ألا وهو أنها أبرمت اتفاقية سلام مع مصر وبالتالي لا يوجد ما يبرر مواصلة الدول الأفريقية لمقاطعتها. بدأت بعد ذلك الدولة اليهودية في تنفيذ استراتيجيتها التي تسمى بحلف المحيط لمحاصرة مصر والعالم العربي، حيث تغلغلت في شرق أفريقيا ومنطقة البحيرات، وفي دول المحيط الغربي للسودان، وذلك لمحاصرة السودان الذي يمثل العمق الاستراتيجي لمصر، ونقطة الوصل بين العالم العربي وأفريقيا، وذلك لأن السودان كان ومازال العمق الاستراتيجي لمصر، حيث شارك السودان بكل إمكانياته العسكرية والاقتصادية في حرب أكتوبر، ما ساعد مصر في الانتصار على إسرائيل، إضافة إلى ما يمتلكه السودان من موارد طبيعية هائلة من بترول ومعادن وأراضي خصبة ومصادر مياه وفيرة، والتي إن تم استغلالها بالجهود السودانية المصرية المشتركة، ستؤمن البلدين مسألة الغذاء لكليهما وسيفيض ليغطي احتياجات الوطن العربي بأكمله. مما سبق كثفت اسرائيل جهودها في دول المحيط الإقليمي للسودان خاصة دول المحيط الشرقي وخاصة دول القرن الأفريقي، حيث عملت على تقوية علاقاتها مع إثيوبيا وإريتريا، ورغم المشاكل القائمة بين البلدين بعد استقلال إريتريا عن إثيوبيا بسبب النزاع على منطقتي زالمبسا وبادمبي، إلا أن اسرائيل نجحت في إقامة علاقات قوية مع البلدين بمعزل عن تلك المشاكل بينهما. كما أنها كثفت تواجدها في أثيوبيا ومدت الحزب الحاكم هناك بالخبرات والمستشارين والخبراء في مجال تطوير القدرات العسكرية والأمنية والزراعية، إضافة إلى مساعدتها في بناء السدود على النيل الأزرق ( توكر أباي) واضعة في إعتبارها الموارد المائية الهائلة التي تتمتع بها أثيوبيا، وخاصة بحيرة تانا التي تعتبر من أهم المنابع التي تغذي النيل، والتي تشكل أهمية لإسرائيل في صراعها مع عدوها الاستراتيجي ( مصر)، والسودان العمق الاستراتيجي لمصر، حيث لا تبعد تلك البحيرة عن الحدود السودانية سوى بـ 380 كيلو متر. هذا عدا التواجد الاسرائيلي في جيبوتي من خلال القاعدة الفرنسية منذ السبعينات والقاعدة الأمريكية التي أنشئت قريبا هناك، مستفيدة منهما في مراقبة الدول العربية المطلة على البحر الأحمر ورصد الساحل السوداني. أما في منطقة البحيرات فقد كثفت إسرائيل وجودها في أوغندا، حيث بحيرة فيكتوريا المنبع الرئيسي للنيل، وقد أخذت العلاقات الاسرائيلية الأوغندية في تطور مستمر حتى وصلت الآن إلى علاقات استراتيجية في كل المجالات السياسية والإقتصادية والأمنية، كما استطاعت إسرائيل أن تنفذ إلى مراكز صنع القرار في كينيا من خلال علاقات مصاهرة بالنخب الحاكمة هناك والتي تنتمي إلى الجالية اليهودية الكبيرة في مومباسا، هذا بالإضافة إلى التواجد المكثف لها في زئير والكونغو عبر الوجود الفرنسي هناك، وبالتالي ومما سبق يتضح لنا كيف أصبحت إسرائيل تحاصر السودان حتى تمكنت من التوغل في الإقليم الجنوبي السوداني. كما يجب علينا أن لا نغفل أيضاً أن إسرائيل تطوق السودان من الغرب الأفريقي من خلال علاقات جيدة مع تشاد وأفريقيا الوسطى تساعدها في ذلك فرنسا أيضاً وكذلك أمريكا بسياساتها الرامية إلى تشكيل ما يعرف بالشرق الأوسط الكبير. ومن خلال تطويق السودان بالتغلغل في دول الجوار الخاصة به، استطاعت إسرائيل زرع الفتن والدسائس داخل السودان من خلال تغذية الصراعات الإثنية ودعم المجموعات الانفصالية ودعم حركات التمرد في الجنوب. وقد أثر كل ما سبق على الأمن الوطني السوداني، إضافة إلى خلق توترات بينه وبين دول الجوار، بل تفتيت السودان إلى أجزاء، وهو ما نحن بصدده قريباً، حيث تشير كافة الاستطلاعات إلى أن الجنوب سيصوت من أجل انفصاله عن حكومة الخرطوم.
مما سبق ندرك أن إسرائيل تسعى إلى السيطرة على منابع النيل من أجل تهديد الأمن الوطني السوداني والأمن القومي المصري، وذلك لأن النيل يعتبر شريان الحياة بالنسبة لمصر والشمال السوداني، ومن ثم يصبح هذا الأمر ورقة رابحة في يد إسرائيل تستخدمها في صراعها التاريخي مع مصر والعرب. هذا عدا سيطرتها على البحر الأحمر أو البحيرة العربية الإقليمية والذي تحده ستة دول عربية هي السعودية ومصر والسودان واليمن وجيبوتي والأردن.
الأزمة الحالية
كانت إسرائيل شريك غير مرئي في اجتماعات وزراء مجلس المياه بدول حوض النيل العشر، والتي عقدت في شرم الشيخ وانتهت بالفشل في 14 إبريل الماضي، حيث يسعى الكيان الصهيوني منذ نشأته إلى الاستيلاء على مياه النيل أو جزء منها " تيودور هرتزل كان يسعى لتحويل جزء من مياه النيل إلى صحراء النقب عبر سيناء عام 1903"، والهدف المرمي إليه الآن، هو تدويل نهر النيل وتسعير المياه بعد أن منعت مصر ظهور فكرة هرتزل إلى النور. كما أن هناك آراء تؤكد أن تفجير موضوع الاتفاقية الجديدة حول مياه النيل ووصولها إلى طريق مسدود كان أمراً متوقعاً، حتى تنشغل مصر والعرب في موضوع مياه النيل، وينشغلوا بها عن موضوع الدولة اليهودية التي يسعى نتنياهو إلى إعلانها. والشواهد على هذا الأمر كثيرة، منها زيارة وفد إسرائيلي لإثيوبيا سراً قبل أيام من اجتماعات شرم الشيخ، و غرابة المطالب التي تصر عليها دول المنبع السبع، ما يؤكد أنها تنفذ أجندة صهيونية، حيث أن الحجج الخاصة بتوزيع حصص النيل بصورة أكثر عدالة، تثير السخرية، لأنه كما ذكرنا من قبل هذه الدول لا تعتمد بشكل كبير في احتياجاتها للمياه على النيل مثلما تعتمد عليه كل من مصر والسودان، أيضاً هذه المطالب تنتهك بصورة سافرة الاتفاقات الدولية التي عقدت من قبل، ومعروف مسبقاً أن محكمة العدل الدولية كانت قد قضت عام 1989 بأن اتفاقيات المياه شأنها شأن اتفاقيات الحدود لا يجوز تعديلها، ما يلفت النظر إلى أن اللجوء للقضاء الدولي موضوع محسوم أمره لصالح مصر والسودان، وكذلك يلفت النظر إلى أن هذه القضية مفتعلة من الأساس لتنفيذ أجندة خفية قد تكون بالفعل تمرير موضوع تهويد القدس وإعلان إسرائيل دولة يهودية في المنطقة، وقد يكون هناك أمور أخرى لا يستطيع عقلنا البسيط إداركها الآن.
وكانت الدول السبع قد بررت دعوتها تلك بعدة أمور منها، أن تلك المياه ملك لها ومن ثم لها الحق ليس فقط في حجزها وراء السدود، بل وبيعها إلى مصر والسودان، كما زعمت كل من كينيا وتنزانيا أن الحصص ينبغي أن يعاد النظر فيها بما يلبي تطور احتياجاتها التنموية خصوصاً في التحول من الزراعة الموسمية إلى الزراعة الدائمة، وأخيراً احتجت الدول السابقة أيضاً بأن اتفاقية 1929 وقعتها مصر مع سلطات الاحتلال البريطاني، التي لم تراع احتياجات مستعمراتها السابقة، ما يجعل الأمر مختلفاً بعد أن حصلت على استقلالها. كذلك رفضت الدول السبع مقترحات دولتا المصب وهما مصر والسودان، خلال اجتماعات شرم الشيخ وقبلها كينشاسا في مايو 2009 و الأسكندرية في يوليو 2009، حول ضرورة قيام دول المنبع بإخطار دولتي المصب قبل تنفيذ أي مشروعات في أعالي النهر، قد تؤثر في حصصهما في المياه واستمرار العمل بالاتفاقات السابقة باعتبارها حقوق تاريخية في حال إبرام اتفاقية جديدة، وأن تصدر جميع القرارات المتعلقة بتعديل أي بنود لتقاسم المياه، بالموافقة بالإجماع أو بالأغلبية التي يشترط فيها موافقة مصر والسودان. كما تحدت تلك الدول دولتي المصب وهددتهما بإبرام اتفاقية جديدة في منتصف مايو سواء قبلت بها مصر والسودان أم لم تقبلا.
وتكشف الصحف الأفريقية سواء في أثيوبيا أو في كينيا طبيعة المؤامرة المحاكة من قبل إسرائيل وأمريكا بالطبع بالتعاون مع أثيوبيا، حيث ذكرت صحيفة جيما الإثيوبية في 24 إبريل أن هناك رأياً عاماً تزداد قوته في دول منابع النيل يطالب بضرورة دفع مصر ثمن استخدام مياه النيل، ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن أغلب الكينيين يرون أن من حق بلادهم وباقي بلاد منابع النيل، الحصول على مقابل لمياه النيل التي تصل إلى مصر والسودان. أشارت الصحيفة أيضاً إلى اعتزام دول المنبع السبع التوقيع على معاهدة جديدة بشأن تقاسم مياه النيل رغم رفض دولتي المصب قائلة : من المنتظر أن توقع كينيا وإثيوبيا وأوغندا ورواندا وبوروندى والكونغو الديمقراطية وتنزانيا على الاتفاقية الجديدة التي ستحل محل اتفاقيتى عام 1929 و1959 المنظمتين للعلاقة بين دول حوض النيل في 14 مايو ".
وأضافت الصحيفة أن الكينيين يطالبون بالتعامل مع مياه النيل كما تتعامل الدول العربية مع البترول الذى يتم استخراجه من أراضيها وبالتالى يجب أن تشترى مصر ما تحتاج إليه من المياه من دول المنابع على اعتبار أن كلا من البترول والمياه مصادر طبيعية للدول.
واختتمت قائلة إن إقامة منطقة للتجارة الحرة تضم مصر وباقى دول حوض النيل يمكن أن تحد كثيرا من احتمالات قيام نزاع بين مصر وتلك الدول على مياه النيل حيث يمكن لمصر التى تعانى من قلة مصادر المياه شراء احتياجاتها من الغذاء والكهرباء من كينيا وإثيوبيا وغيرهما من دول الحوض بدون أى أعباء إضافية.
ولا يقتصر الأمر على ماسبق، بل يمتد ليشمل معلومات تتردد في الأوساط السياسية أن تل أبيب تخطط حاليا لإنشاء خط أنابيب لنقل مياه النيل من الهضبة الإثيوبية إلى إسرائيل، ورغم ما يؤكده البعض أنه ليس بمقدور دول المنبع إيقاف قوة اندفاع المياه باتجاه مصر والسودان أو مد خط أنابيب لنقل مياه النيل من الهضبة الأثيوبية ( أثيوبيا هي التي تتزعم موقف دول المنبع المتعنت) إلى إسرائيل بسبب الفيضانات وكثرة هطول الأمطار أغلب شهور السنة ووجود مرتفعات البحر الأحمر، إلا أن الترويج لمشاريع تدويل الأنهار ومصادرة المياه، يعد أمر بالغ الخطورة لأنه يشجع الدول الإفريقية على احتجاز جزء من مياه النيل أمام السدود التي تتزعم إسرائيل مهمة بنائها وتمويلها تمهيداً لبيع تلك المياه لدول أخرى منها إسرائيل نفسها.
ولا تعد هذه المخططات الصهيونية وليدة البارحة فكما ذكرنا من قبل، هي ركن من أركان قيام الدولة الصهيونية منذ هرتزل، كما بدأت في تنفيذ أهدافها بالقفز إلى أفريقيا منذ عام 1955 عندما أعلن بن جوريون أن اليهود يخوضون مع العرب معركة مياه، وأنه على نتيجة هذه المعركة يتوقف مصير إسرائيل، وصولاً إلى مشروع شركة تاحال الإسرائيلية عام 1974 بشق قناة توصل مياه النيل إلى إسرائيل عن طريق سحارة أسفل قناة السويس تمد إسرائيل بحوالي 8 مليارات متر مكعب سنوياً، وسرعان ما استولت إسرائيل علي روافد نهر الأردن ومياه الليطاني في لبنان واليرموك في سوريا، ورغم توقيعها معاهدة السلام مع مصر، إلا أن تطلعاتها للحصول علي حصة من مياه نهر النيل لم تتوقف، وحين عجزت أن تفعل ذلك عبر الطرف المصري مدت نفوذها إلي دول المنبع الإفريقية، التي كانت قد استعادت العلاقات الدبلوماسية معها في أعقاب توقيع اتفاقيات كامب ديفيد.



أين مصر من كل ما سبق؟
رغم استقلال مصر عن السودان عام 1956 بموافقة حكومة الثورة بقيادة جما عبدالناصر، إلا أن مصر كانت تولي اهتماماً كبيراً للعلاقات بين مصر والسودان ودول حوض النيل، وعمل جمال عبد الناصر جاهداً على خلق دور مهم لمصر في أفريقيا وأنشأ شراكات اقتصادية تعمل على تقوية العلاقات وتبادل الخبرات، إضافة إلى التبادل التجاري بين مصر وهذه الدول، ما عمل بالتبعية على تقوية العلاقات وكذلك على تقوية الوجود الأمني لمصر داخل أفريقيا، حتى أن هذه الشركات الاقتصادية المصرية الأفريقية امتد نشاطها إلى أوروبا نفسها، ما دعى الدول الغربية وأمريكا إلى التحرك وبالطبع إسرائيل معهم.
واجهت مصر خلال الفترة الناصرية، كل التحركات الغربية والصهيونية داخل أفريقيا بشتى الطرق، وذلك بإرسال البعثات الثقافية والتعليمية إلى السودان والصومال وباقي دول منابع النيل في مواجهة بعثات موزاية ترسلها أمريكا وفرنسا للسيطر على المنطقة ثقافياً. كما قاومت مصر حركات التمرد التي كانت تقوم بها بعض العناصر المدفوعة من قبل أوروبا وأمريكا وإسرائيل، حيث ساعدت مصر أفريقيا باستمرار على الاستقرار من خلال دعم حركات التحرر الوطنية والقضاء على أي محاولات لإثارة البلبلة فيها، وليست مساعدة مصر للكونغو من أجل القضاء على حركة تشومبي ( كان مرعياً من قبل أمريكا) الذي اغتال الرئيس الشرعي للبلاد "لومومبا"، إلا دليل بالغ الوضوح لقوة التواجد المصري في أفريقيا.
لكن بعد هزيمة 67، تغيرت السياسة المصرية تدريجياً وبعد عام 1973 كانت مصر تعاني من قلة الموارد المالية بسبب الإنفاق العسكري، ما ساهم أكثر في تراجع الدور المصري في أفريقيا، حيث أن الدول الأفريقية تحتاج دائماً إلى الانفاق عليها وتقديم المساعدات المالية حتى تكون معك، وما حدث من تراجع للدور المصري وفتح المجال لتقوية إسرائيل لدورها في أفريقيا بمساعدة أمريكا وأوروبا أمعن في تهميش التواجد المصري في أفريقيا. كما أن مصر شهدت فساداً سياسياً خارجياً أدى إلى إفلاس الشركات المصرية التي كانت متواجدة بالفعل في 22 دولة أفريقية.
لكن ما يثير للغيظ المصحوب بالتساؤل والدهشة، هو أن الحكومة المصرية بالتأكيد كانت على علم بكل ما يدور داخل أفريقيا وما يحاك ضدها من دسائس من قبل إسرائيل هناك، وبالطبع كانت على علم أيضاً بأهمية دول حوض النيل والسودان على رأسهم بالنسبة لها، فلماذا ورغم المشاكل المالية، لم تهتم بأي قدر كان بعلاقاتها الإفريقية، خاصة وأن مصر في خلال الثلاثين سنة الماضية تعرضت لنهب منظم على أيدي شركات توظيف الأموال وكبار المستثمرين الذي نهبوا أموال الدولة وهربوها إلى الخارج وغيرها من صور السرقة والنهب داخل المحروسة. ألم يكن من الأفضل مقاومة تسريب أموال الدولة إلى الخارج والاستفادة بصرفها داخل أفريقيا؟ سؤال ساذج ولكن لا يسعني سوى طرحه هنا.

ماذا ستفعل مصر الآن ؟
لن تستطيع الاستمرار في البكاء على اللبن المسكوب، فلابد من التحرك فوراً، لكن الموقف المصري حتى الآن لا يشي بخطوات حقيقية لحل الأزمة، وبالطبع لن يمكننا في شهور حل أزمة تم التخطيط والتنفيذ لها على مدار أربعين سنة..... فما هو الحل إذاً؟
لقد دخلت مصر بالفعل في مرحلة أزمة المياه ووصل نصيب الفرد فيها إلى أقل من 1000 متر مكعب وهو الحد العالمي لمجاعة المياه، وإذا استمر الحال على ما هو عليه، فلن تتمكن مصر من زراعة 60% من الأراضي الزراعية الحالية. إذا نحن لا نمتلك رفاهية الوقت فعلاً، ولم يعد من المهم الآن تحديد من المسؤول عن هذه المصيبة، بقدر ما هو ضروري التحرك بسرعة من أجل رأب الصدع بين مصر والسودان وباقي دول حوض النيل. كما أنه لم يعد كافياً أبداً تمسك مصر بالحقوق التاريخية المكتسبة أو حتى التلويح بقدرات مصر العسكرية في مواجهة دول أفريقيا. يجب أن تتحرك الدبلوماسية المصرية في اتجاه خلق لغة حوار جديدة ومشتركة بين مصر وبين تلك الدول وتقديم اقتراحات بمشاريع مشتركة لتنمية الموارد المائية بواسطة طرق غير تقليدية مثل تجميع المياه المفقودة ومياه الأمطار وتحلية مياه البحر وإعادة معالجة مياه الصرف الصحي والصناعي، كي لا تكون إسرائيل هي اللاعب الوحيد والرئيسي في التأثير على قرارات تلك الدول. أما إذا استمرت دول المنبع في تعنتها فلن يكون أمامنا سوى التقاضي أمام محكمة العدل الدولية حيث أن القانون الدولي يضمن لنا حقوقنا التاريخية. لكن مع هذا أعتقد تماماً أن على مصر مراجعة حساباتها الأفريقية خاصة مع توأمها السودان، حيث أنني كنت ومازلت أومن تماماً بأن مصر والسودان دولة واحدة ولا يمكن أبداً أن يستقيم حالهما بالانقسام إلى دولتين، فما بالكم بثلاث دول ونحن على أعتاب انفصال جنوب السودان عن شماله. ونسأل الله في النهاية أن يضع ختاماً لطيفاً لهذه المصيبة، وإن كان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

الأحد، 18 أبريل، 2010

مشكلة الفقر وضرورة تنمية الدور الاقتصادي للمرأة العربية

إن فقر المرأة في العالم العربي أصبح حقيقة لا يمكن إنكارها أو التغاضي عنها، وإن كان تفسيرُ أسبابِها مختلفٌ عليها، بين أسبابٍ ثقافيةٍ وسياسيةٍ وبين أثقالِ التراث وضغوط العصر. ولكن مما لا شك فيه أيضاً أن هناك ترابطٌ بين الوضعِ الاقتصادي للمرأة العربية وبين القوانين المعمولُ بِها في البلاد العربية، حيث مازالت المرأة العربية تعاني من تمييزٍ على مستوى الحقوقِ والتشريعاتِ.
ولكي تتضح الصورة قليلاً ومن خلال تقارير صدرت من البنك الدولي وغيرها من المنظمات العالمية حول الفقر في العالم العربي وفقر النساء بشكل خاص، نجد على سبيل المثال لا الحصر، أنه في عام 2002 تم اكتشاف أن 15% من الأسرِ الأردنية ترعاها إناث، وقد قدر مؤشر فجوة الفقر لتلك الأسر بحوالي 3.55%، أي أن متوسط إنفاق الفرد داخل هذه الأسر يصل إلى حوالي 301دينار أردني للفرد في السنة. بينما في مصر، فالمصيبة أكبر، حيث تورد دراسة أعدها دات وجوليف وشارما عام 1997 أن مؤشر تعداد الرؤوس للأسر التي ترعاها نساء قدر بـ 35.5% في الحضر وحوالي 36.3% في الريف، وقدر مؤشر فجوة الفقر للأسر التي ترعاها نساء بـ 8.4 % على مستوى القطر مقابل 6.2% بين الأسر التي يرعاها الرجال، والتي يبلغ تعدادها في الحضر 21.8% و28.1% في قطاع الريف. بالطبع النسبة المتبقية يتولى الإنفاق عليها كل من الرجال والنساء بالتعاون فيما بينهم. أما تونس والتي تتمتع فيها النساء بمساواة شبه كاملة في القوانين والتشريعات، فيورد التقرير الذي صدر عن البنك الدولي حول الفقر في تونس عام 2000 ، أنه لا يوجد ما يشير إلى انتشار للفقر بين أوساط الأسر التي ترعاها النساء، وأن انتشار الفقر بين النساء بشكل عام سواء في الريف أو المدن لا يزيد عن انتشاره في أوساط الرجال.
ووفقاً للأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية محمد الخمليشي، فإن المتغيرات العالمية التي أملتها العولمة وما نتج عنها من تحولات في معظم المجتمعات الإنسانية، فرضت تحديات ومهام متنوعة أمام فرص استدامة التنمية وتواصلها، وقد أفضت هذه التحديات إلى ضرورة الاهتمام النوعي بالتنمية البشرية على مختلف الاتجاهات، وأشار إلى أن دراسة موضوع " المرأة والفقر" تُواجَه بصعوبات علمية وإجرائية، نتيجة عدم توافر البيانات والمعلومات الدقيقة على أساس النوع، وان الفقر في المجتمع العربي هو نتيجة تراكمات تاريخية وثقافية واجتماعية، حددت فرص الذكور والإناث في التعليم والمعرفة والتشغيل، فضلاً عما أضافته المتغيرات السريعة والعميقة، من تداخل العوامل المؤثرة في أوضاع المرأة عامة، والمرأة الفقيرة بصفة خاصة.

مما سبق، يمكن لنا أن ندرك أن انتشار الفقر في البلاد العربية يشمل كل من الرجل والمرأة، ولكنه يمثل تحدياً أكبر على المرأة، التي تشارك بنسبة ليست بسيطة في إعالة الأسر، كما تتولى في بعض الحالات وبنسب متفاوتة إعالة الأسر بشكل عام. كذلك يعد وضع المرأة الفقيرة، أكثر إيلاماً من الرجل، فهي تعيش مثلها مثل الرجل في ظروف اقتصادية صعبة، وتعاني من متحيزات ثقافية وسياسات تحدُ من قيمة مساهماتها في التنمية، وهي إضافةٌ لما سبق، المسؤولة الأساسية عن رعاية الأطفال والأعمال المنزلية، إذ تلعب النساء دوراً إنتاجياً وإنجابياً في المنزل، فهي ليست مطالبة بالحصول على دخل للعائلة فقط، لكنها أيضاً مسؤولة عن النشاط اليومي الضروري لاستمرار الحياة اليومية للأسرة. ورغم كل ذلك، هي متهمة دائماً في كافة تحركاتها، ويتم التحرش بها سواء كان في الشارع أو مكان العمل، ودائماً ما يتم الاستخفاف بقيمتها وجدواها كإنسان حقيقي وفاعل في الحياة.

ولكل ما سبق، تعد المرأة أكثر حساسية للفقر، ما يوجب التركيز بنسبة كبيرة على تنميتها اجتماعياً واقتصادياً. والعمل على تحديث القوانين والتشريعات التي تحد من حركة نشاطها الإقتصادي في المجتمعات العربية، كما يوجب أيضاً ضرور ة تكثيف الأنشطة التوعوية داخل المجتمعات العربية لنشر ثقافة بديلة تعيد للمرأة مكانتها التي نصت عليها كافة الديانات السماوية وعلى رأسها الإسلام، وتظهرها في صورة إنسان مكتمل وغير ناقص، حيث دأبت المجتمعات العربية على التعامل مع المرأة وتصويرها على أنها كائن معاق لا يبلغ سن الرشد أبداً ولا يمكنه أن يتخذ قراراته بنفسه بشكل ناضج وسليم، رغم أن النساء العربيات أثبتن أنفسهن كعالمات وأديبات وعاملات في الكثير من المحافل الدولية، وأعتقد أن نبوغ العالمتين السعوديتين غادة مطلق المطيري وحياة سندي الذي ظهر مؤخراً وكان حديث الأوساط العلمية العالمية، لهو أكبر دليل حديث من داخل المنطقة العربية، على تساوي قدرات المرأة العقلية بالرجل، ما يضحد أي افتراءات ذكورية تدعي عدم قدرة المرأة على تولي زمام أمورها.....فقط يجب أن يتم فك القبضة الحديدية التي تكبل سيقان النساء عن الانطلاق في هذا العالم.
إننا نحتاج إلى تضافر كافة الجهود للقضاء على ظاهرة الفقر في المنطقة العربية بشكل عام، وعلى فقر المرأة العربية بشكل خاص، وذلك من خلال تمكينها اجتماعياً، والقضاء على أميتها، ودعم المشاريع الاقتصادية التي تعتمد على العمالة النسائية، والحرص على تعليم الفتيات المهن المختلفة ليتمكن من مواجهة صروف الحياة بقوة، ما يساهم بنسبة كبيرة في القضاء على العديد من الآفات المجتمعية التي نعاني منها والتي نلقي بلائمتها على كاهل النساء في حين أنهن مظلومات ولسن بظالمات. والأهم من كل ما سبق، إعادة النظر في أسلوب تربيتنا لبناتنا، فقد حان الوقت لكي نربي الفتيات على الاستقلال وعدم الاتكال على وجود شخص يعيلهن اقتصادياً، فالوضع الاقتصادي الراهن للعالم كله لا يسمح باستمرار تلك الثقافة، والتي تشكل ركناً أصيلاً في الثقافة العربية.
----------------------------

تم تقديم تلك الورقة في منتدى الاقتصادي التنموي الأول يوم 17 إبريل 2010 - من تنظيم الأكاديمية الدولية للإستشارات والتدريب.

الأربعاء، 7 أبريل، 2010

خلعت كل شيئ واختفت

قابلتها صدفة بعد مرور ثلاث سنوات من اختفائها المتعمد، كانت أخبار تمردها غير المتوقع هي آخر ما أعرفه عنها. جلسات النميمة النسائية والذكورية اجتمعت عليها، فلقد خلعت زوجها وخلعت حجابها وقدمت استقالتها من وزارة التربية والتعليم وتركت منزل حضانة أطفالها، ثم "فص ملح وداب". صديقة العمر التي أعرفها ربما منذ وعيت على الدنيا والتي كانت تشير إليها أمي كنموذج للفتاة المثالية وتطالبني أن أقلد ولو جزء بسيط من سلوكها، فهي مطيعة بعماء، هادئة حد السكون، تحمل ابتسامة دائمة كنت أراها وحدي بلا معنى، تمشي دوماً وتحت إبطها كراسة رسم وفي حقيبتها ألوان عديدة، رغم ذلك التحقت بكلية البنات مثلما رغب أهلها، وقبلت بأن تتم خطبتها على رجل يكبرها بخمسة عشر عاماً فقط لأن أهلها يرون فيه زوجا مثالياً. أنجبت ثلاثة أبناء تماماً كما حدد زوجها لنفسه، واكتفت بالعمل كمدرسة رياضيات في أحد المدارس الإعدادية حيث رفضت ترقيتها كمدرسة ثانوي، بناء على إيمان زوجها بأن التدريس للمرحلة الثانوية أمر مرهق.
تعودت أن أحبها نظراً لأنها واحدة من صديقات العمر، لكني دوماً كنت أتعجب من سلوكها في الحياة، خاصة وأنها لم تعترض ولو مرة واحدة على أي شيئ يدور حولها، تجلس بجمالها الطاغي علينا جميعاً، في سكون مشابه للموت، وربما تضحك على واحدة من تعليقاتنا على الرجال خاصة بعدما تزوجنا وأصبحت لدى كل واحدة منا قائمة اعتراضات تطاول السماء ضد زوجها وضد الزواج بشكل عام، لكنها أبداً لا تعترض ولا تستنكر أو حتى تشجب أي تصرف من تصرفات زوجها، رغم أننا جميعاً كنا نراه رجلاً كريهاً.
صديقتي التي التقيتها صدفة، تحولت مائة وثمانين درجة حتى أنني لم أعرفها، بل أقبلت هي علي فاتحة ذراعيها ومندهشة لأنني أنظر لها باستغراب، حيث كانت تظن دوماً أنني الوحيدة التي كنت أفهم داخلها جيداً. قصت علي أسباب انفجارها المكبوت سنين طويلة، فلقد أصيب زوجها بمرض السرطان ولازمته طوال فترة مرضه بجلد وصبر أربعة سنوات كاملة من العذاب في مواجهة هذا المرض القاتل، لكنه وبمجرد أن أتم الله شفاؤه، تزوج عليها مبرراً الأمر بأنه يمارس حقه الإلهي وأنها لن ينقصها أي شيئ. أكدت لي أنها لم تحزن بل على العكس، كانت تخاف من أن تغير تجربة المرض القاسية سلوكه السيئ معها منذ أول يوم زواج وتجد نفسها مضطرة إلى حبه، لكنها أفاقت على حقيقة أنها أكملت 30 عاما من عمرها دون أن تفعل شيئ واحد تحبه، فقررت أن تفعل ما تريده فقط، وبالفعل درست الديكور وهي الآن تعمل في هذا المجال وحققت نجاحاً سريعا فيه، وتعيش أيامها بسعادة مع أطفالها الثلاثة، وعندما سألتها عن موقفها من الرجال وحاجاتها الطبيعية بعد الطلاق، قالت لي ساخرة " أنا مختونة أصلاً وعمري ما حسيت بأي متعة في الجنس".

الخميس، 1 أبريل، 2010

الإعلام المصري بدأ بث رسائله المسمومة



منذ أن بدأت حركة كفاية في تحريك المياه الراكدة منذ سنين، داخل الشارع المصري، ثم انضمت إليها كافة التيارات اليسارية في مصر، لتقيم الندوات والمظاهرات السلمية التي تطالب بالتغيير ورفض التوريث وإلغاء قانون الطوارئ وغيرها من المطالب الشعبية المصرية المتحجرة عن التحرك ولو خطوة واحدة للأمام منذ أكثر من عشرين عاما الآن ، ثم انضم التيار اليميني متمثلا في الأخوان المسلمين متأخرا كعادته، لكنه انضم على أية حال في النهاية لهذه الحركات التي تنمو يوما بعد يوم...منذ ذلك الوقت وأنا أعلم يقينا أن أجهزة الدولة لن تقف مكتوفة الأيدي ومشاهدة فقط لما يحدث وينمو يوما بعد يوم ليتزايد ويشمل في يوم قادم جميع أفراد الشعب المصري، بالطبع لا يمكن أن تقف أجهزة الدولة متمثلة في الداخلية والإعلام تحديدا، كمشاهد صامت، فلابد بالطبع التحرك فورا ولعب دور هام جدا متمثل في القمع بيد الأمن المركزي الثقيلة ويد ظباط الداخلية المحترمين الذين لا يتورعون عن فعل أي شئ من أجل الوصول لهدفهم ... وهذا الدور لعبته الداخلية كاستجابة سريعة لقمع هذه الحركات من منطلق أنها تمثل شرزمة صغيرة سيتم القضاء عليها في مهدها سريعا ودون أن يلحظ أحد الأمر، بالطبع لم تكن هذه الحركة شرزمة صغيرة سهل القضاء عليها وأخذت تنمو وتتحرك إلى الأمام، مما تحتم على الغول أو ذراع الحكومة الباطشة الأخرى الدخول للملعب للقيام بدور القوادة الشهير الذي يلعبه منذ أكثر من عشرين عاما، أعني بالطبع الإعلام المصري متمثلا في تليفزيونه العظيم الرائد والذي أصبح له أذرع عديدة متمثلة في قنواته الأرضية وفضائياته وقنواته المتخصصة، فلقد بدأ تكريس هذه المنافذ التي تبث ثاني أكسيد الكربون لتقوم بتسميم الشعب المصري كله، وإجهاض الحركة الشعبية، التي يشكل الشباب معظم أفرادها.
ومن الرسائل المسمومة القاتلة، تلك التي بثها برنامج صباح الخير يا مصر يوم الجمعة الموافق 1 ابريل، فقد جلست المذيعة التي لا أذكر اسمها، مع أحد المستشارين لا أدري في أي المجالات، لكنه رئيس جمعية الشبان المسلمين التي أنشأتها الدولة يوما من أجل ضرب الحركة الاسلامية متمثلة في الأخوان المسلمين، جلست إليه من المفترض ليتحدث عن المؤتمر الشبابي الذي عقده لتوعية الشباب المسلم بحقوقه وواجباته السياسية، وفجأة تحول الحديث من مجرد استعراض ما تقوم به الجمعية من أنشطة في هذا المؤتمر، إلى تحذير للشباب من الانجراف والوقوع في حبائل هؤلاء الذين يسعون إلى تدمير أمن وسلامة مصر وتحويلها إلى عراق ثانية، وبالطبع يقصدون حركة كفاية واليسار بكافة اتجاهاته وجماعة الأخوان المسلمين الذين قاموا بسلسلة من المظاهرات السلمية في الفترة الماضية، وتم القبض على عدد كبير منهم سواء كانوا يسارا أم يمينا...الجميل في الأمر أن هذا المستشار العظيم أخذ يبث رسائله المسمومة إلى الشباب المصري، بقوله أننا بذلك نقوض دعائم مصر المستقرة والنهضة التي شهدتها البلاد خلال العشرين سنة الماضية، لم يذكر خلال فترة الرئيس حسني مبارك لأنه كما قال لنا والبراءة تتقافز في عينيه أنه يقول هذا الكلام وتكاله على الله لأنه ليس لديه أي مصلحة شخصية مع الحكومة تدفعه إلى أن يقول مثل هذا الكلام، بل هو يقوله من أجل إنقاذ شباب مصر من الأيدي الآثمة لهؤلاء الذين ينظمون مظاهرات كل يوم، ويهدفون إلى عرقلة سير الحياة والعمل في الشارع المصري، المهم أنه قال أن مائتين واحد في الشارع يعرقلوا سير المرور ويعطلوا الناس عن أعمالها وتقضية مصالحها، الغريب أن المستشار العظيم يعرف جيدا أن ميدان التحرير في أوقات هدوئه الشديدة المعتادة يحتوي على أكثر من مائتين مصري يسيرون فيه ويتحركون يمينا وشمالا لكنهم لم يعرقلوا حركة المرور يوما، لكن الأعداد الغفيرة من الأمن المركزي التي تصل لأكثر من ألف وخمسمائة على ابسط تقدير هي التي تعرقل سير المرور....الجميل في الأمر أيضا مما جعلني أقع أرضا من الضحك أنه يقول أن التظاهر في كل الأمم الراقية يجب أن يكون وفق قواعد وخطواط حضارية وأول خطوة نصحنا بها هي إخطار وزارة الداخلية، أعتقد أنه هنا استخدم اسلوب تورية فقد كان يقصد أننا يجب أن نأخذها من أصيرها ونذهب لتسليم أنفسنا لوزارة الداخلية بدل من التعب أو إرهاق رجال الداخلية أنفسهم في أن يتحركوا من مواقعهم لياحاصروا المتظاهرين ثم تجميعهم من الشوارع.
الجميل أيضا أنه قال أن هؤلاء المتظاهرين لا يمكن أن يكونوا يمثلوا 70 مليون مصري، وأنهم يمثلون أنفسهم فقط وأنه بإمكانهم التعبير عن رأيهم بوسائل أخرى أو النقاش مع أجهزة الحكومة وعرض آرائهم التي سيؤخذ بها فورا لأن حكومتنا عظيمة وعادلة وديمقراطية... انطلق بعد ذلك المستشار المغوار في التنديد بهؤلاء الذين يتظاهرون ويسمحون للقنوات الأجنبية والعربية بتصويرهم ونقل آرائهم خارج مصر لتشويه صورتها وصورة حكوتها واستشهد بالقرآن الخاص به ألا وهو جملة قيلت داخل الكونجرس الأمريكي حيث قال أحد أعضائه في جلسة من جلساته أن مشاكل أمريكا الداخلية يجب أن لا تتجاوز المحيط، أي أننا وكل من يعترض على حكومة مصر الغراء علينا أن نختلف معها في الداخل وفي صمت شديد حتى نسمح لها بالقضاء علينا فورا ودون أدنى مقدمات....أي وحسب المثل المصري المعروف نسلم بأيدينا مفتاح الكرار للقط.
أعتقد أن ذراع الحكومة الباطش والمتمثل في الإعلام قرر الدخول بثقله ولكن للأسف الشديد نسى إعلامنا العجوز أنه أصبح مهيض الجناح، لأنه فقد مصداقيتة مع الشارع المصري منذ الأذل وانصرف الجميع نحو الفضائيات الأخرى، وحتى اللذين لا يملكون الفضائيات لا يشاهدون سوى المسلسلات والبرامج المسلية ولم يعودوا يشاهدون حتى الأخبار.
تحياتي لسيادة المستشار وصباح الخير على الورد اللي فتح في جناين مصر.

------------------

بمناسبة 1 إبريل 2010 ....فقط حتى لا ننسى ما حدث في 2005 .... فقط حتى ندرك أن ما فعلوه لتشويه كفاية وتفريغها من محتواها سيفعلوه الآن مع البرادعي والجمعية الوطنية للتغيير ....حتى لا ننسى وحتى نستفيد من ما حدث.

الأربعاء، 31 مارس، 2010

هو مش النهاردة الاستفتاء؟ - لنتذكر استفتاء تعديل الدستور في 2005

في دولة الإمارات العربية المتحدة تتنوع طبائع المصريين الذين قدموا للعمل هنا، فمازال هناك النموذج الذي حضر بغية التقطير على نفسه من أجل توفير نقود يحقق بها أحلامه في مصر مثل الزواج وتأسيس منزل وشراء سيارة، وما إلى ذلك من المتطلبات الحياتية التي من المفترض أن لا يهاجر من أجلها الانسان ويترك وطنه، لكن واقع أمر بلدنا يفرض عليه ذلك। وهناك من حضر هربا من مصر لأي سبب من الأسباب، وهذه النوعية من المصريين تعيش حياتها بشكل طبيعي ولا تفكر في التوفير لأنها من الأساس لا تفكر في العودة ولا تحتمل فكرة أن تعود। والحقيقة أن الأسباب تتباين لدى كل واحد منهم حيث لم يفروا من مصر لنفس السبب، فمنهم من لديه أسباب خاصة ومنهم من لديه أسباب عامة. المهم أن جميع المصريين في الإما رات من الطبيعي أنهم يتبعون السفارة المصرية والتي من المفترض أنها ترعى مصالحنا داخل دولة الإمارات، لكن الحقيقة هي أننا جميعا وبلا استثناء لا نعلم شيئا عن السفارة، ومن زارنا منها فقد زارها إما لتجديد جواز السفر أو إضافة الأبناء المولودين حديثا أو لعمل توكيل لأحد الأهل في مصر، وكل هذه الإجراءات نقوم بها ونحن متأففين حيث تواجهنا بيروقراطية الإدارة المصرية التي نسيناها في جنة دبي، التي تتم فيها الإجراءات الحكومية بالبريد الاليكتروني والتليفون ولا تضطر للوقوف دقيقة أمام شباك موظف لإنهاء إجراء إداري واحد، بدءا من دفع فاتورة الكهرباء وحتى تجديد الإقامة. كذلك تواجهنا السفارة بكم النقود المطلوبة منا نظير الإجراء الرسمي الواحد، حيث أنك مثلا لو قمت بعمل توكيل رسمي لأحد أقاربك في مصر تدفع نظيره مبلغا مضاعفا أربع مرات على الأقل عن الذي تدفعه نظير نفس الخدمة على أرض مصر نفسها...ومع ذلك لم يعترض أي منا لأننا نفهم الفكرة التي قامت عليها تحديد هذه المبالغ وهي أننا نعمل في الخليج ويمتلك كل واحد منا بئر بترول يحمله على أكتافه أينما ذهب.
في الحقيقة كل ما سبق كان تمهيدا لما سوف أقصه الآن، فأنا والحمد لله أنتمي للفئة الثانية من المصريين، أي فئة الهاربين من مصر، وللتوضيح أنا وكل الفئة التي أنتمي إليها لم نهرب لأسباب أمنية أو سياسية وإنما لأسباب لا مجال لسردها الآن....هذه الفئة أيضا والتي تتكون من خيرة الشباب المصري المتعلم جيدا والمثقف، غالبا ما تعيش في حسرة دائمة لأنها لا تساهم في بناء بلدها وأنها اضطرت عندما أصبحت جاهزة للعطاء أن تهاجر لأنها لم تجد أمامها سوى خيار من اثنين إما أن تبيع نفسها وضميرها أو تهاجر، فقررت الهجرة. وعندما يتجمع بعض من هذه الفئة يتناقشون معظم الوقت في أحوال مصر والأحداث التي تجري فيها. منذ شهر تقريبا عندما بدأت وقائع التعديل الدستوري العظيم (المادة 76) ازدادت حمى المناقشات والمتابعة اليومية لما يحدث في مصر من صراع بين المعارضة وحركة كفاية وبين الحكومة الممثلة في هيئاتها وحزبها الوطني، وقررت شلة من الأصدقاء التابعين لتلك الفئة أن يكون لهم دورا ما أيا كان شكله ...بعد مناقشات مطولة عن الذي يمكن أن نفعله، ذكر لنا صديق يعمل محاميا أن الدستور يكفل للمصريين الذي يعيشون في الخارج أن يشاركوا في أي نوع من الاقتراع سواء كان إنتخابات أو استفتاءات، ففرحنا جميعا وقررنا الذهاب للسفارة والسؤال عن الأمر، وتطوع واحد من الأصدقاء أن يذهب للسؤال ....بالطبع ضل الطريق للسفارة كثيرا حتى وصل إليها في النهاية(عذرا فغالبنا لا يعرف أين تقع السفارة ولا ما هو اسم السفير) ..دخل صديقنا وهو يعمل مديرا لقسم تكنولوجيا المعلومات بأحد الشركات هنا في الإمارات، وتوجه نحو أحد الموظفين الجالسين وراء القضبان الحديدي بينما تطرق إلى أذنه حديثا جانبيا بين اثنين من موظفات السفارة (لا ما هو لو ما دفعش المهر اللي احنا عاوزينه لا يمكن نديه بنتنا) ضحك محبطا وقال( يا الله حتى هنا) ثم أكمل مسيرته نحو الموظف المحبوس كفأر وراء القضبان الحديدية وسأله:

هيه الطريقة اللي بيتم بيها الانتخاب هنا في السفارة إزاي؟

ينظر الموظف إلى الفراغ وعينيه زائغتان في ملكوت الله ثم يجيب بتعجب واندهاش: انتخاب ؟.... انتخاب ايه يا استاذ؟

الصديق: انتخابات ترشيح رئيس الجمهورية؟

الموظف: انتخاب رئيس جمهورية؟ رئيس جمهورية ايه؟

الصديق: رئيس جمهورية مصر

الموظف: ما حسني مبارك هو الريس يا ابني ...انتخاب ايه بقى؟

الصديق: الله انت ما سمعتش عن تعديل المادة 76

الموظف: 76 ايه يا ابني بس ...انت عايز ايه بالظبط؟

الصديق: ابدا باسأل هو احنا المصريين في الإمارات مش لينا حق نشارك في الانتخابات من خلال السفارة؟

الموظف: لا يا حبيبي مفيش حاجة زي كدة في الدنيا كلها.

عاد صديقنا متشككا من المعلومة التي ساقها الينا صديقنا المحامي فاتصل به وسأله إن كان متأكدا من المعلومة، فأكد له المحامي أنها معلومة صحيحة مائة في المائة وأن هذا القانون موجود في كل بلاد العالم وأن معظم رعايا الدول الأوربية والآسيوية في الإمارات تمارس حقها الدستوري في الانتخاب من خلال سفاراتها، ثم ضحك المحامي وقال ( أنا كنت متأكد إنهم هيقولولك كدة).

بالطبع بعدما سرد علينا صديقنا وقائع ما حدث له في السفارة المصرية الغراء شعرنا بالضيق لكننا في نفس الوقت غرقنا في ضحك هستيري لما سمعناه من حوار دار بينه وبين الموظف وما سمعه من حوار جانبي بين الموظفتين.....مرت الأيام ووقعت أحداث الصراع العنيف بين الحكومة والمعارضة حول الاستفتاء على التعديل الدستوري. كنا نعيش وقائع هذا الصراع لحظة بلحظة عبر الإنترنت والقنوات الإخبارية الفضائية والمقالات المنشورة في الجرائد وبداخلنا رغبة عميقة في المشاركة بأي شكل من الأشكال في هذا الاستفتاء إما بإعلان المقاطعة له أو المشاركة فيه بنعم أو لا، لكننا كنا عاجزين ولم نجد أي شئ لنفعله غير الجلوس تاركين صدورونا تغلي من وطأة الإحساس بالعجز أمام رغبتنا المحمومة في المشاركة في تغيير شيئا ما في بلدنا فنحن رغم هروبنا منها نذوب عشقا لها، الحقيقة كلنا تصرف بطريقته فأنا مثلا أخذت أتصل بأصدقائي المشاركين في المقاطعة وحاولت بقدر الإمكان الشد من أزرهم، أما صديقنا مدير تكنولوجيا المعلومات فقرر أن يعيد المحاولة مرة أخرى مع السفارة، فاتصل بها وبعد فترة طويلة من رنين التليفون أجابه صوت ناعس متململ، فسأله بطرافته المعهودة حيث أن صديقنا هذا يتصف بخفة دم رائعة :

ها .... نيجي امتى؟

الموظف: تيجوا ؟...انتم مين اللي تيجوا؟

الصديق: احنا يا جدع..المصريين

الموظف: وتيجوا ليه؟

الصديق: الله مش انهاردة الاستفتاء

الموظف: استفتاء ايه؟

الصديق : الاستفتاء على تعديل المادة 76

الموظف: 67 ايه يا ابني و85 ايه انت بتقول ايه ؟

الصديق: الله مش مفروض ان من حقنا اننا نقول راينا في الاستفتاء؟

ويبدو أن الموظف وقع في حيرة شديدة فقال لصديقنا : طيب استنى كدة أما أسال

وسمع صديقنا الموظف وهو يقول: يا محمد هو فيه استفتاء انهاردة

فجاء صوت المدعو محمد من بعيد وقال له: استفتاء ايه يا عم انت... انت بتخرف؟

الموظف: يعني مفيش حاجة بالشكل ده

محمد: لا طبعا

فعاد الموظف إلى صديقنا وقال له: لا واللهي ماعندناش حاجة بالشكل ده

الصديق: يعني مفيش منه خالص في اي حتة؟

الموظف : لا واللهي يا حبيبي مفيش.

الصديق: طيب أسال في سفارة تانية بقى

الموظف: أنا باقول كدة برضه ..شوف وربنا يوفقك.

وهكذا انتهت تجربة صديقنا الديمقراطية مع السفارة المصرية، حيث ظل يضحك ويبكي في آن واحد منذ يوم خمسة وعشرين مايو الأسود وحتى الآن، ولم نعد نعرف ماذا نفعل له كي يعود لحالته الطبيعية، خاصة وأنه أصبح مقيما في البار ليشرب حتى ينسى، والمصيبة أنه لم ينس حتى الآن، ولم نعد نعرف ما الذي يمكن فعله له حتى يعود لبيته وأبنائه وعمله .

فهل من حل لإنقاذ صديقنا الذي هرب من مصر حتى لا يجن، فجاءت وراؤه هنا لتصيبه بالجنون؟


حي على الجهاد يا ستات

هذه هي الجملة التي ارتطمت برأسي فور وصول خبر رفض 89% من قضاة مجلس الدولة تعيين المرأة في القضاء الإداري، لأنه وبكل بساطة لن تستطيع المرأة اقتحام هذه القلعة الذكورية إلا بعد كفاح وجهاد طويلين تسيل فيه الدماء وترتفع خلاله صيحات الهزيمة والنصر في المعارك التي يجب أن تتوالى ربما لعقود قادمة.
أقول ذلك أيضاً لأنني مؤمنة تماماً بأننا الآن نعيش عصراً يجب أن تتحرك فيه المرأة بنفسها لكي تنال حقوقها ووضعها ومكانتها في المجتمع ويتم التعامل معها بمساواة حقيقية بعيداً عن زيف الطبل والزمر وشعارات ذر الرماد في العيون التي نحمي بها مصر المحروسة من عين الحسود الغربي. ومن الآخر كما اعتاد شعبنا أن يلخص مآسيه، إن كانت المرأة تستحق أن تقتحم مجال القضاء بقوة وتثبت فيه أقدامها فلن يأتي ذلك منحة من الذكور المنتفخين في ستراتهم الرمادية والسوداء والبنية وكافة الألوان الكابية الكئيبة، بل سيأتي غلاباً بعد معارك طويلة ودامية مكللة بالأحمر الزاهي.
بعد الخطبة العصماء السابقة، دعونا نعود لنرد ربما للمرة المليون على إدعاءات الرجال مهيبي الشأن، والذين لا يجدون يا ولداه غيرها في كل مرة يحاربون فيها أي محاولة لتمكين المرأة في المجتمع بشكل مساوي للرجل، فلقد ذكر السيد عظيم الشأن رئيس الجمعية العمومية في بيانه أن تجربة تعيين المرأة في محاكم الأسرة لم تنجح، لذلك لم تقدم وزارة العدل على تكرارها وحذر في البيان مما أسماه " مخاطر تدرج النساء في المناصب القضائية على الورق رغم بعدهن عن ممارسة العمل القضائي لانشغالهن برعاية أزواجهن وأولادهن". يا لطيف!!!!!! مخاطر تدرج النساء في المناصب القضائية ؟؟؟؟ ومع ذلك ورغم هذا الكلام الرادع القوي الجامع المانع الذي ورد على لسان مهيب الركن، دعونا نتأمل قليلاً في هذا الكلام .... بناء على أي أساس صرح رئيس الجمعية العمومية بمثل هذا التصريح؟ هل هناك دراسة علمية رصدت جدية ممارسة المرأة لعملها كقاضية في محاكم الأسرة ؟ وإن كان الأمر كذلك، فلماذا لا يطلعنا مهيب الركن عليها؟. حتى لو كان كلامه حقيقياً، فهل يعني هذا أن جميع الرجال الذين ينخرطون في سلك القضاء يؤدون عملهم كما ينبغي بدون أي ملاحظات سلبية على أدائهم؟ ثم وهو الأهم ...ألا يتم اختيار الشخصيات التي يتم ترشيحها إلى التعيين في سلك القضاء بدقة وبناء على سجل مهني قوي ونشط ونزيه ومتميز؟ أم أن الأمر يتم بناء على قرعة مثل قرعة الحج أو سحب مثل سحب جوائز لبان بمبم الذي كنا نتابعه بشغف ونحن أطفال؟.

لماذا لا يتم التعامل مع المرأة بأسلوب بعيد عن المنح والمنع ونترك الباب مفتوحاً فإذا ما أثبتت امرأة ما كفاءتها في أي مجال سواء كان القضاء أو غيره، صعدت وترقت وبلغت أعلى المناصب، وإذا لم تستطع بقت في مكانها أو تم عزلها تماماً مثلما يتم التعامل مع الرجل. أنا شخصياً لا أطالب بأن نمنح امرأة ما منصباً لمجرد أنها امرأة ولكن إن كانت متميزة وكفوءة فلتترقى وتنال حقها بناء على عملها ومجهودها. الأمر الآخر هو حجة الزوج والأولاد وانشغال المرأة بهم، فحتى لو سلمنا بالأمر سأضطر أن أسأل سؤال ربما يكون ثقيلا على قلوب العظماء " وهل كل النساء متزوجات ومنجبات؟"، وسؤال آخر " متى تتطورون قليلاً مع العصر يا سادة وتدركون أن التكنولوجيا الحديثة وفرت وسائل مهمة جداً تساعد المرأة على أن لا يأخذ بيتها ورعايته منها الكثير من الوقت لتتفرغ بعد ذلك إلى عملها؟" وسؤال آخر " إلى متى سيظل الرجل في مجتمعنا يعيش كتنبل سلطان عظيم ويتعامل مع عمله في الخارج على أنه كل ما ترجوه البشرية منه، ومتى يفيق ويدرك أنه أيضاً عليه دور في المنزل ليقوم به تجاه زوجته وأبناؤه؟".
ونصل هنا إلى الكلام العنصري الغريب الذي ألقاه المستشار محمد الحسيني، رئيس المجلس، على مسامع المستشارين حيث قال: " أضمن لكم عدم تعيين المرأة في الدفعات المقبلة بمجلس الدولة، طالما أن الثقافة المجتمعية في مصر لم تكتمل ولم تتفق على تولي المرأة منصب القضاء، وأتعهد لكم بأن مجلس الدولة سيكون آخر هيئة قضائية تعين النساء". ما كل هذا الغل والحقد الذي ينبع من بين تلك الكلمات؟ هل يعاني سيادة المستشار من أزمة نفسية سببتها له امرأة مثلاً؟ أم أنه مدفوع بأفكار طائفية خاصة معادية للنساء؟ لقد جاء كلامه شديد العنصرية والمعاداه لجنس النساء في المجمل ولم يقتصر فقط على موضوع القضاء. الغريب أن كلامه جاء مغايراً للبيان الصحفي الذي أصدره من قبل وذكر فيه أنه قرر فتح باب تعيين المرأة بعد إخطار الجهات المعنية في الدولة، ما يجعلني أنجرف في تيار نظرية المؤامرة، خاصة بعد اهتمام الجرائد السعودية بتغطية هذا الحدث وفرد الصفحات له ومناقشة الموضوع في كافة وسائل إعلامها، متجهة نحو تكريس فكرة القوامة والدرجة التي للرجال علينا ومملكة المرأة العبثية وكونها درة وجوهرة مفقودة في عالم لا قيمة فيه للجواهر المكنونة في أي صندوق!
في النهاية أوجه تحية إكبار للدكتور البيومي محمد البيومي، نائب رئيس المجلس، الذي كافح في حوار مع طرشان لإثبات أحقية المرأة في تولي منصب القضاء وقام بتوزيع دراسة شرعية تقر تولي المرأة المناصب القضائية، والتي أتمنى أن يتم نشرها على أوسع نطاق، على الأقل لتوعية النساء أنفسهن حول قيمتهن ومكانتهن الحقيقية في الدين والحياة والمجتمع، خاصة وقد استطاعت كتائب السلفيين والوهابيين أن تتسلل إلى النساء أنفسهن وأصبحنا نرى نساءً تقف في صفوف الذكور وتدافع بشراسة عن قانون الذكر وهي لا تدري أنها بذلك تدق مسامير عدة في نعشها لتظل مدفونة بموت إكلينيكي إلى أن تأتي المعجزة أو لا تأتي.

كم أحببت الاسلام في تركيا

عندما اعتلى طيب رجب أردوغان سدة الحكم في تركيا، قلت على الدولة العلمانية هناك السلام وترحمت على قيم أتاتورك التي استطاعت أن تصنع من دولة 99% من سكانها مسلمين نموذجاً متميزا في العالم كله. لم أغير اعتقادي هذا رغم كل الأخبار التي أتابعها عن تركيا إلى أن حققت إحدى أهدافي السياحية وقمت بزيارتي الأولى إلى تلك الدولة والتي لن تكون الأخيرة إنشاء الله.
أمضيت أسبوعاً هناك متنقلة بين إسطنبول وبورصة وكابادوكيا، وفي الحقيقة لن أتحدث عن المناطق السياحية والتارخية والآثار المتبقية من كثير من الحضارات والثقافات التي مرت على تلك الدولة، بل سأتحدث عن الإسلام هناك.
تشبه اسطنبول إلى حد كبير القاهرة، وتحديداً شارع الأزهر والحسين ومنطقة وسط البلد والعتبة والموسكي ووكالة البلح، وإن كانوا أنظف منا وأكثر رقياً، لكنني بكيت أكثر من مرة وأن أمشي في منطقة "بيازيت" و "لالالي" و " أكسراي" فلقد كنت أتنسم رائحة القاهرة في تلك الشوارع وأرى وجوهنا في كل الوجوه التي تخطو حولي وأشعر بدفئ شوارعنا بينما لا يراودني أي إحساس بالغربة، فتلك المرأة القادمة من بعيد تشبه أمي وهذه السيدة التي تسير جواري متأنقة في بساطة بينما شعرها الناعم يداعب وجهها تشبه أختي، أما هذه القادمة من بعيد ترتدي حجاباً بسيطاً غير متكلف ولا تلون وجهها بالأصباغ فاقعة اللون تشبه ابنة خالي، وهذا الرجل الأصلع الذي أبدى استعدادا مرحباً بالتقاط صورة لي يشبه خالي ...كلهم من حولي يذكرونني بعائلتي، بينما مجموعات الأصدقاء على المقاهي تذكرني بأصدقائي في القاهرة حيث نجتمع على مقاهي وسط البلد لنتجادل ونتناقش وتعلو أصواتنا بصخب محبب..... إسطنبول ما أروعك فأنت برهان جديد على أن مصر احتوت الكون كله داخلها..... ولكن !
كل ما سبق يذكرني بالقاهرة في التسعينات أما القاهرة في ألفيتها الثانية تختلف كثيراً .. أعترف بأنني غادرت مصر في عام 2001، حيث تصدمني التغيرات السريعة كلما أعود إليها كل عام، فلقد ابتعدنا كثيراً عن صفاتنا الجميلة وأصبحنا مثلاً فجاً للجهامة والتعصب، بل والسفالة أيضاً. أما اسطنبول فهي مازالت بلداً اسلامية تعبر بقوة عن دينها السمح الهادئ الرهيف والذي يحب الجميع بلا تمييز، ففي الشارع تحيط بك النساء المحجبات والنساء العاديات، يسير جوارك الرجال الذين يرتدون الملابس الحديثة وهؤلاء الذين يتمسكون بملابسهم التقليدية حيث الطاقية والبنطال ذو الحجر الواسع والقميص الأبيض، الكل يسير متجاوراً بدون أن يعلق أحداً على الآخر بتعليق سخيف، ولا تتعرض النساء العاديات " بدون حجاب" لأي نوع من الاستهجان أو سماع التعليقات السخيفة بل وقليلة الحياء والأدب من المتنطعين الذين ينصبون من أنفسهم حماة للفضيلة في الشارع ولا يجدون ما يفعلونه سوى شم الكلة ومضايقة النساء!
في سوق "جراند بزار" أكبر أول سوق مغطى في العالم، والذي تم بناء سوق الحميدية في دمشق وسوق خان الخليلي في مصر على غراره، يحتشد البشر من جميع الجنسيات لشراء الأنتيكات التركية والأشغال اليدوية المميزة تماما مثلما يحدث في خان الخليلي ولكن الفرق الوحيد هو أن جميع الباعة يقفون على أبواب محلاتهم يرحبون بك سواء توقفت للشراء أم لم تتوقف، لا يمكن أن تسمع من أي منهم سوى مرحباً أو صباح الخير بينما يدعونك إلى زيارة متجرهم والتعرف على بضاعتهم. هذا ما كان يحدث في السابق لدينا بخان الخليلي لكن الآن تغير الوضع، فطبيعي جداً أن تسمع من أصحاب المحلات كلمات فاحشة بالعربية معتقدين أنكِ أجنبية طالما لا تغطين شعرك، ولا أدري لماذا لا يضعون في حسبانهم مثلاً مع ملامحك المصرية الصريحة أنك قد تكونين مسيحية، طبيعي أيضاً أن تبصرين إشارات بأصابعهم لا تعني سوى الفحش والقذارة، ظانين أن تلك الاشارات مصرية صرفة ولن تفهمها الأجنبيات.
إضافة إلى الجراند بزار هناك أيضاً الساحة التي تتوسط الجامع الأزرق "مسجد السلطان أحمد" و متحف آيا صوفيا الذي كان كنيسة وحولها العثمانيون إلى جامع ثم حولها أتاتورك إلى متحف، طبيعي جداً أن تجد أيقونات السيد المسيح والعذراء والصلبان تباع مجاورة صور المساجد ولوحات الآيات القرآنية، رغم أن نسبة المسيحيين في تركيا لا تتخطى 1%، وذلك في تناغم واضح لا يبعث داخلك سوى البهجة والشعور بالراحة والاحساس بالجمال يعم الأجواء من حولك. أما لدينا في مصر ورغم أن نسبة المسيحيين تصل إلى 10% وربما تزيد لا يمكن أن ترى تلك الأيقونات والصلبان تباع إلا أمام الكنيسة المعلقة وماري جرجس على استحياء شديد، إضافة إلى بعض المكتبات المسيحية النادرة في وسط البلد والتي تعرض بضاعتها بحذر وكأنها تبيع ممنوعات.
في جامع السلطان بيازيت والذي أعتقد أنه من الداخل أكثر جمالاً مقارنة بجامع السلطان أحمد، حيث عشقت الصلاة داخله، طبيعي أن ترى نساء عاديات "بدون حجاب" يحتشدن في منطقة الميضأة يتوضأن جوار الرجال، وربما يكون هذا ما دفعني إلى أن أسرع وأجلس على أحد المقاعد الرخامية التي تحيط بالميضأة وأشمر عن أكمامي وأنظر إلى السماء وأقول بعشق "بسم الله الرحمن الرحيم نويت الوضوء" وبالفعل توضأت يجاورني طفل وأبيه فنظرت إليهما وابتسمت قائلة "السلام عليكم ..أنا مسلمة من مصر"، فابتسم الوالد قائلاً " مرحباً بك في اسطنبول" ...دخلت إلى المسجد بعد أن خلعت عني حذائي وسحبت أحد أغطية الرأس المعلقة إلى جانب الباب، ثم ولجت إلى صحن الجامع متجهة نحو القبلة المنيرة ورفعت صوتي قائلة بينما دموعي تتسابق على خدي " الله أكبر". أعترف أنني لأول مرة منذ زمن بعيد أعلن بفخر شديد أنني مسلمة ودون أن يسألني أحد، وأعترف أيضاً أنني كنت راغبة في أن أجري في الشوارع وأنا أصرخ " أنا مسلمة، أنا مسلمة، أنا مسلمة".
بقى شيئ واحد أحب أن أشير إليه، ألا وهو أن شوارع اسطنبول تعج بعناصر الشرطة التي هي في خدمة الشعب فعلاً، موجودة على مدار الساعة يضبطون الأمن في الشارع ويمنعون الشغب، وكل هذا دون أن يلحظهم أحد حيث لا يتسببون في إزعاج المارة ولا يصنعون من أنفسهم بلطجية شوارع ويفرضون إتاوات على الناس ....هم ينتشرون فقط من أجل تحقيق الأمن وضبط النظام في الشوارع...... فتحياتي إلى إسطنبول وإلى تركيا كلها وإلى طيب رجب أردوغان الذي عرفت من الأتراك هناك أنه ربما ينتهج فكر الاسلام السياسي لكنه يطبقه ضمن القيم العلمانية التي أقرها أتاتورك، بل إنه يؤمن بالقومية التركية ومتعصب لها كثيراً.

ثقافة الحور العين والخطاب الذكوري المفروض حتى على الجنة

عندما كنت أقرأ تاريخ الطائفة الإسماعيلية وما نتج عنها من جماعة حسن الصباح التي اشتهرت بجماعة الحشاشين أيام الخلافة العباسية، لم أكن أعلم أن مسألة الحور العين التي تم بها إغراء عددا من الشباب اليانع حينها للانضمام إلى قلعة آلموت ( القلعة التي بناها حسن الصباح لتدريب الشباب على القتال وفرض فكرة الاستشهاد للوصول إلى الجنة والتمتع بمباهجها ومن ضمنها الحور العين) سوف يعاد طرحها في عصرنا هذا للقيام بنفس الدور، ألا وهو إغراء الشباب اليانع أيضا للاستغراق في الحلم بالجنة والابتعاد عن مسائل الدنيا ومنها بالتأكيد بناء دولة عربية مدنية ذات مقومات اقتصادية قوية تجابه القوى الغربية والأمريكية تحديدا.
في كل مناسبة دينية نتلقى جميعا رسائل إليكترونية تدعونا للدعاء بشكل معين وإعادة إرسال نفس الرسالة لعشر أشخاص مثلا كي نحصل على مائة أو مائتين حسنة ( كأننا نحن الذين سنحاسب الله يوم القيامة بعدد الحسنات التي جمعناها ونفاصله فيها بدلا من ابتغاء رحمته) ومنها يصلنا رسائل عن الحور العين، وكيف أن للرجل الديٌن سبعين من الحور العين أو من النساء الجميلات البيضاوات، البضات العذراوات إلى آخره من الصفات التي تشبه الدعايات الهوليودية الخاصة بالنساء المرمريات اللائى من الصعب أن تصادفهن في الشارع العادي الذي نسير فيه.
من كثرة هذه الرسائل وما يتبعها من مناقشات غريبة ومضحكة بين النساء والرجال عن الحور العين، وكيف أن المرأة ليس لها شيئا في المقابل، قدم رجال الدين الأعزاء المبجلين آراء أو تصريفات لم ترد لا في القرآن ولا في السنة مثل أنها ستجتمع بزوجها في الآخرة وأنها ستحشر في سن الثلاثين أو أن شهوة المرأة في الحلي والمجوهرات وليست في الرجال... إلخ. من أجل كل ما سبق قررت الخوض في هذه المسألة.
الحور العين في المعجم اللغوي
بداية يجب أن نعرف المعنى اللغوي لكلمة حور عين، وكي نعرفها يجب أن نقسمها إلى حُور ثم عِين، وفي المعجم المحيط سنجد أن كلمة حور بضم الحاء معناها كالتالي:
الحور: الأحور والحوراء :- من النساء: اللواتي هن بيضٌ. - : النقص والهلاك / إنه في حور وبور، أي في غير صنعة ولا إجادة أو هو في ضلال/ الباطل في الحور/ أي في نقص وتراجع.

أما عين فمعناها وفقا لمعجم محيط المحيط : هي الواسعة العين.

إذا من منطلق المعنى السابق نحن نتحدث عن نساء بيض واسعات العيون. والأسئلة التي تفرض نفسها هنا، هل يقتصر وجود النساء واسعات العيون على الجنة فقط؟ وماذا عن النساء السود واسعات العيون؟ وماذا عن النساء البيض والسود غير واسعات العيون؟
ألا تلاحظوا هنا نوعا من التمييز، فكأن هناك مفاضلة بين النساء، وتفضيل للمرأة ذات اللون الأبيض والعين الواسعة على غيرها من النساء، فلماذا لا يكون نساء الجنة هؤلاء سوداوات؟ هل هناك ما يعيب الشعوب السوداء بأسرها دونا عن النساء فقط؟
ألم يكن الإسلام هو صاحب الدعوة الأولى في المساواة بين البشر وعدم التفضيل بينهم على أساس اللون والعرق والجنس؟
في خطبة الوداع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين: " يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد ألا إن أباكم واحد لا فضل لعربي على أعجمي ولا أعجمي على عربي ولا أحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى ... أبلغت؟ قالوا أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم."
فهل يساوي الله بيننا على الأرض في الدنيا ويفاضل بيننا في الآخرة وفي الجنة؟
الحور العين في القرآن الكريم
في سورة الدخان الآية 54 :
بسم الله الرحمن الرحيم
كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ
صدق الله العظيم
وفي تفسير الطبري يقول : الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمَا أَعْطَيْنَا هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ فِي الْآخِرَة مِنْ الْكَرَامَة بِإِدْخَالِنَاهُمُ الْجَنَّات , وَإِلْبَاسِنَاهُمْ فِيهَا السُّنْدُس وَالْإِسْتَبْرَق , كَذَلِكَ أَكْرَمْنَاهُمْ بِأَنْ زَوَّجْنَاهُمْ أَيْضًا فِيهَا حُورًا مِنْ النِّسَاء , وَمِنَ النَّقِيَّات الْبَيَاض , وَاحِدَتهنَّ : حَوْرَاء , وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول فِي مَعْنَى الْحُور , مَا : 24111 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِين } قَالَ : أَنْكَحْنَاهُمْ حُورًا. قَالَ : وَالْحُور : اللَّاتِي يَحَار فِيهِنَّ الطَّرَف بَادٍ مُخّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاء ثِيَابهنَّ , وَيَرَى النَّاظِر وَجْهه فِي كَبِد إِحْدَاهُنَّ كَالْمِرْآةِ مِنْ رِقَّة الْجِلْد , وَصَفَاء اللَّوْن . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِد مِنْ أَنَّ الْحُور إِنَّمَا مَعْنَاهَا : أَنَّهُ يَحَار فِيهَا الطَّرَف , قَوْل لَا مَعْنَى لَهُ فِي كَلَام الْعَرَب ; لِأَنَّ الْحُور إِنَّمَا هُوَ جَمْع حَوْرَاء , كَالْحُمْرِ جَمْع حَمْرَاء , وَالسُّود : جَمْع سَوْدَاء , وَالْحَوْرَاء إِنَّمَا هِيَ فَعْلَاء مِنَ الْحَوَر وَهُوَ نَقَاء الْبَيَاض , كَمَا قِيلَ لِلنَّقِيِّ الْبَيَاض مِنْ الطَّعَام الْحَوَارِيّ , وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْل . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ قَالَ سَائِر أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24112 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِين } قَالَ : بَيْضَاء عَيْنَاء , قَالَ : وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود " بِعِيسٍ عِين " . * - حَدَّثَنَا بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { بِحُورٍ عِين } قَالَ : بِيض عِين , قَالَ : وَفِي حَرْف ابْن مَسْعُود " بِعِيسٍ عِين " . وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود هَذِهِ , يَعْنِي أَنَّ مَعْنَى الْحُور غَيْر الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مُجَاهِد ; لِأَنَّ الْعِيس عِنْد الْعَرَب جَمْع عَيْسَاء , وَهِيَ الْبَيْضَاء مِنْ الْإِبِل , كَمَا قَالَ الْأَعْشَى : وَمَهْمَه نَازِح تَعْوِي الذِّئَاب بِهِ كَلَّفْت أَعْيَس تَحْت الرَّحْل نَعَّابَا يَعْنِي بِالْأَعْيَسِ : جَمَلًا أَبْيَض . فَأَمَّا الْعِين فَإِنَّهَا جَمْع عَيْنَاء , وَهِيَ الْعَظِيمَة الْعَيْنَيْنِ مِنْ النِّسَاء .

ومن ما سبق نجد اختلاف بين الذين حاولوا تفسير الآية من السلف الصالح، فيما إذا كانت الحور العين هن من يحار فيهن الطرف أو هن البيض ذوات العيون الواسعة، وإن كانت اللغة العربية تقدم التفسير الثاني على الأول، ألا وهو أنهن النساء البيض ذوات العيون الواسعة.

الآية الثانية التي ورد فيها ذكر الحور العين هي في سورة الطور آية 20 حيث يقول تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم
مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ
صدق الله العظيم
وتفسيرها وفقا للطبري:
وَقَوْله : { مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُر مَصْفُوفَة } قَدْ جُعِلَتْ صُفُوفًا , وَتُرِكَ قَوْله : عَلَى نَمَارِق , اكْتِفَاء بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَلَام عَلَيْهِ، وَقَوْله : { وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَزَوَّجْنَا الذُّكُور مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ أَزْوَاجًا بِحُورٍ عِينٍ مِنْ النِّسَاء , يَقُول الرَّجُل : زَوِّجْ هَذَا الْخَلْف الْفَرْد أَوْ النَّعْل الْفَرْد بِهَذَا الْفَرْد , بِمَعْنَى : اجْعَلْهُمَا زَوْجًا . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الزَّوْج فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته هَا هُنَا , وَالْحُور : جَمْع حَوْرَاء , وَهِيَ الشَّدِيدَة بَيَاض مُقْلَة الْعَيْن فِي شِدَّة سَوَاد الْحَدَقَة. وَقَدْ ذَكَرْت اخْتِلَاف أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ , وَبَيَّنْت الصَّوَاب فِيهِ عِنْدَنَا بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَة عَنْ إِعَادَتهَا فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَالْعِين : جَمْع عَيْنَاء , وَهِيَ الْعَظِيمَة الْعَيْن فِي حُسْن وَسَعَة.
أما الآية الثالثة والتي ورد فيها ذكر الحور العين فهي الآية 22 قي سورة الواقعة:
بسم الله الرحمن الرحيم
وَحُورٌ عِينٌ
صدق الله العظيم
وتفسيرها كالآتي عند الطبري:
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَحُور عِين } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَحُور عِين } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة وَبَعْض الْمَدَنِيِّينَ " وَحُور عِين " بِالْخَفْضِ إِتْبَاعًا لِإِعْرَابِهَا إِعْرَاب مَا قَبْلهَا مِنْ الْفَاكِهَة وَاللَّحْم , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُطَاف بِهِ , وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ مَعْرُوفًا مَعْنَاهُ الْمُرَاد أَتْبَعَ الْآخَر الْأَوَّل فِي الْإِعْرَاب , كَمَا قَالَ بَعْض الشُّعَرَاء : إِذَا مَا الْغَانِيَات بَرَزْنَ يَوْمًا وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِب وَالْعَيُونَا فَالْعُيُون تُكَحَّل , وَلَا تُزَجَّج إِلَّا الْحَوَاجِب , فَرَدَّهَا فِي الْإِعْرَاب عَلَى الْحَوَاجِب , لِمَعْرِفَةِ السَّامِع مَعْنَى ذَلِكَ وَكَمَا قَالَ الْآخَر : تَسْمَع لِلْأَحْشَاءِ مِنْهُ لَغَطَا وَلِلْيَدَيْنِ جُسْأَة وَبَدَدَا وَالْجُسْأَة : غِلَظ فِي الْيَد , وَهِيَ لَا تُسْمَع . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض قُرَّاء الْمَدِينَة وَمَكَّة وَالْكُوفَة وَبَعْض أَهْل الْبَصْرَة بِالرَّفْعِ { وَحُور عِين } عَلَى الِابْتِدَاء , وَقَالُوا : الْحُور الْعِين لَا يُطَاف بِهِنَّ , فَيَجُوز الْعَطْف بِهِنَّ فِي الْإِعْرَاب عَلَى إِعْرَاب فَاكِهَة وَلَحْم , وَلَكِنَّهُ مَرْفُوع بِمَعْنَى : وَعِنْدهمْ حُور عِين , أَوْ لَهُمْ حُور عِين . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا جَمَاعَة مِنْ الْقُرَّاء مَعَ تَقَارُب مَعْنَيَيْهِمَا , فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . وَالْحُور جَمَاعَة حَوْرَاء : وَهِيَ النَّقِيَّة بَيَاض الْعَيْن , الشَّدِيدَة سَوَادهَا . وَالْعَيْن : جَمْع عَيْنَاء , وَهِيَ النَّجْلَاء الْعَيْن فِي حُسْن .
ونلاحظ من التفسير السابق أنهم اختلفوا على القراءة الخاصة بالآية، وقيل فيما قيل أن الحور العين جماعة حوراء نقية بياض العين شديدة سوادها، ولم يحدد هنا هل تلك الجماعة من النساء أم من الرجال.
أما الآية الرابعة فهي في سورة الرحمن رقم 56 :
بسم الله الرحمن الرحيم
فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
ثم آية رقم 72 :
حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ
تفسير الآيات في الطبري كما يلي :
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فِيهِنَّ قَاصِرَات الطَّرْف } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْفُرُش الَّتِي بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَق { قَاصِرَات الطَّرْف } وَهُنَّ النِّسَاء اللَّاتِي قَدْ قُصِرَ طَوْفُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ , فَلَا يَنْظُرْنَ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الرِّجَال . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25634 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُبَيْد الْمُحَارِبِيّ , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِي يَحْيَى , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { فِيهِنَّ قَاصِرَات الطَّرْف } قَالَ : قُصِرَ طَرْفُهُنَّ عَنْ الرِّجَال , فَلَا يَنْظُرْنَ إِلَّا إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ . 25635 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فِيهِنَّ قَاصِرَات الطَّرْف } . .. الْآيَة , يَقُول : قُصِرَ طَرْفُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجهنَّ , فَلَا يُرِدْنَ غَيْرهمْ. 25636 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { قَاصِرَات الطَّرْف } قَالَ : لَا يَنْظُرْنَ إِلَّا إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ , تَقُول : وَعِزَّةِ رَبِّي وَجَلَالِهِ وَجَمَالِهِ , إِنْ أَرَى فِي الْجَنَّة شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْك , فَالْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَك زَوْجِي , وَجَعَلَنِي زَوْجَك.
وَقَوْله : { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْس قَبْلهمْ وَلَا جَانّ } يَقُول : لَمْ يَمَسَّهُنَّ إِنْس قَبْل هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَتَهُمْ , وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ { وَلِمَنْ خَافَ مَقَام رَبّه جَنَّتَانِ } وَلَا جَانّ يُقَال مِنْهُ : مَا طَمَثَ هَذَا الْبَعِيرَ حَبْل قَطُّ : أَيْ مَا مَسَّهُ حَبْل . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب مِنْ الْكُوفِيِّينَ يَقُول : الطَّمْث هُوَ النِّكَاح بِالتَّدْمِيَةِ , وَيَقُول : الطَّمْث هُوَ الدَّم , وَيَقُول : طَمَثَهَا إِذَا دَمَاهَا بِالنِّكَاحِ , وَإِنَّمَا عَنَى فِي هَذَا الْمَوْضِع أَنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانّ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25637 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْس قَبْلهمْ وَلَا جَانّ } يَقُول : لَمْ يُدْمِهِنَّ إِنْس وَلَا جَانّ . 25638 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ رَجُل عَنْ عَلِيّ { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْس قَبْلهمْ وَلَا جَانّ } قَالَ : مُنْذُ خَلَقَهُنَّ. 25639 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن يَزِيد الطَّحَّان , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير , عَنْ مُغِيرَة بْن مُسْلِم , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : لَا تَقُلْ لِلْمَرْأَةِ طَامِث , فَإِنَّ الطَّمْث هُوَ الْجِمَاع , إِنَّ اللَّه يَقُول : { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْس قَبْلهمْ وَلَا جَانّ } . 25640 -حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانّ } قَالَ : لَمْ يَمَسَّهُنَّ شَيْء إِنْس وَلَا غَيْره. 25641 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانّ } قَالَ : لَمْ يَمَسَّهُنَّ . 25642 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَبْد الْحَمِيد الْآمِلِيّ , قَالَ : ثنا مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة , عَنْ عَاصِم , قَالَ : قُلْت لِأَبِي الْعَالِيَة امْرَأَة طَامِث , قَالَ : مَا طَامِث ؟ فَقَالَ رَجُل : حَائِض , فَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة : حَائِض , أَلَيْسَ يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلِهِمْ وَلَا جَانّ } . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَهَلْ يُجَامِع النِّسَاءَ الْجِنُّ , فَيُقَال : { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْس قَبْلهمْ وَلَا جَانّ } ؟ فَإِنَّ مُجَاهِدًا رُوِيَ عَنْهُ مَا . 25643 -حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثنا سَهْل بْن عَامِر , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن يَعْلَى الْأَسْلَمِيّ عَنْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : إِذَا جَامَعَ وَلَمْ يُسَمِّ انْطَوَى الْجَانّ عَلَى إِحْلِيلِهِ فَجَامَعَ مَعَهُ , فَذَلِكَ قَوْله : { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ } . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم يَنْتَزِع بِهَذِهِ الْآيَة فِي أَنَّ الْجِنّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّة . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25644 - حَدَّثَنِي أَبُو حُمَيْد أَحْمَد بْن الْمُغِيرَة الْحِمْصِيّ , قَالَ : ثني أَبُو حَيْوَة شُرَيْح بْن يَزِيد الْحَضْرَمِيّ قَالَ : ثني أَرْطَاة بْن الْمُنْذِر , قَالَ : سَأَلْت ضَمْرَة بْن حَبِيب : هَلْ لِلْجِنِّ مِنْ ثَوَاب ؟ قَالَ : نَعَمْ , ثُمَّ نَزَعَ بِهَذِهِ الْآيَة { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانّ } فَالْإِنْسِيَّات لِلْإِنْسِ , وَالْجِنِّيَّات لِلْجِنِّ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { حُور مَقْصُورَات فِي الْخِيَام } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْخَيْرَات الْحِسَان { حُور } يَعْنِي بِقَوْلِ حُور : بِيضٌ , وَهِيَ جَمْع حَوْرَاء , وَالْحَوْرَاء : الْبَيْضَاء . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْحَوَر فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَة عَنْ إِعَادَتهَا فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25682 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّات , عَنْ مُجَاهِد { حُور } قَالَ : بِيضٌ . * - قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ مُسْلِم , عَنْ مُجَاهِد { حُور } قَالَ : بِيضٌ . 25683 - قَالَ : ثنا وَكِيع , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { حُور } قَالَ : النِّسَاء . 25684 -حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : حَدَّثَنَا عُبَيْد قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { حُور مَقْصُورَات } الْحَوْرَاء : الْعَيْنَاء الْحَسْنَاء. 25685 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان : الْحَوَر : سَوَادٌ فِي بَيَاض . 25686 -قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : الْحُور : الْبِيضُ قُلُوبُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ . وَأَمَّا قَوْله : { مَقْصُورَاتٌ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله أَنَّهُنَّ قُصِرْنَ عَلَى أَزْوَاجهنَّ , فَلَا يَبْغِينَ بِهِمْ بَدَلًا , وَلَا يَرْفَعْنَ أَطْرَافَهُنَّ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الرِّجَال . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25687 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّات , عَنْ مُجَاهِد : { مَقْصُورَات فِي الْخِيَام } قَالَ : قُصِرَ طَرْفُهُنَّ وَأَنْفُسُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ . * - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا وَكِيع , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { مَقْصُورَاتٌ } قَالَ : قُصِرَ طَرْفُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجهنَّ فَلَا يُرِدْنَ غَيْرَهُمْ . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , { مَقْصُورَات فِي الْخِيَام } قَالَ : قَصَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ وَأَبْصَارَهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ , فَلَا يُرِدْنَ غَيْرهمْ . 25688 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه وَابْن الْيَمَان , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنِ الرَّبِيع { مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : قَصَرْنَ طَرْفَهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : قَصَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ وَقُلُوبَهُنَّ وَأَبْصَارَهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ , فَلَا يُرِدْنَ غَيْرهمْ . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : قُصِرَ طَرْفُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ فَلَا يُرِدْنَ غَيْرهمْ . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { مَقْصُورَات } قَالَ : مَقْصُورَات عَلَى أَزْوَاجهنَّ فَلَا يُرِدْنَ غَيْرهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُنَّ مَحْبُوسَات فِي الْحِجَال. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25689 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن يَمَان , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنِ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة { حُور مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : مَحْبُوسَات فِي الْخِيَام . 25690 -حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد الْبُزُورِيّ , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنِ الرَّبِيع , بِمِثْلِهِ . 25691 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ مُجَاهِد , عَنِ ابْن عَبَّاس { مَقْصُورَات } قَالَ : مَحْبُوسَات . 25692 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن يَمَان , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْشَر السِّنْدِيّ , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب , قَالَ : مَحْبُوسَات فِي الْحِجَال . 25693 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { مَقْصُورَات فِي الْخِيَام } قَالَ : لَا يَبْرَحْنَ الْخِيَام. 25694 - حَدَّثَنِي عُبَيْد بْن إِسْمَاعِيل الْهَبَّارِيّ , قَالَ : ثنا عَثَّام بْن عَلِيّ , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي صَالِح , فِي قَوْله : { حُور مَقْصُورَات فِي الْخِيَام } قَالَ : عَذَارَى الْجَنَّة . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو هِشَام قَالَا : ثنا عَثَّام بْن عَلِيّ , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي صَالِح , مِثْله . 25695 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ . سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { مَقْصُورَات } قَالَ : الْمَحْبُوسَات فِي الْخِيَام لَا يَخْرُجْنَ مِنْهَا . 25696 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { مَقْصُورَات فِي الْخِيَام } قَالَ : مَحْبُوسَات , لَيْسَ بِطَوَّافَاتٍ فِي الطُّرُق . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَصَفَهُنَّ بِأَنَّهُنَّ مَقْصُورَات فِي الْخِيَام وَالْقَصْر : هُوَ الْحَبْس وَلَمْ يُخَصِّصْ وَصْفَهُنَّ بِأَنَّهُنَّ مَحْبُوسَات عَلَى مَعْنًى مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا دُون الْآخَر بَلْ عَمَّ وَصْفَهُنَّ بِذَلِكَ , وَالصَّوَاب أَنْ يُعَمَّ الْخَبَر عَنْهُنَّ بِأَنَّهُنَّ مَقْصُورَات فِي الْخِيَام عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ , فَلَا يُرِدْنَ غَيْرَهُمْ , كَمَا عُمَّ ذَلِكَ . وَقَوْله : { فِي الْخِيَام } يَعْنِي بِالْخِيَامِ : الْبُيُوت , وَقَدْ تُسَمِّي الْعَرَبُ هَوَادِجَ النِّسَاء خِيَامًا , وَمِنْهُ قَوْل لَبِيد : شَاقَتْك ظُعْنُ الْحَيِّ يَوْمَ تَحَمَّلُوا فَتَكَنَّسُوا قُطُنًا تُصِرُّ خِيَامُهَا وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْآيَة فَإِنَّهُ عَنَى بِهَا الْبُيُوت . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25697 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ سَعِيد , قَالَ : ثنا شُعْبَة , قَالَ : ثنا عَبْد الْمَلِك بْن مَيْسَرَة , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , عَنْ عَبْد اللَّه { حُور مَقْصُورَات فِي الْخِيَام } قَالَ : الدُّرّ الْمُجَوَّف . 25698 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَرَفَة , قَالَ : ثنا شَبَّابَة , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ عَبْد الْمَلِك عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , عَنْ عَبْد اللَّه , مِثْله . 25699 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة الْيَرْبُوعِيّ , قَالَ : ثنا فُضَيْل بْن عَيَّاش , عَنْ هِشَام , عَنْ مُحَمَّد , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { حُور مَقْصُورَات فِي الْخِيَام } قَالَ : الْخَيْمَة لُؤْلُؤَة أَرْبَعَة فَرَاسِخ فِي أَرْبَعَة فَرَاسِخ لَهَا أَرْبَعَة آلَاف مِصْرَاع مِنْ ذَهَبٍ . 25700 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ مُسْلِم , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ ابْن عَبَّاس { فِي الْخِيَام } قَالَ : بُيُوت اللُّؤْلُؤ . 25701 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْأَحْمَسِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , قَالَ : ثنا إِدْرِيس الْأَوْدِيّ , عَنْ شِمْر بْن عَطِيَّة , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , قَالَ : قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَتَدْرُونَ مَا حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام ؟ الْخِيَام : دُرّ مُجَوَّف. 25702 - قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , قَالَ : ثنا مِسْعَر , عَنْ عَبْد الْمَلِك , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص فِي قَوْله : { حُور مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : دُرّ مُجَوَّف . وَبِهِ عَنْ أَبِي الْأَحْوَص قَالَ : الْخَيْمَة : دُرَّة مُجَوَّفَة فَرْسَخ فِي فَرْسَخ , لَهَا أَرْبَعَة آلَاف مِصْرَاع مِنْ ذَهَبٍ. 25703 - ثنا أَبُو دَاوُدَ , قَالَ : ثنا هَمَّام , عَنْ قَتَادَة , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس قَالَ : الْخَيْمَة فِي الْجَنَّة مِنْ دُرَّة مُجَوَّفَة , فَرْسَخ فِي فَرْسَخ لَهَا أَرْبَعَة آلَاف مِصْرَاع . 25704 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن الْمِقْدَام , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , قَالَ : سَمِعْت أَبِي يُحَدِّث عَنْ قَتَادَة , عَنْ خُلَيْد الْعَصْرِيّ قَالَ : لَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ الْخَيْمَة لُؤْلُؤَة مُجَوَّفَة لَهَا سَبْعُونَ مِصْرَاعًا , كُلّ ذَلِكَ مِنْ دُرّ . 25705 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ قَالَ : الْخِيَام : دُرّ مُجَوَّف . 25706 -قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْخِيَام : دُرّ مُجَوَّف . 25707 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا وَكِيع وَيَعْلَى عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : فِي الْخِيَام : قَالَ : الدُّرّ الْمُجَوَّف . 25708 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { فِي الْخِيَام } قَالَ : خِيَام دُرّ مُجَوَّف . 25709 - قَالَ ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ حَرْب بْن بَشِير , عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون , قَالَ : الْخِيَام : الْخَيْمَة : دُرَّة مُجَوَّفَة . 25710 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سَلَمَة بْن نُبَيْط , عَنِ الضَّحَّاك , قَالَ : الْخَيْمَة : دُرّ مُحَوَّفَة . 25711 -حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا ابْن الْيَمَان , عَنْ أَبِي مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب { فِي الْخِيَام } : فِي الْحِجَال . 25712 - قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه وَابْن الْيَمَان , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنِ الرَّبِيع { فِي الْخِيَام } قَالَ : فِي الْحِجَال . 25713 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو بْن أَبِي قَيْس , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { فِي الْخِيَام } قَالَ : خِيَام اللُّؤْلُؤ . 25714 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { فِي الْخِيَام } الْخِيَام اللُّؤْلُؤ وَالْفِضَّة , كَمَا يُقَال وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 25715 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { حُور مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ابْن عَبَّاس كَانَ يَقُول : الْخَيْمَة دُرّ مُجَوَّفَة , فَرْسَخ فِي فَرْسَخ , لَهَا أَرْبَعَة آلَاف بَاب مِنْ ذَهَب . وَقَالَ قَتَادَة : كَانَ يُقَال : مَسْكَن الْمُؤْمِن فِي الْجَنَّة , يَسِير الرَّاكِب الْجَوَاد فِيهِ ثَلَاث لَيَالٍ وَأَنْهَاره وَجِنَانه وَمَا أَعَدَّ اللَّه لَهُ مِنْ الْكَرَامَة . 25716 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : الْخَيْمَة : دُرَّة مُجَوَّفَة , فَرْسَخ فِي فَرْسَخ , لَهَا أَرْبَعَة آلَاف بَاب مِنْ ذَهَب . 25717 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ يُقَال : خِيَامُهُمْ فِي الْجَنَّة مِنْ لُؤْلُؤ . 25718 -حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : الْخِيَام : الدُّرّ الْمُجَوَّف . 25719 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى قَالَ : ثني حَرَمِيّ بْن عُمَارَة , قَالَ : ثنا شُعْبَة قَالَ : أَخْبَرَنِي عُمَارَة , عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي قَوْل اللَّه : { حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : " دُرّ مُجَوَّف " . 25720 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول كَانَ ابْن مَسْعُود يُحَدِّث , عَنْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " هِيَ الدُّرّ الْمُجَوَّف " يَعْنِي الْخِيَام فِي قَوْله : { حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام }. 25721 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : فِي خِيَام اللُّؤْلُؤ .


إذا الآيات الثلاث لا تتوحد على معنى واحد ثابت أكيد، وإن كان التفسير الذي استراح له أغلب المسلمين (ربما لسبب ما في أنفسهم) هو أن الحور العين نساء بيضاوات واسعات العيون أو نساء شديدات بياض العيون شديدات سوادها، وإن كانت الآيات لم تبح بكل التفاصيل التي ذكرها الطبري في تفسيره للآيات الثلاث، مع الوضع في الاعتبار أنه هو نفسه (الطبري) قدم تفسيرين يجزم أنهما الأصح للحور العين، فهن نساء بيضاوات واسعات العيون وهم في نفس الوقت جماعة شديدة بياض العيوان شديدة سوادها. إذا ليس أكيدا هنا أن الحور العين نساء بيض شفافات باد مخ سوقهن من وراء ثيابهن ويرى المرء كبدهن من شدة رقة الجلد.
معنى كلمة سوق لمن لا يعرف في تاج العروس: سوق : الساقُ: ساقُ القَدَم، وهي من الإنْسانِ ما بينَ الكَعْبِ واَلركْبَةِ مُؤَنَّث.
والمخ كما في معجم محيط المحيط: نِقْيُ العظم ؛ وفي التهذيب : نِقْيُ عظام القصب ؛ وقال ابن دريد : المُخُّ ما أُخرج من عظم.
ملاحظة سريعة:
لا أدري إن كان من المثير والممتع جنسيا بالنسبة للرجل أن تكون المرأة شفافة يرى كبدها وأجهزتها الداخلية من شدة رقة جلدها، مع الوضع في الاعتبار الأمعاء الغليظة بكل ما تحمله من فضلات طعام تستعد للإخراج!

نلاحظ في الآيات السابقة، أن الحور العين هي من ضمن المزايا التي سيحصل عليها المؤمنين المتقين عندما يدخلون الجنة، وإذا اتبعنا القاعدة، التي تقول أنه عندما يتحدث الله إلى المؤمنين بصيغة جمع المذكر السالم، فإنه يكون بذلك متحدثا للنساء والرجال، فهل تسري نفس القاعدة هنا؟ وإذا كان يخص الرجال بالحديث هنا، فماذا للنساء في الجنة خاصة أننا لو لاحظنا في سورة الدخان تأتي الحور العين في السياق العام لوصف ما سيلقاه المؤمنون في الجنة وهي كالتالي:

بسم الله الرحمن الرحيم
إن المتقين في مقام أمين، في جنات وعيون، يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين، كذلك وزوجناهم بحور عين، يدعون فيها بكل فاكهة آمنين، لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم. صدق الله العظيم
وإذا تعاملنا مع الحور العين على أنها كما قال الطبري في واحد من تفسيراته انها جماعة حوراء ولم يحدد نوع الجماعة إذا كانت ذكورا أم إناثا، فهل يكون الحور العين جماعة حوراء من الذكور والإناث لكل المؤمنين من الذكور والإناث ايضا؟
بعض الفقهاء قالوا فيما يخص السؤال الخاص بماذا للنساء في الجنة إذا كانت الآيات السابقة موجهة فقط للرجال، أن من طبيعة النساء الحياء ولهذا فإن الله عز وجل لا يشوقهن للجنة بما يستحين منه، لأن شوق المرأة للرجال ليس كشوق الرجال للمرأة ولهذا فإن الله شوق الرجال بذكر نساء الجنة، أما المرأة فشوقها إلى الزينة من اللباس والحلي يفوق شوقها إلى الرجال لأنه مما جبلت عليه كما قال تعالى ( أو من ينشأ في الحلية) الزخرف 18.
وبالعودة للآية التي سبق ذكرها وتفسيرها اكتشفنا أن لا علاقة لها بما ستلقى النساء من نعيم في الجنة فالآية كاملة كالآتي:
بسم الله الرحمن الرحيم
أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ
صدق الله العظيم
وتفسيرها كما ورد في تفسير الطبري كالآتي:
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَوَمَنْ يَنْبُت فِي الْحِلْيَة وَيُزَيَّن بِهَا { وَهُوَ فِي الْخِصَام } يَقُول : وَهُوَ فِي مُخَاصَمَة مَنْ خَاصَمَهُ عِنْد الْخِصَام غَيْر مُبِين , وَمَنْ خَصَمَهُ بِبُرْهَانٍ وَحُجَّة , لِعَجْزِهِ وَضَعْفه , جَعَلْتُمُوهُ جُزْء اللَّه مِنْ خَلْقه وَزَعَمْتُمْ أَنَّهُ نَصِيبه مِنْهُمْ , وَفِي الْكَلَام مَتْرُوك اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ مَا ذَكَرَ مِنْهُ وَهُوَ مَا ذَكَرْت . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِذَلِكَ الْجَوَارِي وَالنِّسَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23804 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : يَعْنِي الْمَرْأَة . 23805 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَلْقَمَة , عَنْ مَرْثَد , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِي الْحَرِير وَالذَّهَب , وَقَرَأَ { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : يَعْنِي الْمَرْأَة . 23806 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : قَالَ ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : الْجَوَارِي جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا , كَيْفَ تَحْكُمُونَ . 23807 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : الْجَوَارِي يُسَفِّههُنَّ بِذَلِكَ , غَيْر مُبِين بِضَعْفِهِنَّ . 23808 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة } يَقُول : جَعَلُوا لَهُ الْبَنَات وَهُمْ إِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِهِنَّ ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم . قَالَ : وَأَمَّا قَوْله : { وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } يَقُول : قَلَّمَا تَتَكَلَّم امْرَأَة فَتُرِيد أَنْ تَتَكَلَّم بِحُجَّتِهَا إِلَّا تَكَلَّمَتْ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهَا . 23809 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : النِّسَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ أَوْثَانهمْ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُون اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23810 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة } . ... الْآيَة , قَالَ : هَذِهِ تَمَاثِيلهمْ الَّتِي يَضْرِبُونَهَا مِنْ فِضَّة وَذَهَب يَعْبُدُونَهَا هُمُ الَّذِينَ أَنْشَئُوهَا , ضَرَبُوهَا مِنْ تِلْكَ الْحِلْيَة , ثُمَّ عَبَدُوهَا { وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : لَا يَتَكَلَّم , وَقَرَأَ { فَإِذَا هُوَ خَصِيم مُبِين } 36 77 وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِذَلِكَ الْجَوَارِي وَالنِّسَاء , لِأَنَّ ذَلِكَ عَقِيب خَبَر اللَّه عَنْ إِضَافَة الْمُشْرِكِينَ إِلَيْهِ مَا يَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْبَنَات , وَقِلَّة مَعْرِفَتهمْ بِحَقِّهِ , وَتَحْلِيَتهمْ إِيَّاهُ مِنْ الصِّفَات وَالْبُخْل , وَهُوَ خَالِقهمْ وَمَالِكهمْ وَرَازِقهمْ , وَالْمُنْعِم عَلَيْهِمْ النِّعَم الَّتِي عَدَّدَهَا فِي أَوَّل هَذِهِ السُّورَة مَا لَا يَرْضَوْنَهُ لِأَنْفُسِهِمْ , فَاتِّبَاع ذَلِكَ مِنَ الْكَلَام مَا كَانَ نَظِيرًا لَهُ أَشْبَه وَأَوْلَى مِنْ اتِّبَاعه مَا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْمَكِّيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ " أَوَمَنْ يَنْشَأ " بِفَتْحِ الْيَاء وَالتَّخْفِيف مِنْ نَشَأَ يَنْشَأ , وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة { يُنَشَّأ } بِضَمِّ الْيَاء وَتَشْدِيد الشِّين مِنْ نَشَّأْته فَهُوَ يُنَشَّأ. وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمَنْشَأ مِنَ الْإِنْشَاء نَاشِئ , وَالنَّاشِئ مُنَشَّأ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه " أَوَمَنْ لَا يُنَشَّأ إِلَّا فِي الْحِلْيَة " , وَفِي " مَنْ " وُجُوه مِنْ الْإِعْرَاب الرَّفْع عَلَى الِاسْتِئْنَاف وَالنَّصْب عَلَى إِضْمَار يَجْعَلُونَ كَأَنَّهُ قِيلَ : أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة يَجْعَلُونَ بَنَات اللَّه , وَقَدْ يَجُوز النَّصْب فِيهِ أَيْضًا عَلَى الرَّدّ عَلَى قَوْله : أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُق بَنَات أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة , فَيَرُدّ " مَنْ " عَلَى الْبَنَات , وَالْخَفْض عَلَى الرَّدّ عَلَى " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا } .
فأين مما سبق أي ذكر للنعيم الذي ستلقاه المرأة في الجنة؟ ومع احترامي للفقهاء أصحاب هذا الرأي، فإن القرآن لم يقصر عشق الحلي والذهب على النساء، بل إن الرجال أيضا يشتهونها كما قال تعالى في الآية الكريمة رقم 14 من سورة عمران:
بسم الله الرحمن الرحيم
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّة وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
صدق الله العظيم
ولا أعتقد أن هناك آية في القرآن تفصل لعشق المرأة للحلي والذهب والفضة، كما تفصل هذه الآية لعشق الرجال لها.
إذاً لو كانت الحور العين تعني النساء البيضاوات واسعات العيون، ولو كانت آيات وصف متع الجنة بما فيها من سندس وإستبرق مقصود بها الرجال فقط دونا عن النساء، فماذا للنساء في الجنة؟ ولو كان لنا الحلي والذهب والفضة؟ فهل تعتقدون أنه سيكون لمثل هذه الأشياء قيمة في الجنة؟ هل سنحتاجها كنساء؟ وما الذي سنفعله بها في الجنة حيث لا قيمة حقيقية لها هناك؟


الحور العين في الحديث الشريف
عندما بدأت مشواري البحثي عن الأحاديث التي ورد فيها ذكر الحور العين، وجدت منها الكثير، لكنني فضلت أن أتعامل مع الأحاديث الأكثر شهرة في هذا المضمار. دعونا نبدأ رحلتنا مع هذه الأحاديث لنرى :
الحديث الأول:
حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن النعمان بن أبي العياش عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة ومثل له شجرة ذات ظل فقال أي رب قدمني إلى هذه الشجرة فأكون في ظلها فقال الله هل عسيت إن فعلت أن تسألني غيرها قال لا وعزتك فقدمه الله إليها ومثل له شجرة ذات ظل وثمر فقال أي رب قدمني إلى هذه الشجرة أكون في ظلها وآكل من ثمرها فقال الله هل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسألني غيره فيقول لا وعزتك فيقدمه الله إليها فتمثل له شجرة أخرى ذات ظل وثمر وماء فيقول أي رب قدمني إلى هذه الشجرة أكون في ظلها وآكل من ثمرها وأشرب من مائها فيقول له هل عسيت إن فعلت أن تسألني غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غيره فيقدمه الله فيبرز له باب الجنة فيقول أي رب قدمني إلى باب الجنة فأكون تحت نجاف الجنة وأنظر إلى أهلها فيقدمه الله إليها فيرى أهل الجنة وما فيها فيقول أي رب أدخلني الجنة فيدخله الله الجنة قال فإذا دخل الجنة قال هذا لي قال فيقول الله عز وجل له تمن فيتمنى ويذكره الله سل من كذا وكذا حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله عز وجل هو لك وعشرة أمثاله قال ثم يدخل الجنة يدخل عليه زوجتاه من الحور العين فيقولان له الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك فيقول ما أعطى أحد مثل ما أعطيت قال وأدنى أهل النار عذابا ينعل بنعلين يغلي دماغه من حرارة نعليه.
• من الحديث السابق نلاحظ أن عدد الزوجات في الجنة من الحور العين اثنين (2) .
الحديث الثاني:
حدثنا ابن السرح حدثنا ابن وهب عن سعيد يعني ابن أبي أيوب عن أبي مرحوم عن سهل بن معاذ عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله عز وجل على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره الله من الحور العين ما شاء.
• نلاحظ في هذا الحديث أن عدد الحور العين غير محدد (يختار ما يشاء)، ما يناقض الحديث السالف ذكره.

الحديث الثالث:
حدثنا يزيد أخبرنا هشام عن محمد عن أبي هريرة قال:
كنا عنده فإما تفاخروا وإما تذاكروا فقال الرجال في الجنة أكثر من النساء فقال أبو هريرة أولم يقل أبو القاسم صلى الله عليه وسلم إن أول زمرة من أمتي تدخل الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر والثانية على أضوإ كوكب دري في السماء لكل رجل منهم زوجان من الحور العين يرى مخ سوقيها من وراء الحلل والذي نفس محمد بيده ما فيها من أعزب.
نلاحظ الآتي في الحديث السابق:
• تأكيد عدد الحور العين باثنين لكل رجل، كما تتساوى هنا أول وثاني زمرة من المؤمنين الداخلين الجنة بأدنى الرجال مرتبة في الجنة – لاحظ الحديث الأول.
• يحتوي الحديث على تفرقة غير مبررة وتكاد تصل إلى حد العنصرية ضد المرأة حيث قال إن الرجال في الجنة أكثر من النساء ولم يقل لماذا؟
• النساء قليلات في الجنة يقابلهم حور عين للرجال .... أي عدل هذا؟
• الجنة لا يوجد بها أعزب ولا ذكر لأي وسيلة ترغب النساء في الجنة.
الحديث الرابع:
حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن حدثنا نعيم بن حماد حدثنا بقية بن الوليد عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معدي كرب قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للشهيد عند الله ست خصال يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ويشفع في سبعين من أقاربه.
قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب
نلاحظ في هذا الحديث التالي:
• الشهيد له اثنين وسبعين من الحور العين وليس اثنتين فقط.
• ما تم ذكره في الحديث من خصال ست يمنحها الله للشهيد، قاصرة على الشهيد من الرجال، فماذا للشهيدة الأنثى؟ لماذا لم يأت على ذكرها الرسول رغم أن أول شهيد في الإسلام كان امرأة وهي سمية بنت الخياط أم عمار بن ياسر.
الحديث الخامس:
حدثنا محمد بن فضيل عن عمارة عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد ضوء كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يتمخطون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم في طول ستين ذراعاً.
نلاحظ في الحديث التالي:
• يتجاهل الحديث المرأة تماما باعتبارها جزء من المجتمع الإسلامي، فلا هي مذكورة مع أول زمرة ولا مع الذين يلونهم، ثم إن وصف ما سيتمتع به هؤلاء في الجنة ويحصلون عليه، قاصر على الرجال – أمشاطهم ذهب ورشحهم المسك و مجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين - فأين مكانة النساء في الجنة؟ لماذا لم يتحدث الرسول عن النعيم الذي سيلقونه في الجنة؟ أم أن مكانة المرأة المسلمة مهما فعلت ستكون متدنية في الجنة كأن تكون في الزمرة الثالثة أو الرابعة ...الخ.
• من المعروف أن الإسلام أعطى للمرأة حقوقها وساواها بالرجل في كل الأمور وكما ذكرت في الفصل الأول " قرن في بيوتكن" وصلت المرأة لمنزلة المحاربة والزاهدة والعالمة فماذا بعد كي تكون من المنتمين للزمرة الأولى، وإن كانت النساء ضمنيا مع الزمرة الأولى فهل سيكون جزائهن حور عين أيضا ... أم رجال عين؟
الحديث السادس:
حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك حدثنا إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن معاذ بن جبل قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تؤذي امرأة زوجها إلا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله فإنما هو عندك دخيل أوشك أن يفارقك إلينا.
نلاحظ في الحديث التالي:
نلاحظ أن الزوجة من الحور العين تدعو على الزوجة الأرضية التي آذت زوجها... فمن يدعو على الزوج الذي يؤذي زوجته وهم كثر وربما أكثر، حيث معاناة المرأة وفقا للأبحاث الاجتماعية على مستوى العالم كثيرة، خاصة فيما يتعلق بقضايا ضرب الزوجات وقتلهن وحرقهن...فمن هنا وفقا للوضع الاجتماعي السيئ الذي نعيشه يستحق الدعاء عليه؟ من لنا نحن النساء في الجنة حتى يدعو على أزواجنا الذين يسيئون إلينا؟ أم أن المرأة المسلمة قد تخلى الله عنها؟
الحديث السابع:
حدثنا هناد وأحمد بن منيع قالا حدثنا أبو معاوية قال حدثنا عبد الرحمن بن إسحق عن النعمان بن سعد عن علي قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الجنة لمجتمعا للحور العين يرفعن بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها قال يقلن نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الناعمات فلا نبؤس ونحن الراضيات فلا نسخط طوبى لمن كان لنا وكنا له، وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وأنس قال أبو عيسى حديث علي حديث غريب.
نلاحظ في الحديث ما يلي:
• الحديث أنكره كل من أبي هريرة وأبي سعد وأنس.
• يحتوي وصف الحور العين هنا على شئ من الاستفزاز، حيث أنهن ناعمات لا يبأسن بينما نحن على الأرض نبأس وهن راضيات لا يسخطن أما نحن فنسخط ونرفض ونثور ونطالب بحقوقنا...فهل هذا المنطق الذي يتعامل به الإسلام؟ أن تتحول المرأة إلى جسد ناعم دائما وتضع قفلا على فمها فلا تنطق أبدا وترضى بكل شئ حتى ( ضرب الأحذية).
• إن كان للحور العين مجتمعا في الجنة، وبالمقابل رجال الأرض يتزوجوهن في الآخرة، فأين مكاننا نحن...لا يوجد للمرأة المسلمة مجتمعا في الجنة ولا يوجد لها أزواج أو على أقل تقدير زوج واحد؟
الحديث الثامن:
حدثنا سويد أخبرنا عبد الله أخبرنا رشدين بن سعد حدثني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية إلى صنعاء.
ووفقا لشرح الحديث كما هو وارد في سنن الترمذي في صفة أهل الجنة فإن المقصود بالزوجة هنا الحور العين، أي غير ماله من نساء الدنيا.
ونلاحظ في الحديث ما يلي:
• يظهر التناقض هنا بين هذا الحديث وما سبقه من أحاديث، حيث 72 زوجة لمن هم أدنى مرتبة من الجنة، بينما سبق من أحاديث يؤكد أن من هم في أول زمرة يحصلون على اثنتين فقط... فأين الحقيقة؟ وكيف تتناقض أقوال الرسول مع بعضها؟
• ما الفرق هنا في هذا الحديث بين الرجل العادي الذي يدخل الجنة والشهيد؟ حيث أنه في حديث سابق قيل أن الشهيد هو الذي يختص باثنين وسبعين زوجة من الحور العين.

الحديث التاسع:
حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا يونس عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل من أهل الجنة زوجتان من حور العين على كل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب.
في هذا الحديث نقع في الحيرة مرة أخرى، فهل عدد الزوجات من الحور العين اثنتين وكل واحدة لديها سبعين حلة؟ أم أن عددهن اثنين وسبعين ولا ذكر للحلل؟ .. أين الحقيقة تحديدا في كل هذه الأحاديث، التي من المفترض أنها جميعا قيلت بوساطة شخص واحد، منزه عن مثل تلك التناقضات حيث أنه يحمل كلمة الله التي يتم تنزيلها عليه بواسطة الوحي.
الحديث العاشر:
حدثنا هشام بن خالد الأزرق أبو مروان الدمشقي حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن خالد بن معدان عن أبي إمامة قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من أحد يدخله الله الجنة إلا زوجه الله عز وجل ثنتين وسبعين زوجة ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار ما منهن واحدة إلا ولها قبل شهي وله ذكر لا ينثني
قال هشام بن خالد من ميراثه من أهل النار يعني رجالا دخلوا النار فورث أهل الجنة نساءهم كما ورثت امرأة فرعون.
أما في معنى قوله ( وله ذكر لا ينثني) وفقا لسنن بن ماجة : كناية عن وفور قوة القيام .
ونلاحظ في الحديث ما يلي:
• هذا الحديث جد غريب وعن نفسي أستبعد تماما أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد قاله في أي يوم من الأيام، لكن للأسف الحديث مذكور في سنن ابن ماجة في فصل الزهد! ومن صفات أهل الجنة! ولا يوجد حوله أي تشكيك وبالتالي أتمنى أن يقوم رجال ديننا الحنيف الغيورين على الإسلام بدراسته وشرحه شرحا ينزهه مما اعتور به.
• الحديث يحمل روحا لا علاقة لها بروح الإسلام وهدفه الأصيل ألا وهو الحرية لكل البشر بمختلف أجناسهم وطبقاتهم وأعراقهم، فنحن نجد أن المرأة تورث كالمتاع في الجنة، حيث الرجل الذي يدخل الجنة يرث الرجل الذي دخل النار في زوجته وهو أمر مرفوض تماما بالنسبة للمرأة التي ارتضت الإسلام دينا كي ينتشلها من الجاهلية التي كانت تبيعها وتورثها وتتعامل معها على أنها مجرد سقط متاع، فمن غير المعقول أن يكون مآل المسلمة الصالحة التي تدخل الجنة في النهاية، أن تكون ضمن سبعين امرأة يتم توريثهن لرجل من رجال الجنة. وأي متعة في أن تكون المرأة واحدة ضمن سبعين امرأة واثنين من الحور العين لرجل واحد مهما بلغت قوته الجنسية كما هو وارد في الحديث.
• نلاحظ أن الحديث هنا يحاول تفسير التضارب بين الأحاديث التي تؤكد نصيب الرجل بزوجتين اثنتين من الحور العين، والأحاديث التي تؤكد أن عددهن يصل إلى اثنتين وسبعين زوجة، فنجده يقول أن اثنين من الحور العين وسبعين امرأة أرضية يرثها الرجل من الرجال الذين دخلوا النار.
• الشيء المقزز أيضا الوصف الخاص بالقبل الشهي ( العضو الأنثوي) والذكر الذي لا ينثني لدى الرجل ما يجعل الأمر أشبه بالأساطير الجنسية الخاصة بأفلام البورونو.
• الشيء المثير للجدل أيضا هو أننا نعرف جميعا كمسلمين حقيقة يتم الترويج لها بيننا من قبل مشايخ الجوامع ورجال الدين بشكل عام، أن من يموت على الإسلام بشهادة الشهادتين قبل وفاته، فهو في الجنة لا محالة، حتى لو دخل النار للتكفير عن أخطائه فهو في الجنة في النهاية، والسؤال ما الذي سيفعله هؤلاء الرجال القادمون من النار إلى الجنة بعد أن يكون قد تم توزيع زوجاتهم؟.
• الغريب في هذا الحديث أيضا أنه يتناقض مع الحديث الذي يقول أن أغلب أهل النار من النساء، فإذا قمنا بحسبة بسيطة، سنجد أنه عندما يأخذ رجل واحد من رجال الجنة سبعين زوجة دخلت الجنة من سبعين رجلا دخل النار، فسنكتشف أنه في مقابل كل رجل يدخل الجنة هناك سبعين امرأة تدخل الجنة، إذا النساء أكثر من الرجال في الجنة بما ينفي الحديث السابق. .... حتى لو سلمنا بأن الرجل الواحد يتزوج أربع نساء، وبالتالي كل رجل في النار له أربع زوجات دخلن الجنة، سنكتشف بحسبة بسيطة أيضا أن في مقابل كل رجل في الجنة هناك 17.30 امرأة في الجنة.
الحديث الحادي عشر:
حدثنا عبد الله حدثني أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجنة سوقا ما فيها بيع ولا شراء إلا الصور من النساء والرجال فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها وإن فيها لمجمع للحور العين يرفعن أصواتا لم ير الخلائق مثلها يقلن نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الراضيات فلا نسخط ونحن الناعمات فلا نبؤس فطوبى لمن كان لنا وكنا له.
• نلاحظ في هذا الحديث تصوير يحمل شهوات خيالية تداعب المخيلة، وأشبه بأفلام الخيال العلمي حيث إذا اشتهى رجل صورة دخل فيها وعاش خيالاته...هل من المعقول أو المصدق أن يكون رسول الله قد قال هذا الكلام؟
الملاحظ على الأحاديث السابقة، خاصة تلك التي تصف الأعضاء الجنسية للذكر والأنثى، وكيف سيكون قبل المرأة شهي وعضو الرجل موفور وما إلى ذلك من الأوصاف التي لو أتى على ذكر مثلها أو ما يشابهها أديب من الأدباء الآن، لرماه دعاة ديننا الحنيف وحماة القيم والأخلاق في المجتمع، بالفسق والفجور والخروج على آداب ديننا الحنيف..... لذلك أتساءل إن كان دعاتنا الصالحين ومشايخنا حماة الدين، قد قرأوا مثل هذه الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، وحاولوا ولو مجرد محاولة أن يبحثوها ويبحثوا في صحة نسبها للرسول. وإن كانت قد مرت عليهم ومتأكدين من صحتها، فلماذا يضيقوا الخناق على الأدباء والمبدعين المساكين، الذين يكونون في تلك الحالة لا يفعلون أكثر من اتباع سنة نبيهم الذي هو قدوة لهم في الوصف والقدرة على التعبير.
ردود سريعة على ماقاله " ابن العثيمين" فيما يخص الحور العين
قال الشيخ العثيمين: إنما ذكر – أي الله عز وجل – الزوجات للأزواج لأن الزوج هو الطالب وهو الراغب في المرأة، فلذلك ذكرت الزوجات للرجال في الجنة وسكت عن الأزواج للنساء ولكن ليس مقتضى ذلك أنه ليس لهن أزواج ...... بل لهن أزواج من بني آدم.
وردي الوحيد على ما قاله الشيخ العثيمين، ان السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، هي التي طلبت الرسول عليه الصلاة والسلام للزواج، فكانت بذلك هي الطالبة والراغبة، أي ان حصر الطلب والرغبة على الرجل، عادة وتقليد إجتماعي وليس غريزة أو أمر ديني إلزامي، وعلى مدار التاريخ كانت هناك نساء طالبات وراغبات في الرجال، وطلبوهم للزواج مثل شجرة الدر التي طلبت عز الدين أيبك للزواج مثلا وغيرها كثيرات.
الأمر الآخر هو من الذي قرر أن أزواجنا في الجنة من بني آدم؟ لا يوجد نص قرآني على ذلك، بالإضافة إلى أنه لو كان الأمر كذلك، فإنه سيكون تفرقة في الجزاء بالإثابة في الجنة، فلماذا يفوز الرجل بنساء غير أرضيات، شفافات، يحار فيهن الطرف، لا يتزمرن، لا يبأسن ......إلخ، ولا يكون جزاؤنا نحن النساء غير رجال أرضيين شبعنا وربما نكون قد وصلنا إلى حد الضجر منهم، فأين الإثابة هنا بشئ من الأرض؟ في حين أن الوعد بالجنة يؤكد ان فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
ويفصل الشيخ العثيمين لوضع المرأة الاجتماعي في الحياة الدنيا وما يقابله من جزاء في الجنة، فالمرأة التي لم تتزوج والتي ترملت ولم تتزوج بعد زوجها والمطلقة التي لم تتزوج أيضا والتي لم يدخل زوجها الجنة يزوجها الله تعالى بما يقر بها عينها.... ووفقا للأحاديث السابقة فستكون ضمن جيش جرار من النساء سبعين امرأة أرضية و اثنين من الحور العين....أي بكل بساطة ستعاني من فريق ضرائر بدل أربعة فقط في الأرض.
أما المراة التي ماتت وهي متزوجة فهي في الجنة لزوجها الذي ماتت عنه – الكلام للشيخ العثيمين- وهنا أتساءل وماذا عن الملايين من النساء للائي اضطررن للحاجة أو العوز أو قلة الحيلة على مدار التاريخ أن يبقين على ذمة أزواجهن وهن يعشن الذل والمهانة والعذاب ولا يحملن في صدورهن سوى الكره لهذا الزوج ومكرهات على العيش معه؟ هل يكون جزاء صبرهن على البلاء في الدنيا أن يكن مع نفس الأزواج في الجنة؟
أما المرأة التي مات عنها زوجها وتزوجت بعده فهي لآخر أزواجها في الجنة – الكلام للشيخ العثيمين – وأتساءل، ماذا لو كان آخر أزواجها هو أسوأهم؟ هل من العدل أن يكون زوجها في الجنة؟
إن كانت المرأة متعة للرجل، فالرجل أيضا متعة للمرأة، لا تفرقة في ذلك ولا توجد تفرقة بيولوجية بين حجم رغبات الرجل والمرأة على المستوى الجنسي، فالأصل في الأشياء هو تجاذب كل من الجنسين لبعضهما البعض، وهذه هي الفطرة التي جبلنا عليها، لكن للأسف يتم التدخل في هذه الفطرة بتحويرها وتحويلها وتبديلها، ونجد أنفسنا محاطين بكم من القيم التي تدعي أن المرأة خلقت بلا شهوة ولا رغبة في الرجال، وأن شهوتها موجهة للذهب ولفضة والماس، متجاهلين تماما أن أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية من الفقراء والفقيرات الذين لا يعرفون ما هو الذهب لكنهم يعرفون تماما ما هو الجنس والرغبة الجنسية، فكيف يتم استبدال متعة مجانية غير مكلفة بمتعة صعب الحصول عليها على الأرض؟ أعلم تماما أنه سيرد علي قائل، بأن الفقيرة ستثاب بالذهب الذي لا تعرفه في الأرض، وسأقول له، إذا لماذا لا يثاب الرجل بشئ حرم منه في الأرض أيضا، وهو الذي خبر متعة الجنس وعرفها، فلماذا لا يكون الذهب أيضا هو المقابل؟
إن هذا الأمر في رأيي، أمر شائك ومن الصعب حسمه، وبالتالي نرجو أن لا يتم إقحام الدين – ديننا الحنيف – في مثل تلك الصغائر، لأننا لو نظرنا إلى متع الجنة التي يتم تعديدها في القرآن سنجد أنها في عصرنا هذا لم تعد بعيدة ومتوفرة، بل إن بعضها لم يعد متعا تناسب رغباتنا العصرية، لذا فلنكتفي بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولنبتغي مرضاة الله، حبا في الله لا طمعا فيما لديه.