الأربعاء، 31 مارس، 2010

هو مش النهاردة الاستفتاء؟ - لنتذكر استفتاء تعديل الدستور في 2005

في دولة الإمارات العربية المتحدة تتنوع طبائع المصريين الذين قدموا للعمل هنا، فمازال هناك النموذج الذي حضر بغية التقطير على نفسه من أجل توفير نقود يحقق بها أحلامه في مصر مثل الزواج وتأسيس منزل وشراء سيارة، وما إلى ذلك من المتطلبات الحياتية التي من المفترض أن لا يهاجر من أجلها الانسان ويترك وطنه، لكن واقع أمر بلدنا يفرض عليه ذلك। وهناك من حضر هربا من مصر لأي سبب من الأسباب، وهذه النوعية من المصريين تعيش حياتها بشكل طبيعي ولا تفكر في التوفير لأنها من الأساس لا تفكر في العودة ولا تحتمل فكرة أن تعود। والحقيقة أن الأسباب تتباين لدى كل واحد منهم حيث لم يفروا من مصر لنفس السبب، فمنهم من لديه أسباب خاصة ومنهم من لديه أسباب عامة. المهم أن جميع المصريين في الإما رات من الطبيعي أنهم يتبعون السفارة المصرية والتي من المفترض أنها ترعى مصالحنا داخل دولة الإمارات، لكن الحقيقة هي أننا جميعا وبلا استثناء لا نعلم شيئا عن السفارة، ومن زارنا منها فقد زارها إما لتجديد جواز السفر أو إضافة الأبناء المولودين حديثا أو لعمل توكيل لأحد الأهل في مصر، وكل هذه الإجراءات نقوم بها ونحن متأففين حيث تواجهنا بيروقراطية الإدارة المصرية التي نسيناها في جنة دبي، التي تتم فيها الإجراءات الحكومية بالبريد الاليكتروني والتليفون ولا تضطر للوقوف دقيقة أمام شباك موظف لإنهاء إجراء إداري واحد، بدءا من دفع فاتورة الكهرباء وحتى تجديد الإقامة. كذلك تواجهنا السفارة بكم النقود المطلوبة منا نظير الإجراء الرسمي الواحد، حيث أنك مثلا لو قمت بعمل توكيل رسمي لأحد أقاربك في مصر تدفع نظيره مبلغا مضاعفا أربع مرات على الأقل عن الذي تدفعه نظير نفس الخدمة على أرض مصر نفسها...ومع ذلك لم يعترض أي منا لأننا نفهم الفكرة التي قامت عليها تحديد هذه المبالغ وهي أننا نعمل في الخليج ويمتلك كل واحد منا بئر بترول يحمله على أكتافه أينما ذهب.
في الحقيقة كل ما سبق كان تمهيدا لما سوف أقصه الآن، فأنا والحمد لله أنتمي للفئة الثانية من المصريين، أي فئة الهاربين من مصر، وللتوضيح أنا وكل الفئة التي أنتمي إليها لم نهرب لأسباب أمنية أو سياسية وإنما لأسباب لا مجال لسردها الآن....هذه الفئة أيضا والتي تتكون من خيرة الشباب المصري المتعلم جيدا والمثقف، غالبا ما تعيش في حسرة دائمة لأنها لا تساهم في بناء بلدها وأنها اضطرت عندما أصبحت جاهزة للعطاء أن تهاجر لأنها لم تجد أمامها سوى خيار من اثنين إما أن تبيع نفسها وضميرها أو تهاجر، فقررت الهجرة. وعندما يتجمع بعض من هذه الفئة يتناقشون معظم الوقت في أحوال مصر والأحداث التي تجري فيها. منذ شهر تقريبا عندما بدأت وقائع التعديل الدستوري العظيم (المادة 76) ازدادت حمى المناقشات والمتابعة اليومية لما يحدث في مصر من صراع بين المعارضة وحركة كفاية وبين الحكومة الممثلة في هيئاتها وحزبها الوطني، وقررت شلة من الأصدقاء التابعين لتلك الفئة أن يكون لهم دورا ما أيا كان شكله ...بعد مناقشات مطولة عن الذي يمكن أن نفعله، ذكر لنا صديق يعمل محاميا أن الدستور يكفل للمصريين الذي يعيشون في الخارج أن يشاركوا في أي نوع من الاقتراع سواء كان إنتخابات أو استفتاءات، ففرحنا جميعا وقررنا الذهاب للسفارة والسؤال عن الأمر، وتطوع واحد من الأصدقاء أن يذهب للسؤال ....بالطبع ضل الطريق للسفارة كثيرا حتى وصل إليها في النهاية(عذرا فغالبنا لا يعرف أين تقع السفارة ولا ما هو اسم السفير) ..دخل صديقنا وهو يعمل مديرا لقسم تكنولوجيا المعلومات بأحد الشركات هنا في الإمارات، وتوجه نحو أحد الموظفين الجالسين وراء القضبان الحديدي بينما تطرق إلى أذنه حديثا جانبيا بين اثنين من موظفات السفارة (لا ما هو لو ما دفعش المهر اللي احنا عاوزينه لا يمكن نديه بنتنا) ضحك محبطا وقال( يا الله حتى هنا) ثم أكمل مسيرته نحو الموظف المحبوس كفأر وراء القضبان الحديدية وسأله:

هيه الطريقة اللي بيتم بيها الانتخاب هنا في السفارة إزاي؟

ينظر الموظف إلى الفراغ وعينيه زائغتان في ملكوت الله ثم يجيب بتعجب واندهاش: انتخاب ؟.... انتخاب ايه يا استاذ؟

الصديق: انتخابات ترشيح رئيس الجمهورية؟

الموظف: انتخاب رئيس جمهورية؟ رئيس جمهورية ايه؟

الصديق: رئيس جمهورية مصر

الموظف: ما حسني مبارك هو الريس يا ابني ...انتخاب ايه بقى؟

الصديق: الله انت ما سمعتش عن تعديل المادة 76

الموظف: 76 ايه يا ابني بس ...انت عايز ايه بالظبط؟

الصديق: ابدا باسأل هو احنا المصريين في الإمارات مش لينا حق نشارك في الانتخابات من خلال السفارة؟

الموظف: لا يا حبيبي مفيش حاجة زي كدة في الدنيا كلها.

عاد صديقنا متشككا من المعلومة التي ساقها الينا صديقنا المحامي فاتصل به وسأله إن كان متأكدا من المعلومة، فأكد له المحامي أنها معلومة صحيحة مائة في المائة وأن هذا القانون موجود في كل بلاد العالم وأن معظم رعايا الدول الأوربية والآسيوية في الإمارات تمارس حقها الدستوري في الانتخاب من خلال سفاراتها، ثم ضحك المحامي وقال ( أنا كنت متأكد إنهم هيقولولك كدة).

بالطبع بعدما سرد علينا صديقنا وقائع ما حدث له في السفارة المصرية الغراء شعرنا بالضيق لكننا في نفس الوقت غرقنا في ضحك هستيري لما سمعناه من حوار دار بينه وبين الموظف وما سمعه من حوار جانبي بين الموظفتين.....مرت الأيام ووقعت أحداث الصراع العنيف بين الحكومة والمعارضة حول الاستفتاء على التعديل الدستوري. كنا نعيش وقائع هذا الصراع لحظة بلحظة عبر الإنترنت والقنوات الإخبارية الفضائية والمقالات المنشورة في الجرائد وبداخلنا رغبة عميقة في المشاركة بأي شكل من الأشكال في هذا الاستفتاء إما بإعلان المقاطعة له أو المشاركة فيه بنعم أو لا، لكننا كنا عاجزين ولم نجد أي شئ لنفعله غير الجلوس تاركين صدورونا تغلي من وطأة الإحساس بالعجز أمام رغبتنا المحمومة في المشاركة في تغيير شيئا ما في بلدنا فنحن رغم هروبنا منها نذوب عشقا لها، الحقيقة كلنا تصرف بطريقته فأنا مثلا أخذت أتصل بأصدقائي المشاركين في المقاطعة وحاولت بقدر الإمكان الشد من أزرهم، أما صديقنا مدير تكنولوجيا المعلومات فقرر أن يعيد المحاولة مرة أخرى مع السفارة، فاتصل بها وبعد فترة طويلة من رنين التليفون أجابه صوت ناعس متململ، فسأله بطرافته المعهودة حيث أن صديقنا هذا يتصف بخفة دم رائعة :

ها .... نيجي امتى؟

الموظف: تيجوا ؟...انتم مين اللي تيجوا؟

الصديق: احنا يا جدع..المصريين

الموظف: وتيجوا ليه؟

الصديق: الله مش انهاردة الاستفتاء

الموظف: استفتاء ايه؟

الصديق : الاستفتاء على تعديل المادة 76

الموظف: 67 ايه يا ابني و85 ايه انت بتقول ايه ؟

الصديق: الله مش مفروض ان من حقنا اننا نقول راينا في الاستفتاء؟

ويبدو أن الموظف وقع في حيرة شديدة فقال لصديقنا : طيب استنى كدة أما أسال

وسمع صديقنا الموظف وهو يقول: يا محمد هو فيه استفتاء انهاردة

فجاء صوت المدعو محمد من بعيد وقال له: استفتاء ايه يا عم انت... انت بتخرف؟

الموظف: يعني مفيش حاجة بالشكل ده

محمد: لا طبعا

فعاد الموظف إلى صديقنا وقال له: لا واللهي ماعندناش حاجة بالشكل ده

الصديق: يعني مفيش منه خالص في اي حتة؟

الموظف : لا واللهي يا حبيبي مفيش.

الصديق: طيب أسال في سفارة تانية بقى

الموظف: أنا باقول كدة برضه ..شوف وربنا يوفقك.

وهكذا انتهت تجربة صديقنا الديمقراطية مع السفارة المصرية، حيث ظل يضحك ويبكي في آن واحد منذ يوم خمسة وعشرين مايو الأسود وحتى الآن، ولم نعد نعرف ماذا نفعل له كي يعود لحالته الطبيعية، خاصة وأنه أصبح مقيما في البار ليشرب حتى ينسى، والمصيبة أنه لم ينس حتى الآن، ولم نعد نعرف ما الذي يمكن فعله له حتى يعود لبيته وأبنائه وعمله .

فهل من حل لإنقاذ صديقنا الذي هرب من مصر حتى لا يجن، فجاءت وراؤه هنا لتصيبه بالجنون؟


حي على الجهاد يا ستات

هذه هي الجملة التي ارتطمت برأسي فور وصول خبر رفض 89% من قضاة مجلس الدولة تعيين المرأة في القضاء الإداري، لأنه وبكل بساطة لن تستطيع المرأة اقتحام هذه القلعة الذكورية إلا بعد كفاح وجهاد طويلين تسيل فيه الدماء وترتفع خلاله صيحات الهزيمة والنصر في المعارك التي يجب أن تتوالى ربما لعقود قادمة.
أقول ذلك أيضاً لأنني مؤمنة تماماً بأننا الآن نعيش عصراً يجب أن تتحرك فيه المرأة بنفسها لكي تنال حقوقها ووضعها ومكانتها في المجتمع ويتم التعامل معها بمساواة حقيقية بعيداً عن زيف الطبل والزمر وشعارات ذر الرماد في العيون التي نحمي بها مصر المحروسة من عين الحسود الغربي. ومن الآخر كما اعتاد شعبنا أن يلخص مآسيه، إن كانت المرأة تستحق أن تقتحم مجال القضاء بقوة وتثبت فيه أقدامها فلن يأتي ذلك منحة من الذكور المنتفخين في ستراتهم الرمادية والسوداء والبنية وكافة الألوان الكابية الكئيبة، بل سيأتي غلاباً بعد معارك طويلة ودامية مكللة بالأحمر الزاهي.
بعد الخطبة العصماء السابقة، دعونا نعود لنرد ربما للمرة المليون على إدعاءات الرجال مهيبي الشأن، والذين لا يجدون يا ولداه غيرها في كل مرة يحاربون فيها أي محاولة لتمكين المرأة في المجتمع بشكل مساوي للرجل، فلقد ذكر السيد عظيم الشأن رئيس الجمعية العمومية في بيانه أن تجربة تعيين المرأة في محاكم الأسرة لم تنجح، لذلك لم تقدم وزارة العدل على تكرارها وحذر في البيان مما أسماه " مخاطر تدرج النساء في المناصب القضائية على الورق رغم بعدهن عن ممارسة العمل القضائي لانشغالهن برعاية أزواجهن وأولادهن". يا لطيف!!!!!! مخاطر تدرج النساء في المناصب القضائية ؟؟؟؟ ومع ذلك ورغم هذا الكلام الرادع القوي الجامع المانع الذي ورد على لسان مهيب الركن، دعونا نتأمل قليلاً في هذا الكلام .... بناء على أي أساس صرح رئيس الجمعية العمومية بمثل هذا التصريح؟ هل هناك دراسة علمية رصدت جدية ممارسة المرأة لعملها كقاضية في محاكم الأسرة ؟ وإن كان الأمر كذلك، فلماذا لا يطلعنا مهيب الركن عليها؟. حتى لو كان كلامه حقيقياً، فهل يعني هذا أن جميع الرجال الذين ينخرطون في سلك القضاء يؤدون عملهم كما ينبغي بدون أي ملاحظات سلبية على أدائهم؟ ثم وهو الأهم ...ألا يتم اختيار الشخصيات التي يتم ترشيحها إلى التعيين في سلك القضاء بدقة وبناء على سجل مهني قوي ونشط ونزيه ومتميز؟ أم أن الأمر يتم بناء على قرعة مثل قرعة الحج أو سحب مثل سحب جوائز لبان بمبم الذي كنا نتابعه بشغف ونحن أطفال؟.

لماذا لا يتم التعامل مع المرأة بأسلوب بعيد عن المنح والمنع ونترك الباب مفتوحاً فإذا ما أثبتت امرأة ما كفاءتها في أي مجال سواء كان القضاء أو غيره، صعدت وترقت وبلغت أعلى المناصب، وإذا لم تستطع بقت في مكانها أو تم عزلها تماماً مثلما يتم التعامل مع الرجل. أنا شخصياً لا أطالب بأن نمنح امرأة ما منصباً لمجرد أنها امرأة ولكن إن كانت متميزة وكفوءة فلتترقى وتنال حقها بناء على عملها ومجهودها. الأمر الآخر هو حجة الزوج والأولاد وانشغال المرأة بهم، فحتى لو سلمنا بالأمر سأضطر أن أسأل سؤال ربما يكون ثقيلا على قلوب العظماء " وهل كل النساء متزوجات ومنجبات؟"، وسؤال آخر " متى تتطورون قليلاً مع العصر يا سادة وتدركون أن التكنولوجيا الحديثة وفرت وسائل مهمة جداً تساعد المرأة على أن لا يأخذ بيتها ورعايته منها الكثير من الوقت لتتفرغ بعد ذلك إلى عملها؟" وسؤال آخر " إلى متى سيظل الرجل في مجتمعنا يعيش كتنبل سلطان عظيم ويتعامل مع عمله في الخارج على أنه كل ما ترجوه البشرية منه، ومتى يفيق ويدرك أنه أيضاً عليه دور في المنزل ليقوم به تجاه زوجته وأبناؤه؟".
ونصل هنا إلى الكلام العنصري الغريب الذي ألقاه المستشار محمد الحسيني، رئيس المجلس، على مسامع المستشارين حيث قال: " أضمن لكم عدم تعيين المرأة في الدفعات المقبلة بمجلس الدولة، طالما أن الثقافة المجتمعية في مصر لم تكتمل ولم تتفق على تولي المرأة منصب القضاء، وأتعهد لكم بأن مجلس الدولة سيكون آخر هيئة قضائية تعين النساء". ما كل هذا الغل والحقد الذي ينبع من بين تلك الكلمات؟ هل يعاني سيادة المستشار من أزمة نفسية سببتها له امرأة مثلاً؟ أم أنه مدفوع بأفكار طائفية خاصة معادية للنساء؟ لقد جاء كلامه شديد العنصرية والمعاداه لجنس النساء في المجمل ولم يقتصر فقط على موضوع القضاء. الغريب أن كلامه جاء مغايراً للبيان الصحفي الذي أصدره من قبل وذكر فيه أنه قرر فتح باب تعيين المرأة بعد إخطار الجهات المعنية في الدولة، ما يجعلني أنجرف في تيار نظرية المؤامرة، خاصة بعد اهتمام الجرائد السعودية بتغطية هذا الحدث وفرد الصفحات له ومناقشة الموضوع في كافة وسائل إعلامها، متجهة نحو تكريس فكرة القوامة والدرجة التي للرجال علينا ومملكة المرأة العبثية وكونها درة وجوهرة مفقودة في عالم لا قيمة فيه للجواهر المكنونة في أي صندوق!
في النهاية أوجه تحية إكبار للدكتور البيومي محمد البيومي، نائب رئيس المجلس، الذي كافح في حوار مع طرشان لإثبات أحقية المرأة في تولي منصب القضاء وقام بتوزيع دراسة شرعية تقر تولي المرأة المناصب القضائية، والتي أتمنى أن يتم نشرها على أوسع نطاق، على الأقل لتوعية النساء أنفسهن حول قيمتهن ومكانتهن الحقيقية في الدين والحياة والمجتمع، خاصة وقد استطاعت كتائب السلفيين والوهابيين أن تتسلل إلى النساء أنفسهن وأصبحنا نرى نساءً تقف في صفوف الذكور وتدافع بشراسة عن قانون الذكر وهي لا تدري أنها بذلك تدق مسامير عدة في نعشها لتظل مدفونة بموت إكلينيكي إلى أن تأتي المعجزة أو لا تأتي.

كم أحببت الاسلام في تركيا

عندما اعتلى طيب رجب أردوغان سدة الحكم في تركيا، قلت على الدولة العلمانية هناك السلام وترحمت على قيم أتاتورك التي استطاعت أن تصنع من دولة 99% من سكانها مسلمين نموذجاً متميزا في العالم كله. لم أغير اعتقادي هذا رغم كل الأخبار التي أتابعها عن تركيا إلى أن حققت إحدى أهدافي السياحية وقمت بزيارتي الأولى إلى تلك الدولة والتي لن تكون الأخيرة إنشاء الله.
أمضيت أسبوعاً هناك متنقلة بين إسطنبول وبورصة وكابادوكيا، وفي الحقيقة لن أتحدث عن المناطق السياحية والتارخية والآثار المتبقية من كثير من الحضارات والثقافات التي مرت على تلك الدولة، بل سأتحدث عن الإسلام هناك.
تشبه اسطنبول إلى حد كبير القاهرة، وتحديداً شارع الأزهر والحسين ومنطقة وسط البلد والعتبة والموسكي ووكالة البلح، وإن كانوا أنظف منا وأكثر رقياً، لكنني بكيت أكثر من مرة وأن أمشي في منطقة "بيازيت" و "لالالي" و " أكسراي" فلقد كنت أتنسم رائحة القاهرة في تلك الشوارع وأرى وجوهنا في كل الوجوه التي تخطو حولي وأشعر بدفئ شوارعنا بينما لا يراودني أي إحساس بالغربة، فتلك المرأة القادمة من بعيد تشبه أمي وهذه السيدة التي تسير جواري متأنقة في بساطة بينما شعرها الناعم يداعب وجهها تشبه أختي، أما هذه القادمة من بعيد ترتدي حجاباً بسيطاً غير متكلف ولا تلون وجهها بالأصباغ فاقعة اللون تشبه ابنة خالي، وهذا الرجل الأصلع الذي أبدى استعدادا مرحباً بالتقاط صورة لي يشبه خالي ...كلهم من حولي يذكرونني بعائلتي، بينما مجموعات الأصدقاء على المقاهي تذكرني بأصدقائي في القاهرة حيث نجتمع على مقاهي وسط البلد لنتجادل ونتناقش وتعلو أصواتنا بصخب محبب..... إسطنبول ما أروعك فأنت برهان جديد على أن مصر احتوت الكون كله داخلها..... ولكن !
كل ما سبق يذكرني بالقاهرة في التسعينات أما القاهرة في ألفيتها الثانية تختلف كثيراً .. أعترف بأنني غادرت مصر في عام 2001، حيث تصدمني التغيرات السريعة كلما أعود إليها كل عام، فلقد ابتعدنا كثيراً عن صفاتنا الجميلة وأصبحنا مثلاً فجاً للجهامة والتعصب، بل والسفالة أيضاً. أما اسطنبول فهي مازالت بلداً اسلامية تعبر بقوة عن دينها السمح الهادئ الرهيف والذي يحب الجميع بلا تمييز، ففي الشارع تحيط بك النساء المحجبات والنساء العاديات، يسير جوارك الرجال الذين يرتدون الملابس الحديثة وهؤلاء الذين يتمسكون بملابسهم التقليدية حيث الطاقية والبنطال ذو الحجر الواسع والقميص الأبيض، الكل يسير متجاوراً بدون أن يعلق أحداً على الآخر بتعليق سخيف، ولا تتعرض النساء العاديات " بدون حجاب" لأي نوع من الاستهجان أو سماع التعليقات السخيفة بل وقليلة الحياء والأدب من المتنطعين الذين ينصبون من أنفسهم حماة للفضيلة في الشارع ولا يجدون ما يفعلونه سوى شم الكلة ومضايقة النساء!
في سوق "جراند بزار" أكبر أول سوق مغطى في العالم، والذي تم بناء سوق الحميدية في دمشق وسوق خان الخليلي في مصر على غراره، يحتشد البشر من جميع الجنسيات لشراء الأنتيكات التركية والأشغال اليدوية المميزة تماما مثلما يحدث في خان الخليلي ولكن الفرق الوحيد هو أن جميع الباعة يقفون على أبواب محلاتهم يرحبون بك سواء توقفت للشراء أم لم تتوقف، لا يمكن أن تسمع من أي منهم سوى مرحباً أو صباح الخير بينما يدعونك إلى زيارة متجرهم والتعرف على بضاعتهم. هذا ما كان يحدث في السابق لدينا بخان الخليلي لكن الآن تغير الوضع، فطبيعي جداً أن تسمع من أصحاب المحلات كلمات فاحشة بالعربية معتقدين أنكِ أجنبية طالما لا تغطين شعرك، ولا أدري لماذا لا يضعون في حسبانهم مثلاً مع ملامحك المصرية الصريحة أنك قد تكونين مسيحية، طبيعي أيضاً أن تبصرين إشارات بأصابعهم لا تعني سوى الفحش والقذارة، ظانين أن تلك الاشارات مصرية صرفة ولن تفهمها الأجنبيات.
إضافة إلى الجراند بزار هناك أيضاً الساحة التي تتوسط الجامع الأزرق "مسجد السلطان أحمد" و متحف آيا صوفيا الذي كان كنيسة وحولها العثمانيون إلى جامع ثم حولها أتاتورك إلى متحف، طبيعي جداً أن تجد أيقونات السيد المسيح والعذراء والصلبان تباع مجاورة صور المساجد ولوحات الآيات القرآنية، رغم أن نسبة المسيحيين في تركيا لا تتخطى 1%، وذلك في تناغم واضح لا يبعث داخلك سوى البهجة والشعور بالراحة والاحساس بالجمال يعم الأجواء من حولك. أما لدينا في مصر ورغم أن نسبة المسيحيين تصل إلى 10% وربما تزيد لا يمكن أن ترى تلك الأيقونات والصلبان تباع إلا أمام الكنيسة المعلقة وماري جرجس على استحياء شديد، إضافة إلى بعض المكتبات المسيحية النادرة في وسط البلد والتي تعرض بضاعتها بحذر وكأنها تبيع ممنوعات.
في جامع السلطان بيازيت والذي أعتقد أنه من الداخل أكثر جمالاً مقارنة بجامع السلطان أحمد، حيث عشقت الصلاة داخله، طبيعي أن ترى نساء عاديات "بدون حجاب" يحتشدن في منطقة الميضأة يتوضأن جوار الرجال، وربما يكون هذا ما دفعني إلى أن أسرع وأجلس على أحد المقاعد الرخامية التي تحيط بالميضأة وأشمر عن أكمامي وأنظر إلى السماء وأقول بعشق "بسم الله الرحمن الرحيم نويت الوضوء" وبالفعل توضأت يجاورني طفل وأبيه فنظرت إليهما وابتسمت قائلة "السلام عليكم ..أنا مسلمة من مصر"، فابتسم الوالد قائلاً " مرحباً بك في اسطنبول" ...دخلت إلى المسجد بعد أن خلعت عني حذائي وسحبت أحد أغطية الرأس المعلقة إلى جانب الباب، ثم ولجت إلى صحن الجامع متجهة نحو القبلة المنيرة ورفعت صوتي قائلة بينما دموعي تتسابق على خدي " الله أكبر". أعترف أنني لأول مرة منذ زمن بعيد أعلن بفخر شديد أنني مسلمة ودون أن يسألني أحد، وأعترف أيضاً أنني كنت راغبة في أن أجري في الشوارع وأنا أصرخ " أنا مسلمة، أنا مسلمة، أنا مسلمة".
بقى شيئ واحد أحب أن أشير إليه، ألا وهو أن شوارع اسطنبول تعج بعناصر الشرطة التي هي في خدمة الشعب فعلاً، موجودة على مدار الساعة يضبطون الأمن في الشارع ويمنعون الشغب، وكل هذا دون أن يلحظهم أحد حيث لا يتسببون في إزعاج المارة ولا يصنعون من أنفسهم بلطجية شوارع ويفرضون إتاوات على الناس ....هم ينتشرون فقط من أجل تحقيق الأمن وضبط النظام في الشوارع...... فتحياتي إلى إسطنبول وإلى تركيا كلها وإلى طيب رجب أردوغان الذي عرفت من الأتراك هناك أنه ربما ينتهج فكر الاسلام السياسي لكنه يطبقه ضمن القيم العلمانية التي أقرها أتاتورك، بل إنه يؤمن بالقومية التركية ومتعصب لها كثيراً.

ثقافة الحور العين والخطاب الذكوري المفروض حتى على الجنة

عندما كنت أقرأ تاريخ الطائفة الإسماعيلية وما نتج عنها من جماعة حسن الصباح التي اشتهرت بجماعة الحشاشين أيام الخلافة العباسية، لم أكن أعلم أن مسألة الحور العين التي تم بها إغراء عددا من الشباب اليانع حينها للانضمام إلى قلعة آلموت ( القلعة التي بناها حسن الصباح لتدريب الشباب على القتال وفرض فكرة الاستشهاد للوصول إلى الجنة والتمتع بمباهجها ومن ضمنها الحور العين) سوف يعاد طرحها في عصرنا هذا للقيام بنفس الدور، ألا وهو إغراء الشباب اليانع أيضا للاستغراق في الحلم بالجنة والابتعاد عن مسائل الدنيا ومنها بالتأكيد بناء دولة عربية مدنية ذات مقومات اقتصادية قوية تجابه القوى الغربية والأمريكية تحديدا.
في كل مناسبة دينية نتلقى جميعا رسائل إليكترونية تدعونا للدعاء بشكل معين وإعادة إرسال نفس الرسالة لعشر أشخاص مثلا كي نحصل على مائة أو مائتين حسنة ( كأننا نحن الذين سنحاسب الله يوم القيامة بعدد الحسنات التي جمعناها ونفاصله فيها بدلا من ابتغاء رحمته) ومنها يصلنا رسائل عن الحور العين، وكيف أن للرجل الديٌن سبعين من الحور العين أو من النساء الجميلات البيضاوات، البضات العذراوات إلى آخره من الصفات التي تشبه الدعايات الهوليودية الخاصة بالنساء المرمريات اللائى من الصعب أن تصادفهن في الشارع العادي الذي نسير فيه.
من كثرة هذه الرسائل وما يتبعها من مناقشات غريبة ومضحكة بين النساء والرجال عن الحور العين، وكيف أن المرأة ليس لها شيئا في المقابل، قدم رجال الدين الأعزاء المبجلين آراء أو تصريفات لم ترد لا في القرآن ولا في السنة مثل أنها ستجتمع بزوجها في الآخرة وأنها ستحشر في سن الثلاثين أو أن شهوة المرأة في الحلي والمجوهرات وليست في الرجال... إلخ. من أجل كل ما سبق قررت الخوض في هذه المسألة.
الحور العين في المعجم اللغوي
بداية يجب أن نعرف المعنى اللغوي لكلمة حور عين، وكي نعرفها يجب أن نقسمها إلى حُور ثم عِين، وفي المعجم المحيط سنجد أن كلمة حور بضم الحاء معناها كالتالي:
الحور: الأحور والحوراء :- من النساء: اللواتي هن بيضٌ. - : النقص والهلاك / إنه في حور وبور، أي في غير صنعة ولا إجادة أو هو في ضلال/ الباطل في الحور/ أي في نقص وتراجع.

أما عين فمعناها وفقا لمعجم محيط المحيط : هي الواسعة العين.

إذا من منطلق المعنى السابق نحن نتحدث عن نساء بيض واسعات العيون. والأسئلة التي تفرض نفسها هنا، هل يقتصر وجود النساء واسعات العيون على الجنة فقط؟ وماذا عن النساء السود واسعات العيون؟ وماذا عن النساء البيض والسود غير واسعات العيون؟
ألا تلاحظوا هنا نوعا من التمييز، فكأن هناك مفاضلة بين النساء، وتفضيل للمرأة ذات اللون الأبيض والعين الواسعة على غيرها من النساء، فلماذا لا يكون نساء الجنة هؤلاء سوداوات؟ هل هناك ما يعيب الشعوب السوداء بأسرها دونا عن النساء فقط؟
ألم يكن الإسلام هو صاحب الدعوة الأولى في المساواة بين البشر وعدم التفضيل بينهم على أساس اللون والعرق والجنس؟
في خطبة الوداع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين: " يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد ألا إن أباكم واحد لا فضل لعربي على أعجمي ولا أعجمي على عربي ولا أحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى ... أبلغت؟ قالوا أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم."
فهل يساوي الله بيننا على الأرض في الدنيا ويفاضل بيننا في الآخرة وفي الجنة؟
الحور العين في القرآن الكريم
في سورة الدخان الآية 54 :
بسم الله الرحمن الرحيم
كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ
صدق الله العظيم
وفي تفسير الطبري يقول : الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمَا أَعْطَيْنَا هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ فِي الْآخِرَة مِنْ الْكَرَامَة بِإِدْخَالِنَاهُمُ الْجَنَّات , وَإِلْبَاسِنَاهُمْ فِيهَا السُّنْدُس وَالْإِسْتَبْرَق , كَذَلِكَ أَكْرَمْنَاهُمْ بِأَنْ زَوَّجْنَاهُمْ أَيْضًا فِيهَا حُورًا مِنْ النِّسَاء , وَمِنَ النَّقِيَّات الْبَيَاض , وَاحِدَتهنَّ : حَوْرَاء , وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول فِي مَعْنَى الْحُور , مَا : 24111 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِين } قَالَ : أَنْكَحْنَاهُمْ حُورًا. قَالَ : وَالْحُور : اللَّاتِي يَحَار فِيهِنَّ الطَّرَف بَادٍ مُخّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاء ثِيَابهنَّ , وَيَرَى النَّاظِر وَجْهه فِي كَبِد إِحْدَاهُنَّ كَالْمِرْآةِ مِنْ رِقَّة الْجِلْد , وَصَفَاء اللَّوْن . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِد مِنْ أَنَّ الْحُور إِنَّمَا مَعْنَاهَا : أَنَّهُ يَحَار فِيهَا الطَّرَف , قَوْل لَا مَعْنَى لَهُ فِي كَلَام الْعَرَب ; لِأَنَّ الْحُور إِنَّمَا هُوَ جَمْع حَوْرَاء , كَالْحُمْرِ جَمْع حَمْرَاء , وَالسُّود : جَمْع سَوْدَاء , وَالْحَوْرَاء إِنَّمَا هِيَ فَعْلَاء مِنَ الْحَوَر وَهُوَ نَقَاء الْبَيَاض , كَمَا قِيلَ لِلنَّقِيِّ الْبَيَاض مِنْ الطَّعَام الْحَوَارِيّ , وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْل . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ قَالَ سَائِر أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24112 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِين } قَالَ : بَيْضَاء عَيْنَاء , قَالَ : وَفِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود " بِعِيسٍ عِين " . * - حَدَّثَنَا بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { بِحُورٍ عِين } قَالَ : بِيض عِين , قَالَ : وَفِي حَرْف ابْن مَسْعُود " بِعِيسٍ عِين " . وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود هَذِهِ , يَعْنِي أَنَّ مَعْنَى الْحُور غَيْر الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مُجَاهِد ; لِأَنَّ الْعِيس عِنْد الْعَرَب جَمْع عَيْسَاء , وَهِيَ الْبَيْضَاء مِنْ الْإِبِل , كَمَا قَالَ الْأَعْشَى : وَمَهْمَه نَازِح تَعْوِي الذِّئَاب بِهِ كَلَّفْت أَعْيَس تَحْت الرَّحْل نَعَّابَا يَعْنِي بِالْأَعْيَسِ : جَمَلًا أَبْيَض . فَأَمَّا الْعِين فَإِنَّهَا جَمْع عَيْنَاء , وَهِيَ الْعَظِيمَة الْعَيْنَيْنِ مِنْ النِّسَاء .

ومن ما سبق نجد اختلاف بين الذين حاولوا تفسير الآية من السلف الصالح، فيما إذا كانت الحور العين هن من يحار فيهن الطرف أو هن البيض ذوات العيون الواسعة، وإن كانت اللغة العربية تقدم التفسير الثاني على الأول، ألا وهو أنهن النساء البيض ذوات العيون الواسعة.

الآية الثانية التي ورد فيها ذكر الحور العين هي في سورة الطور آية 20 حيث يقول تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم
مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ
صدق الله العظيم
وتفسيرها وفقا للطبري:
وَقَوْله : { مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُر مَصْفُوفَة } قَدْ جُعِلَتْ صُفُوفًا , وَتُرِكَ قَوْله : عَلَى نَمَارِق , اكْتِفَاء بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَلَام عَلَيْهِ، وَقَوْله : { وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَزَوَّجْنَا الذُّكُور مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ أَزْوَاجًا بِحُورٍ عِينٍ مِنْ النِّسَاء , يَقُول الرَّجُل : زَوِّجْ هَذَا الْخَلْف الْفَرْد أَوْ النَّعْل الْفَرْد بِهَذَا الْفَرْد , بِمَعْنَى : اجْعَلْهُمَا زَوْجًا . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الزَّوْج فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته هَا هُنَا , وَالْحُور : جَمْع حَوْرَاء , وَهِيَ الشَّدِيدَة بَيَاض مُقْلَة الْعَيْن فِي شِدَّة سَوَاد الْحَدَقَة. وَقَدْ ذَكَرْت اخْتِلَاف أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ , وَبَيَّنْت الصَّوَاب فِيهِ عِنْدَنَا بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَة عَنْ إِعَادَتهَا فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَالْعِين : جَمْع عَيْنَاء , وَهِيَ الْعَظِيمَة الْعَيْن فِي حُسْن وَسَعَة.
أما الآية الثالثة والتي ورد فيها ذكر الحور العين فهي الآية 22 قي سورة الواقعة:
بسم الله الرحمن الرحيم
وَحُورٌ عِينٌ
صدق الله العظيم
وتفسيرها كالآتي عند الطبري:
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَحُور عِين } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَحُور عِين } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة وَبَعْض الْمَدَنِيِّينَ " وَحُور عِين " بِالْخَفْضِ إِتْبَاعًا لِإِعْرَابِهَا إِعْرَاب مَا قَبْلهَا مِنْ الْفَاكِهَة وَاللَّحْم , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُطَاف بِهِ , وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ مَعْرُوفًا مَعْنَاهُ الْمُرَاد أَتْبَعَ الْآخَر الْأَوَّل فِي الْإِعْرَاب , كَمَا قَالَ بَعْض الشُّعَرَاء : إِذَا مَا الْغَانِيَات بَرَزْنَ يَوْمًا وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِب وَالْعَيُونَا فَالْعُيُون تُكَحَّل , وَلَا تُزَجَّج إِلَّا الْحَوَاجِب , فَرَدَّهَا فِي الْإِعْرَاب عَلَى الْحَوَاجِب , لِمَعْرِفَةِ السَّامِع مَعْنَى ذَلِكَ وَكَمَا قَالَ الْآخَر : تَسْمَع لِلْأَحْشَاءِ مِنْهُ لَغَطَا وَلِلْيَدَيْنِ جُسْأَة وَبَدَدَا وَالْجُسْأَة : غِلَظ فِي الْيَد , وَهِيَ لَا تُسْمَع . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض قُرَّاء الْمَدِينَة وَمَكَّة وَالْكُوفَة وَبَعْض أَهْل الْبَصْرَة بِالرَّفْعِ { وَحُور عِين } عَلَى الِابْتِدَاء , وَقَالُوا : الْحُور الْعِين لَا يُطَاف بِهِنَّ , فَيَجُوز الْعَطْف بِهِنَّ فِي الْإِعْرَاب عَلَى إِعْرَاب فَاكِهَة وَلَحْم , وَلَكِنَّهُ مَرْفُوع بِمَعْنَى : وَعِنْدهمْ حُور عِين , أَوْ لَهُمْ حُور عِين . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا جَمَاعَة مِنْ الْقُرَّاء مَعَ تَقَارُب مَعْنَيَيْهِمَا , فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . وَالْحُور جَمَاعَة حَوْرَاء : وَهِيَ النَّقِيَّة بَيَاض الْعَيْن , الشَّدِيدَة سَوَادهَا . وَالْعَيْن : جَمْع عَيْنَاء , وَهِيَ النَّجْلَاء الْعَيْن فِي حُسْن .
ونلاحظ من التفسير السابق أنهم اختلفوا على القراءة الخاصة بالآية، وقيل فيما قيل أن الحور العين جماعة حوراء نقية بياض العين شديدة سوادها، ولم يحدد هنا هل تلك الجماعة من النساء أم من الرجال.
أما الآية الرابعة فهي في سورة الرحمن رقم 56 :
بسم الله الرحمن الرحيم
فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ.
ثم آية رقم 72 :
حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ
تفسير الآيات في الطبري كما يلي :
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فِيهِنَّ قَاصِرَات الطَّرْف } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْفُرُش الَّتِي بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَق { قَاصِرَات الطَّرْف } وَهُنَّ النِّسَاء اللَّاتِي قَدْ قُصِرَ طَوْفُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ , فَلَا يَنْظُرْنَ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الرِّجَال . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25634 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُبَيْد الْمُحَارِبِيّ , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِي يَحْيَى , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { فِيهِنَّ قَاصِرَات الطَّرْف } قَالَ : قُصِرَ طَرْفُهُنَّ عَنْ الرِّجَال , فَلَا يَنْظُرْنَ إِلَّا إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ . 25635 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فِيهِنَّ قَاصِرَات الطَّرْف } . .. الْآيَة , يَقُول : قُصِرَ طَرْفُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجهنَّ , فَلَا يُرِدْنَ غَيْرهمْ. 25636 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { قَاصِرَات الطَّرْف } قَالَ : لَا يَنْظُرْنَ إِلَّا إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ , تَقُول : وَعِزَّةِ رَبِّي وَجَلَالِهِ وَجَمَالِهِ , إِنْ أَرَى فِي الْجَنَّة شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْك , فَالْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَك زَوْجِي , وَجَعَلَنِي زَوْجَك.
وَقَوْله : { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْس قَبْلهمْ وَلَا جَانّ } يَقُول : لَمْ يَمَسَّهُنَّ إِنْس قَبْل هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَتَهُمْ , وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ { وَلِمَنْ خَافَ مَقَام رَبّه جَنَّتَانِ } وَلَا جَانّ يُقَال مِنْهُ : مَا طَمَثَ هَذَا الْبَعِيرَ حَبْل قَطُّ : أَيْ مَا مَسَّهُ حَبْل . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب مِنْ الْكُوفِيِّينَ يَقُول : الطَّمْث هُوَ النِّكَاح بِالتَّدْمِيَةِ , وَيَقُول : الطَّمْث هُوَ الدَّم , وَيَقُول : طَمَثَهَا إِذَا دَمَاهَا بِالنِّكَاحِ , وَإِنَّمَا عَنَى فِي هَذَا الْمَوْضِع أَنَّهُ لَمْ يُجَامِعْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانّ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25637 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْس قَبْلهمْ وَلَا جَانّ } يَقُول : لَمْ يُدْمِهِنَّ إِنْس وَلَا جَانّ . 25638 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ رَجُل عَنْ عَلِيّ { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْس قَبْلهمْ وَلَا جَانّ } قَالَ : مُنْذُ خَلَقَهُنَّ. 25639 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن يَزِيد الطَّحَّان , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة الضَّرِير , عَنْ مُغِيرَة بْن مُسْلِم , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : لَا تَقُلْ لِلْمَرْأَةِ طَامِث , فَإِنَّ الطَّمْث هُوَ الْجِمَاع , إِنَّ اللَّه يَقُول : { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْس قَبْلهمْ وَلَا جَانّ } . 25640 -حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانّ } قَالَ : لَمْ يَمَسَّهُنَّ شَيْء إِنْس وَلَا غَيْره. 25641 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانّ } قَالَ : لَمْ يَمَسَّهُنَّ . 25642 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَبْد الْحَمِيد الْآمِلِيّ , قَالَ : ثنا مَرْوَان بْن مُعَاوِيَة , عَنْ عَاصِم , قَالَ : قُلْت لِأَبِي الْعَالِيَة امْرَأَة طَامِث , قَالَ : مَا طَامِث ؟ فَقَالَ رَجُل : حَائِض , فَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة : حَائِض , أَلَيْسَ يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلِهِمْ وَلَا جَانّ } . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَهَلْ يُجَامِع النِّسَاءَ الْجِنُّ , فَيُقَال : { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْس قَبْلهمْ وَلَا جَانّ } ؟ فَإِنَّ مُجَاهِدًا رُوِيَ عَنْهُ مَا . 25643 -حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن عُمَارَة الْأَسَدِيّ , قَالَ : ثنا سَهْل بْن عَامِر , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن يَعْلَى الْأَسْلَمِيّ عَنْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : إِذَا جَامَعَ وَلَمْ يُسَمِّ انْطَوَى الْجَانّ عَلَى إِحْلِيلِهِ فَجَامَعَ مَعَهُ , فَذَلِكَ قَوْله : { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ } . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم يَنْتَزِع بِهَذِهِ الْآيَة فِي أَنَّ الْجِنّ يَدْخُلُونَ الْجَنَّة . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25644 - حَدَّثَنِي أَبُو حُمَيْد أَحْمَد بْن الْمُغِيرَة الْحِمْصِيّ , قَالَ : ثني أَبُو حَيْوَة شُرَيْح بْن يَزِيد الْحَضْرَمِيّ قَالَ : ثني أَرْطَاة بْن الْمُنْذِر , قَالَ : سَأَلْت ضَمْرَة بْن حَبِيب : هَلْ لِلْجِنِّ مِنْ ثَوَاب ؟ قَالَ : نَعَمْ , ثُمَّ نَزَعَ بِهَذِهِ الْآيَة { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانّ } فَالْإِنْسِيَّات لِلْإِنْسِ , وَالْجِنِّيَّات لِلْجِنِّ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { حُور مَقْصُورَات فِي الْخِيَام } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلَاءِ الْخَيْرَات الْحِسَان { حُور } يَعْنِي بِقَوْلِ حُور : بِيضٌ , وَهِيَ جَمْع حَوْرَاء , وَالْحَوْرَاء : الْبَيْضَاء . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْحَوَر فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَة عَنْ إِعَادَتهَا فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25682 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّات , عَنْ مُجَاهِد { حُور } قَالَ : بِيضٌ . * - قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ مُسْلِم , عَنْ مُجَاهِد { حُور } قَالَ : بِيضٌ . 25683 - قَالَ : ثنا وَكِيع , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { حُور } قَالَ : النِّسَاء . 25684 -حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : حَدَّثَنَا عُبَيْد قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { حُور مَقْصُورَات } الْحَوْرَاء : الْعَيْنَاء الْحَسْنَاء. 25685 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان : الْحَوَر : سَوَادٌ فِي بَيَاض . 25686 -قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : الْحُور : الْبِيضُ قُلُوبُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ . وَأَمَّا قَوْله : { مَقْصُورَاتٌ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله أَنَّهُنَّ قُصِرْنَ عَلَى أَزْوَاجهنَّ , فَلَا يَبْغِينَ بِهِمْ بَدَلًا , وَلَا يَرْفَعْنَ أَطْرَافَهُنَّ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنْ الرِّجَال . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25687 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتَّات , عَنْ مُجَاهِد : { مَقْصُورَات فِي الْخِيَام } قَالَ : قُصِرَ طَرْفُهُنَّ وَأَنْفُسُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ . * - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا وَكِيع , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { مَقْصُورَاتٌ } قَالَ : قُصِرَ طَرْفُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجهنَّ فَلَا يُرِدْنَ غَيْرَهُمْ . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , { مَقْصُورَات فِي الْخِيَام } قَالَ : قَصَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ وَأَبْصَارَهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ , فَلَا يُرِدْنَ غَيْرهمْ . 25688 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه وَابْن الْيَمَان , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنِ الرَّبِيع { مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : قَصَرْنَ طَرْفَهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : قَصَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ وَقُلُوبَهُنَّ وَأَبْصَارَهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ , فَلَا يُرِدْنَ غَيْرهمْ . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : قُصِرَ طَرْفُهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ فَلَا يُرِدْنَ غَيْرهمْ . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { مَقْصُورَات } قَالَ : مَقْصُورَات عَلَى أَزْوَاجهنَّ فَلَا يُرِدْنَ غَيْرهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُنَّ مَحْبُوسَات فِي الْحِجَال. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25689 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن يَمَان , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنِ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة { حُور مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : مَحْبُوسَات فِي الْخِيَام . 25690 -حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن مُحَمَّد الْبُزُورِيّ , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنِ الرَّبِيع , بِمِثْلِهِ . 25691 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ مُجَاهِد , عَنِ ابْن عَبَّاس { مَقْصُورَات } قَالَ : مَحْبُوسَات . 25692 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن يَمَان , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْشَر السِّنْدِيّ , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب , قَالَ : مَحْبُوسَات فِي الْحِجَال . 25693 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { مَقْصُورَات فِي الْخِيَام } قَالَ : لَا يَبْرَحْنَ الْخِيَام. 25694 - حَدَّثَنِي عُبَيْد بْن إِسْمَاعِيل الْهَبَّارِيّ , قَالَ : ثنا عَثَّام بْن عَلِيّ , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي صَالِح , فِي قَوْله : { حُور مَقْصُورَات فِي الْخِيَام } قَالَ : عَذَارَى الْجَنَّة . * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو هِشَام قَالَا : ثنا عَثَّام بْن عَلِيّ , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي صَالِح , مِثْله . 25695 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ . سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { مَقْصُورَات } قَالَ : الْمَحْبُوسَات فِي الْخِيَام لَا يَخْرُجْنَ مِنْهَا . 25696 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { مَقْصُورَات فِي الْخِيَام } قَالَ : مَحْبُوسَات , لَيْسَ بِطَوَّافَاتٍ فِي الطُّرُق . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَصَفَهُنَّ بِأَنَّهُنَّ مَقْصُورَات فِي الْخِيَام وَالْقَصْر : هُوَ الْحَبْس وَلَمْ يُخَصِّصْ وَصْفَهُنَّ بِأَنَّهُنَّ مَحْبُوسَات عَلَى مَعْنًى مِنَ الْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا دُون الْآخَر بَلْ عَمَّ وَصْفَهُنَّ بِذَلِكَ , وَالصَّوَاب أَنْ يُعَمَّ الْخَبَر عَنْهُنَّ بِأَنَّهُنَّ مَقْصُورَات فِي الْخِيَام عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ , فَلَا يُرِدْنَ غَيْرَهُمْ , كَمَا عُمَّ ذَلِكَ . وَقَوْله : { فِي الْخِيَام } يَعْنِي بِالْخِيَامِ : الْبُيُوت , وَقَدْ تُسَمِّي الْعَرَبُ هَوَادِجَ النِّسَاء خِيَامًا , وَمِنْهُ قَوْل لَبِيد : شَاقَتْك ظُعْنُ الْحَيِّ يَوْمَ تَحَمَّلُوا فَتَكَنَّسُوا قُطُنًا تُصِرُّ خِيَامُهَا وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْآيَة فَإِنَّهُ عَنَى بِهَا الْبُيُوت . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25697 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ سَعِيد , قَالَ : ثنا شُعْبَة , قَالَ : ثنا عَبْد الْمَلِك بْن مَيْسَرَة , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , عَنْ عَبْد اللَّه { حُور مَقْصُورَات فِي الْخِيَام } قَالَ : الدُّرّ الْمُجَوَّف . 25698 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَرَفَة , قَالَ : ثنا شَبَّابَة , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ عَبْد الْمَلِك عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , عَنْ عَبْد اللَّه , مِثْله . 25699 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة الْيَرْبُوعِيّ , قَالَ : ثنا فُضَيْل بْن عَيَّاش , عَنْ هِشَام , عَنْ مُحَمَّد , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { حُور مَقْصُورَات فِي الْخِيَام } قَالَ : الْخَيْمَة لُؤْلُؤَة أَرْبَعَة فَرَاسِخ فِي أَرْبَعَة فَرَاسِخ لَهَا أَرْبَعَة آلَاف مِصْرَاع مِنْ ذَهَبٍ . 25700 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ مُسْلِم , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ ابْن عَبَّاس { فِي الْخِيَام } قَالَ : بُيُوت اللُّؤْلُؤ . 25701 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْأَحْمَسِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , قَالَ : ثنا إِدْرِيس الْأَوْدِيّ , عَنْ شِمْر بْن عَطِيَّة , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , قَالَ : قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَتَدْرُونَ مَا حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام ؟ الْخِيَام : دُرّ مُجَوَّف. 25702 - قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , قَالَ : ثنا مِسْعَر , عَنْ عَبْد الْمَلِك , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص فِي قَوْله : { حُور مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : دُرّ مُجَوَّف . وَبِهِ عَنْ أَبِي الْأَحْوَص قَالَ : الْخَيْمَة : دُرَّة مُجَوَّفَة فَرْسَخ فِي فَرْسَخ , لَهَا أَرْبَعَة آلَاف مِصْرَاع مِنْ ذَهَبٍ. 25703 - ثنا أَبُو دَاوُدَ , قَالَ : ثنا هَمَّام , عَنْ قَتَادَة , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس قَالَ : الْخَيْمَة فِي الْجَنَّة مِنْ دُرَّة مُجَوَّفَة , فَرْسَخ فِي فَرْسَخ لَهَا أَرْبَعَة آلَاف مِصْرَاع . 25704 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن الْمِقْدَام , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , قَالَ : سَمِعْت أَبِي يُحَدِّث عَنْ قَتَادَة , عَنْ خُلَيْد الْعَصْرِيّ قَالَ : لَقَدْ ذُكِرَ لِي أَنَّ الْخَيْمَة لُؤْلُؤَة مُجَوَّفَة لَهَا سَبْعُونَ مِصْرَاعًا , كُلّ ذَلِكَ مِنْ دُرّ . 25705 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مُوسَى بْن أَبِي عَائِشَة , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ قَالَ : الْخِيَام : دُرّ مُجَوَّف . 25706 -قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْخِيَام : دُرّ مُجَوَّف . 25707 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا وَكِيع وَيَعْلَى عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : فِي الْخِيَام : قَالَ : الدُّرّ الْمُجَوَّف . 25708 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد { فِي الْخِيَام } قَالَ : خِيَام دُرّ مُجَوَّف . 25709 - قَالَ ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ حَرْب بْن بَشِير , عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون , قَالَ : الْخِيَام : الْخَيْمَة : دُرَّة مُجَوَّفَة . 25710 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سَلَمَة بْن نُبَيْط , عَنِ الضَّحَّاك , قَالَ : الْخَيْمَة : دُرّ مُحَوَّفَة . 25711 -حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا ابْن الْيَمَان , عَنْ أَبِي مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب { فِي الْخِيَام } : فِي الْحِجَال . 25712 - قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه وَابْن الْيَمَان , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنِ الرَّبِيع { فِي الْخِيَام } قَالَ : فِي الْحِجَال . 25713 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو بْن أَبِي قَيْس , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { فِي الْخِيَام } قَالَ : خِيَام اللُّؤْلُؤ . 25714 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { فِي الْخِيَام } الْخِيَام اللُّؤْلُؤ وَالْفِضَّة , كَمَا يُقَال وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 25715 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { حُور مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ابْن عَبَّاس كَانَ يَقُول : الْخَيْمَة دُرّ مُجَوَّفَة , فَرْسَخ فِي فَرْسَخ , لَهَا أَرْبَعَة آلَاف بَاب مِنْ ذَهَب . وَقَالَ قَتَادَة : كَانَ يُقَال : مَسْكَن الْمُؤْمِن فِي الْجَنَّة , يَسِير الرَّاكِب الْجَوَاد فِيهِ ثَلَاث لَيَالٍ وَأَنْهَاره وَجِنَانه وَمَا أَعَدَّ اللَّه لَهُ مِنْ الْكَرَامَة . 25716 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : الْخَيْمَة : دُرَّة مُجَوَّفَة , فَرْسَخ فِي فَرْسَخ , لَهَا أَرْبَعَة آلَاف بَاب مِنْ ذَهَب . 25717 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ يُقَال : خِيَامُهُمْ فِي الْجَنَّة مِنْ لُؤْلُؤ . 25718 -حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : الْخِيَام : الدُّرّ الْمُجَوَّف . 25719 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى قَالَ : ثني حَرَمِيّ بْن عُمَارَة , قَالَ : ثنا شُعْبَة قَالَ : أَخْبَرَنِي عُمَارَة , عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي قَوْل اللَّه : { حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : " دُرّ مُجَوَّف " . 25720 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول كَانَ ابْن مَسْعُود يُحَدِّث , عَنْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " هِيَ الدُّرّ الْمُجَوَّف " يَعْنِي الْخِيَام فِي قَوْله : { حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام }. 25721 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام } قَالَ : فِي خِيَام اللُّؤْلُؤ .


إذا الآيات الثلاث لا تتوحد على معنى واحد ثابت أكيد، وإن كان التفسير الذي استراح له أغلب المسلمين (ربما لسبب ما في أنفسهم) هو أن الحور العين نساء بيضاوات واسعات العيون أو نساء شديدات بياض العيون شديدات سوادها، وإن كانت الآيات لم تبح بكل التفاصيل التي ذكرها الطبري في تفسيره للآيات الثلاث، مع الوضع في الاعتبار أنه هو نفسه (الطبري) قدم تفسيرين يجزم أنهما الأصح للحور العين، فهن نساء بيضاوات واسعات العيون وهم في نفس الوقت جماعة شديدة بياض العيوان شديدة سوادها. إذا ليس أكيدا هنا أن الحور العين نساء بيض شفافات باد مخ سوقهن من وراء ثيابهن ويرى المرء كبدهن من شدة رقة الجلد.
معنى كلمة سوق لمن لا يعرف في تاج العروس: سوق : الساقُ: ساقُ القَدَم، وهي من الإنْسانِ ما بينَ الكَعْبِ واَلركْبَةِ مُؤَنَّث.
والمخ كما في معجم محيط المحيط: نِقْيُ العظم ؛ وفي التهذيب : نِقْيُ عظام القصب ؛ وقال ابن دريد : المُخُّ ما أُخرج من عظم.
ملاحظة سريعة:
لا أدري إن كان من المثير والممتع جنسيا بالنسبة للرجل أن تكون المرأة شفافة يرى كبدها وأجهزتها الداخلية من شدة رقة جلدها، مع الوضع في الاعتبار الأمعاء الغليظة بكل ما تحمله من فضلات طعام تستعد للإخراج!

نلاحظ في الآيات السابقة، أن الحور العين هي من ضمن المزايا التي سيحصل عليها المؤمنين المتقين عندما يدخلون الجنة، وإذا اتبعنا القاعدة، التي تقول أنه عندما يتحدث الله إلى المؤمنين بصيغة جمع المذكر السالم، فإنه يكون بذلك متحدثا للنساء والرجال، فهل تسري نفس القاعدة هنا؟ وإذا كان يخص الرجال بالحديث هنا، فماذا للنساء في الجنة خاصة أننا لو لاحظنا في سورة الدخان تأتي الحور العين في السياق العام لوصف ما سيلقاه المؤمنون في الجنة وهي كالتالي:

بسم الله الرحمن الرحيم
إن المتقين في مقام أمين، في جنات وعيون، يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين، كذلك وزوجناهم بحور عين، يدعون فيها بكل فاكهة آمنين، لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم. صدق الله العظيم
وإذا تعاملنا مع الحور العين على أنها كما قال الطبري في واحد من تفسيراته انها جماعة حوراء ولم يحدد نوع الجماعة إذا كانت ذكورا أم إناثا، فهل يكون الحور العين جماعة حوراء من الذكور والإناث لكل المؤمنين من الذكور والإناث ايضا؟
بعض الفقهاء قالوا فيما يخص السؤال الخاص بماذا للنساء في الجنة إذا كانت الآيات السابقة موجهة فقط للرجال، أن من طبيعة النساء الحياء ولهذا فإن الله عز وجل لا يشوقهن للجنة بما يستحين منه، لأن شوق المرأة للرجال ليس كشوق الرجال للمرأة ولهذا فإن الله شوق الرجال بذكر نساء الجنة، أما المرأة فشوقها إلى الزينة من اللباس والحلي يفوق شوقها إلى الرجال لأنه مما جبلت عليه كما قال تعالى ( أو من ينشأ في الحلية) الزخرف 18.
وبالعودة للآية التي سبق ذكرها وتفسيرها اكتشفنا أن لا علاقة لها بما ستلقى النساء من نعيم في الجنة فالآية كاملة كالآتي:
بسم الله الرحمن الرحيم
أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ
صدق الله العظيم
وتفسيرها كما ورد في تفسير الطبري كالآتي:
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَوَمَنْ يَنْبُت فِي الْحِلْيَة وَيُزَيَّن بِهَا { وَهُوَ فِي الْخِصَام } يَقُول : وَهُوَ فِي مُخَاصَمَة مَنْ خَاصَمَهُ عِنْد الْخِصَام غَيْر مُبِين , وَمَنْ خَصَمَهُ بِبُرْهَانٍ وَحُجَّة , لِعَجْزِهِ وَضَعْفه , جَعَلْتُمُوهُ جُزْء اللَّه مِنْ خَلْقه وَزَعَمْتُمْ أَنَّهُ نَصِيبه مِنْهُمْ , وَفِي الْكَلَام مَتْرُوك اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ مَا ذَكَرَ مِنْهُ وَهُوَ مَا ذَكَرْت . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِذَلِكَ الْجَوَارِي وَالنِّسَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23804 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : يَعْنِي الْمَرْأَة . 23805 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَلْقَمَة , عَنْ مَرْثَد , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِي الْحَرِير وَالذَّهَب , وَقَرَأَ { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : يَعْنِي الْمَرْأَة . 23806 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : قَالَ ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : الْجَوَارِي جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا , كَيْفَ تَحْكُمُونَ . 23807 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : الْجَوَارِي يُسَفِّههُنَّ بِذَلِكَ , غَيْر مُبِين بِضَعْفِهِنَّ . 23808 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة } يَقُول : جَعَلُوا لَهُ الْبَنَات وَهُمْ إِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِهِنَّ ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم . قَالَ : وَأَمَّا قَوْله : { وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } يَقُول : قَلَّمَا تَتَكَلَّم امْرَأَة فَتُرِيد أَنْ تَتَكَلَّم بِحُجَّتِهَا إِلَّا تَكَلَّمَتْ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهَا . 23809 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : النِّسَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ أَوْثَانهمْ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُون اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23810 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة } . ... الْآيَة , قَالَ : هَذِهِ تَمَاثِيلهمْ الَّتِي يَضْرِبُونَهَا مِنْ فِضَّة وَذَهَب يَعْبُدُونَهَا هُمُ الَّذِينَ أَنْشَئُوهَا , ضَرَبُوهَا مِنْ تِلْكَ الْحِلْيَة , ثُمَّ عَبَدُوهَا { وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : لَا يَتَكَلَّم , وَقَرَأَ { فَإِذَا هُوَ خَصِيم مُبِين } 36 77 وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِذَلِكَ الْجَوَارِي وَالنِّسَاء , لِأَنَّ ذَلِكَ عَقِيب خَبَر اللَّه عَنْ إِضَافَة الْمُشْرِكِينَ إِلَيْهِ مَا يَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْبَنَات , وَقِلَّة مَعْرِفَتهمْ بِحَقِّهِ , وَتَحْلِيَتهمْ إِيَّاهُ مِنْ الصِّفَات وَالْبُخْل , وَهُوَ خَالِقهمْ وَمَالِكهمْ وَرَازِقهمْ , وَالْمُنْعِم عَلَيْهِمْ النِّعَم الَّتِي عَدَّدَهَا فِي أَوَّل هَذِهِ السُّورَة مَا لَا يَرْضَوْنَهُ لِأَنْفُسِهِمْ , فَاتِّبَاع ذَلِكَ مِنَ الْكَلَام مَا كَانَ نَظِيرًا لَهُ أَشْبَه وَأَوْلَى مِنْ اتِّبَاعه مَا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْمَكِّيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ " أَوَمَنْ يَنْشَأ " بِفَتْحِ الْيَاء وَالتَّخْفِيف مِنْ نَشَأَ يَنْشَأ , وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة { يُنَشَّأ } بِضَمِّ الْيَاء وَتَشْدِيد الشِّين مِنْ نَشَّأْته فَهُوَ يُنَشَّأ. وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمَنْشَأ مِنَ الْإِنْشَاء نَاشِئ , وَالنَّاشِئ مُنَشَّأ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه " أَوَمَنْ لَا يُنَشَّأ إِلَّا فِي الْحِلْيَة " , وَفِي " مَنْ " وُجُوه مِنْ الْإِعْرَاب الرَّفْع عَلَى الِاسْتِئْنَاف وَالنَّصْب عَلَى إِضْمَار يَجْعَلُونَ كَأَنَّهُ قِيلَ : أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة يَجْعَلُونَ بَنَات اللَّه , وَقَدْ يَجُوز النَّصْب فِيهِ أَيْضًا عَلَى الرَّدّ عَلَى قَوْله : أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُق بَنَات أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة , فَيَرُدّ " مَنْ " عَلَى الْبَنَات , وَالْخَفْض عَلَى الرَّدّ عَلَى " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا } .
فأين مما سبق أي ذكر للنعيم الذي ستلقاه المرأة في الجنة؟ ومع احترامي للفقهاء أصحاب هذا الرأي، فإن القرآن لم يقصر عشق الحلي والذهب على النساء، بل إن الرجال أيضا يشتهونها كما قال تعالى في الآية الكريمة رقم 14 من سورة عمران:
بسم الله الرحمن الرحيم
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّة وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
صدق الله العظيم
ولا أعتقد أن هناك آية في القرآن تفصل لعشق المرأة للحلي والذهب والفضة، كما تفصل هذه الآية لعشق الرجال لها.
إذاً لو كانت الحور العين تعني النساء البيضاوات واسعات العيون، ولو كانت آيات وصف متع الجنة بما فيها من سندس وإستبرق مقصود بها الرجال فقط دونا عن النساء، فماذا للنساء في الجنة؟ ولو كان لنا الحلي والذهب والفضة؟ فهل تعتقدون أنه سيكون لمثل هذه الأشياء قيمة في الجنة؟ هل سنحتاجها كنساء؟ وما الذي سنفعله بها في الجنة حيث لا قيمة حقيقية لها هناك؟


الحور العين في الحديث الشريف
عندما بدأت مشواري البحثي عن الأحاديث التي ورد فيها ذكر الحور العين، وجدت منها الكثير، لكنني فضلت أن أتعامل مع الأحاديث الأكثر شهرة في هذا المضمار. دعونا نبدأ رحلتنا مع هذه الأحاديث لنرى :
الحديث الأول:
حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح عن النعمان بن أبي العياش عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة ومثل له شجرة ذات ظل فقال أي رب قدمني إلى هذه الشجرة فأكون في ظلها فقال الله هل عسيت إن فعلت أن تسألني غيرها قال لا وعزتك فقدمه الله إليها ومثل له شجرة ذات ظل وثمر فقال أي رب قدمني إلى هذه الشجرة أكون في ظلها وآكل من ثمرها فقال الله هل عسيت إن أعطيتك ذلك أن تسألني غيره فيقول لا وعزتك فيقدمه الله إليها فتمثل له شجرة أخرى ذات ظل وثمر وماء فيقول أي رب قدمني إلى هذه الشجرة أكون في ظلها وآكل من ثمرها وأشرب من مائها فيقول له هل عسيت إن فعلت أن تسألني غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غيره فيقدمه الله فيبرز له باب الجنة فيقول أي رب قدمني إلى باب الجنة فأكون تحت نجاف الجنة وأنظر إلى أهلها فيقدمه الله إليها فيرى أهل الجنة وما فيها فيقول أي رب أدخلني الجنة فيدخله الله الجنة قال فإذا دخل الجنة قال هذا لي قال فيقول الله عز وجل له تمن فيتمنى ويذكره الله سل من كذا وكذا حتى إذا انقطعت به الأماني قال الله عز وجل هو لك وعشرة أمثاله قال ثم يدخل الجنة يدخل عليه زوجتاه من الحور العين فيقولان له الحمد لله الذي أحياك لنا وأحيانا لك فيقول ما أعطى أحد مثل ما أعطيت قال وأدنى أهل النار عذابا ينعل بنعلين يغلي دماغه من حرارة نعليه.
• من الحديث السابق نلاحظ أن عدد الزوجات في الجنة من الحور العين اثنين (2) .
الحديث الثاني:
حدثنا ابن السرح حدثنا ابن وهب عن سعيد يعني ابن أبي أيوب عن أبي مرحوم عن سهل بن معاذ عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله عز وجل على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره الله من الحور العين ما شاء.
• نلاحظ في هذا الحديث أن عدد الحور العين غير محدد (يختار ما يشاء)، ما يناقض الحديث السالف ذكره.

الحديث الثالث:
حدثنا يزيد أخبرنا هشام عن محمد عن أبي هريرة قال:
كنا عنده فإما تفاخروا وإما تذاكروا فقال الرجال في الجنة أكثر من النساء فقال أبو هريرة أولم يقل أبو القاسم صلى الله عليه وسلم إن أول زمرة من أمتي تدخل الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر والثانية على أضوإ كوكب دري في السماء لكل رجل منهم زوجان من الحور العين يرى مخ سوقيها من وراء الحلل والذي نفس محمد بيده ما فيها من أعزب.
نلاحظ الآتي في الحديث السابق:
• تأكيد عدد الحور العين باثنين لكل رجل، كما تتساوى هنا أول وثاني زمرة من المؤمنين الداخلين الجنة بأدنى الرجال مرتبة في الجنة – لاحظ الحديث الأول.
• يحتوي الحديث على تفرقة غير مبررة وتكاد تصل إلى حد العنصرية ضد المرأة حيث قال إن الرجال في الجنة أكثر من النساء ولم يقل لماذا؟
• النساء قليلات في الجنة يقابلهم حور عين للرجال .... أي عدل هذا؟
• الجنة لا يوجد بها أعزب ولا ذكر لأي وسيلة ترغب النساء في الجنة.
الحديث الرابع:
حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن حدثنا نعيم بن حماد حدثنا بقية بن الوليد عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معدي كرب قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للشهيد عند الله ست خصال يغفر له في أول دفعة ويرى مقعده من الجنة ويجار من عذاب القبر ويأمن من الفزع الأكبر ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين ويشفع في سبعين من أقاربه.
قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح غريب
نلاحظ في هذا الحديث التالي:
• الشهيد له اثنين وسبعين من الحور العين وليس اثنتين فقط.
• ما تم ذكره في الحديث من خصال ست يمنحها الله للشهيد، قاصرة على الشهيد من الرجال، فماذا للشهيدة الأنثى؟ لماذا لم يأت على ذكرها الرسول رغم أن أول شهيد في الإسلام كان امرأة وهي سمية بنت الخياط أم عمار بن ياسر.
الحديث الخامس:
حدثنا محمد بن فضيل عن عمارة عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد ضوء كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يتمخطون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم في طول ستين ذراعاً.
نلاحظ في الحديث التالي:
• يتجاهل الحديث المرأة تماما باعتبارها جزء من المجتمع الإسلامي، فلا هي مذكورة مع أول زمرة ولا مع الذين يلونهم، ثم إن وصف ما سيتمتع به هؤلاء في الجنة ويحصلون عليه، قاصر على الرجال – أمشاطهم ذهب ورشحهم المسك و مجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين - فأين مكانة النساء في الجنة؟ لماذا لم يتحدث الرسول عن النعيم الذي سيلقونه في الجنة؟ أم أن مكانة المرأة المسلمة مهما فعلت ستكون متدنية في الجنة كأن تكون في الزمرة الثالثة أو الرابعة ...الخ.
• من المعروف أن الإسلام أعطى للمرأة حقوقها وساواها بالرجل في كل الأمور وكما ذكرت في الفصل الأول " قرن في بيوتكن" وصلت المرأة لمنزلة المحاربة والزاهدة والعالمة فماذا بعد كي تكون من المنتمين للزمرة الأولى، وإن كانت النساء ضمنيا مع الزمرة الأولى فهل سيكون جزائهن حور عين أيضا ... أم رجال عين؟
الحديث السادس:
حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك حدثنا إسماعيل بن عياش عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن كثير بن مرة عن معاذ بن جبل قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تؤذي امرأة زوجها إلا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله فإنما هو عندك دخيل أوشك أن يفارقك إلينا.
نلاحظ في الحديث التالي:
نلاحظ أن الزوجة من الحور العين تدعو على الزوجة الأرضية التي آذت زوجها... فمن يدعو على الزوج الذي يؤذي زوجته وهم كثر وربما أكثر، حيث معاناة المرأة وفقا للأبحاث الاجتماعية على مستوى العالم كثيرة، خاصة فيما يتعلق بقضايا ضرب الزوجات وقتلهن وحرقهن...فمن هنا وفقا للوضع الاجتماعي السيئ الذي نعيشه يستحق الدعاء عليه؟ من لنا نحن النساء في الجنة حتى يدعو على أزواجنا الذين يسيئون إلينا؟ أم أن المرأة المسلمة قد تخلى الله عنها؟
الحديث السابع:
حدثنا هناد وأحمد بن منيع قالا حدثنا أبو معاوية قال حدثنا عبد الرحمن بن إسحق عن النعمان بن سعد عن علي قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الجنة لمجتمعا للحور العين يرفعن بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها قال يقلن نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الناعمات فلا نبؤس ونحن الراضيات فلا نسخط طوبى لمن كان لنا وكنا له، وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وأنس قال أبو عيسى حديث علي حديث غريب.
نلاحظ في الحديث ما يلي:
• الحديث أنكره كل من أبي هريرة وأبي سعد وأنس.
• يحتوي وصف الحور العين هنا على شئ من الاستفزاز، حيث أنهن ناعمات لا يبأسن بينما نحن على الأرض نبأس وهن راضيات لا يسخطن أما نحن فنسخط ونرفض ونثور ونطالب بحقوقنا...فهل هذا المنطق الذي يتعامل به الإسلام؟ أن تتحول المرأة إلى جسد ناعم دائما وتضع قفلا على فمها فلا تنطق أبدا وترضى بكل شئ حتى ( ضرب الأحذية).
• إن كان للحور العين مجتمعا في الجنة، وبالمقابل رجال الأرض يتزوجوهن في الآخرة، فأين مكاننا نحن...لا يوجد للمرأة المسلمة مجتمعا في الجنة ولا يوجد لها أزواج أو على أقل تقدير زوج واحد؟
الحديث الثامن:
حدثنا سويد أخبرنا عبد الله أخبرنا رشدين بن سعد حدثني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية إلى صنعاء.
ووفقا لشرح الحديث كما هو وارد في سنن الترمذي في صفة أهل الجنة فإن المقصود بالزوجة هنا الحور العين، أي غير ماله من نساء الدنيا.
ونلاحظ في الحديث ما يلي:
• يظهر التناقض هنا بين هذا الحديث وما سبقه من أحاديث، حيث 72 زوجة لمن هم أدنى مرتبة من الجنة، بينما سبق من أحاديث يؤكد أن من هم في أول زمرة يحصلون على اثنتين فقط... فأين الحقيقة؟ وكيف تتناقض أقوال الرسول مع بعضها؟
• ما الفرق هنا في هذا الحديث بين الرجل العادي الذي يدخل الجنة والشهيد؟ حيث أنه في حديث سابق قيل أن الشهيد هو الذي يختص باثنين وسبعين زوجة من الحور العين.

الحديث التاسع:
حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا يونس عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل من أهل الجنة زوجتان من حور العين على كل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب.
في هذا الحديث نقع في الحيرة مرة أخرى، فهل عدد الزوجات من الحور العين اثنتين وكل واحدة لديها سبعين حلة؟ أم أن عددهن اثنين وسبعين ولا ذكر للحلل؟ .. أين الحقيقة تحديدا في كل هذه الأحاديث، التي من المفترض أنها جميعا قيلت بوساطة شخص واحد، منزه عن مثل تلك التناقضات حيث أنه يحمل كلمة الله التي يتم تنزيلها عليه بواسطة الوحي.
الحديث العاشر:
حدثنا هشام بن خالد الأزرق أبو مروان الدمشقي حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن خالد بن معدان عن أبي إمامة قال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من أحد يدخله الله الجنة إلا زوجه الله عز وجل ثنتين وسبعين زوجة ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار ما منهن واحدة إلا ولها قبل شهي وله ذكر لا ينثني
قال هشام بن خالد من ميراثه من أهل النار يعني رجالا دخلوا النار فورث أهل الجنة نساءهم كما ورثت امرأة فرعون.
أما في معنى قوله ( وله ذكر لا ينثني) وفقا لسنن بن ماجة : كناية عن وفور قوة القيام .
ونلاحظ في الحديث ما يلي:
• هذا الحديث جد غريب وعن نفسي أستبعد تماما أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد قاله في أي يوم من الأيام، لكن للأسف الحديث مذكور في سنن ابن ماجة في فصل الزهد! ومن صفات أهل الجنة! ولا يوجد حوله أي تشكيك وبالتالي أتمنى أن يقوم رجال ديننا الحنيف الغيورين على الإسلام بدراسته وشرحه شرحا ينزهه مما اعتور به.
• الحديث يحمل روحا لا علاقة لها بروح الإسلام وهدفه الأصيل ألا وهو الحرية لكل البشر بمختلف أجناسهم وطبقاتهم وأعراقهم، فنحن نجد أن المرأة تورث كالمتاع في الجنة، حيث الرجل الذي يدخل الجنة يرث الرجل الذي دخل النار في زوجته وهو أمر مرفوض تماما بالنسبة للمرأة التي ارتضت الإسلام دينا كي ينتشلها من الجاهلية التي كانت تبيعها وتورثها وتتعامل معها على أنها مجرد سقط متاع، فمن غير المعقول أن يكون مآل المسلمة الصالحة التي تدخل الجنة في النهاية، أن تكون ضمن سبعين امرأة يتم توريثهن لرجل من رجال الجنة. وأي متعة في أن تكون المرأة واحدة ضمن سبعين امرأة واثنين من الحور العين لرجل واحد مهما بلغت قوته الجنسية كما هو وارد في الحديث.
• نلاحظ أن الحديث هنا يحاول تفسير التضارب بين الأحاديث التي تؤكد نصيب الرجل بزوجتين اثنتين من الحور العين، والأحاديث التي تؤكد أن عددهن يصل إلى اثنتين وسبعين زوجة، فنجده يقول أن اثنين من الحور العين وسبعين امرأة أرضية يرثها الرجل من الرجال الذين دخلوا النار.
• الشيء المقزز أيضا الوصف الخاص بالقبل الشهي ( العضو الأنثوي) والذكر الذي لا ينثني لدى الرجل ما يجعل الأمر أشبه بالأساطير الجنسية الخاصة بأفلام البورونو.
• الشيء المثير للجدل أيضا هو أننا نعرف جميعا كمسلمين حقيقة يتم الترويج لها بيننا من قبل مشايخ الجوامع ورجال الدين بشكل عام، أن من يموت على الإسلام بشهادة الشهادتين قبل وفاته، فهو في الجنة لا محالة، حتى لو دخل النار للتكفير عن أخطائه فهو في الجنة في النهاية، والسؤال ما الذي سيفعله هؤلاء الرجال القادمون من النار إلى الجنة بعد أن يكون قد تم توزيع زوجاتهم؟.
• الغريب في هذا الحديث أيضا أنه يتناقض مع الحديث الذي يقول أن أغلب أهل النار من النساء، فإذا قمنا بحسبة بسيطة، سنجد أنه عندما يأخذ رجل واحد من رجال الجنة سبعين زوجة دخلت الجنة من سبعين رجلا دخل النار، فسنكتشف أنه في مقابل كل رجل يدخل الجنة هناك سبعين امرأة تدخل الجنة، إذا النساء أكثر من الرجال في الجنة بما ينفي الحديث السابق. .... حتى لو سلمنا بأن الرجل الواحد يتزوج أربع نساء، وبالتالي كل رجل في النار له أربع زوجات دخلن الجنة، سنكتشف بحسبة بسيطة أيضا أن في مقابل كل رجل في الجنة هناك 17.30 امرأة في الجنة.
الحديث الحادي عشر:
حدثنا عبد الله حدثني أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجنة سوقا ما فيها بيع ولا شراء إلا الصور من النساء والرجال فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها وإن فيها لمجمع للحور العين يرفعن أصواتا لم ير الخلائق مثلها يقلن نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الراضيات فلا نسخط ونحن الناعمات فلا نبؤس فطوبى لمن كان لنا وكنا له.
• نلاحظ في هذا الحديث تصوير يحمل شهوات خيالية تداعب المخيلة، وأشبه بأفلام الخيال العلمي حيث إذا اشتهى رجل صورة دخل فيها وعاش خيالاته...هل من المعقول أو المصدق أن يكون رسول الله قد قال هذا الكلام؟
الملاحظ على الأحاديث السابقة، خاصة تلك التي تصف الأعضاء الجنسية للذكر والأنثى، وكيف سيكون قبل المرأة شهي وعضو الرجل موفور وما إلى ذلك من الأوصاف التي لو أتى على ذكر مثلها أو ما يشابهها أديب من الأدباء الآن، لرماه دعاة ديننا الحنيف وحماة القيم والأخلاق في المجتمع، بالفسق والفجور والخروج على آداب ديننا الحنيف..... لذلك أتساءل إن كان دعاتنا الصالحين ومشايخنا حماة الدين، قد قرأوا مثل هذه الأحاديث المنسوبة إلى رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام، وحاولوا ولو مجرد محاولة أن يبحثوها ويبحثوا في صحة نسبها للرسول. وإن كانت قد مرت عليهم ومتأكدين من صحتها، فلماذا يضيقوا الخناق على الأدباء والمبدعين المساكين، الذين يكونون في تلك الحالة لا يفعلون أكثر من اتباع سنة نبيهم الذي هو قدوة لهم في الوصف والقدرة على التعبير.
ردود سريعة على ماقاله " ابن العثيمين" فيما يخص الحور العين
قال الشيخ العثيمين: إنما ذكر – أي الله عز وجل – الزوجات للأزواج لأن الزوج هو الطالب وهو الراغب في المرأة، فلذلك ذكرت الزوجات للرجال في الجنة وسكت عن الأزواج للنساء ولكن ليس مقتضى ذلك أنه ليس لهن أزواج ...... بل لهن أزواج من بني آدم.
وردي الوحيد على ما قاله الشيخ العثيمين، ان السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، هي التي طلبت الرسول عليه الصلاة والسلام للزواج، فكانت بذلك هي الطالبة والراغبة، أي ان حصر الطلب والرغبة على الرجل، عادة وتقليد إجتماعي وليس غريزة أو أمر ديني إلزامي، وعلى مدار التاريخ كانت هناك نساء طالبات وراغبات في الرجال، وطلبوهم للزواج مثل شجرة الدر التي طلبت عز الدين أيبك للزواج مثلا وغيرها كثيرات.
الأمر الآخر هو من الذي قرر أن أزواجنا في الجنة من بني آدم؟ لا يوجد نص قرآني على ذلك، بالإضافة إلى أنه لو كان الأمر كذلك، فإنه سيكون تفرقة في الجزاء بالإثابة في الجنة، فلماذا يفوز الرجل بنساء غير أرضيات، شفافات، يحار فيهن الطرف، لا يتزمرن، لا يبأسن ......إلخ، ولا يكون جزاؤنا نحن النساء غير رجال أرضيين شبعنا وربما نكون قد وصلنا إلى حد الضجر منهم، فأين الإثابة هنا بشئ من الأرض؟ في حين أن الوعد بالجنة يؤكد ان فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
ويفصل الشيخ العثيمين لوضع المرأة الاجتماعي في الحياة الدنيا وما يقابله من جزاء في الجنة، فالمرأة التي لم تتزوج والتي ترملت ولم تتزوج بعد زوجها والمطلقة التي لم تتزوج أيضا والتي لم يدخل زوجها الجنة يزوجها الله تعالى بما يقر بها عينها.... ووفقا للأحاديث السابقة فستكون ضمن جيش جرار من النساء سبعين امرأة أرضية و اثنين من الحور العين....أي بكل بساطة ستعاني من فريق ضرائر بدل أربعة فقط في الأرض.
أما المراة التي ماتت وهي متزوجة فهي في الجنة لزوجها الذي ماتت عنه – الكلام للشيخ العثيمين- وهنا أتساءل وماذا عن الملايين من النساء للائي اضطررن للحاجة أو العوز أو قلة الحيلة على مدار التاريخ أن يبقين على ذمة أزواجهن وهن يعشن الذل والمهانة والعذاب ولا يحملن في صدورهن سوى الكره لهذا الزوج ومكرهات على العيش معه؟ هل يكون جزاء صبرهن على البلاء في الدنيا أن يكن مع نفس الأزواج في الجنة؟
أما المرأة التي مات عنها زوجها وتزوجت بعده فهي لآخر أزواجها في الجنة – الكلام للشيخ العثيمين – وأتساءل، ماذا لو كان آخر أزواجها هو أسوأهم؟ هل من العدل أن يكون زوجها في الجنة؟
إن كانت المرأة متعة للرجل، فالرجل أيضا متعة للمرأة، لا تفرقة في ذلك ولا توجد تفرقة بيولوجية بين حجم رغبات الرجل والمرأة على المستوى الجنسي، فالأصل في الأشياء هو تجاذب كل من الجنسين لبعضهما البعض، وهذه هي الفطرة التي جبلنا عليها، لكن للأسف يتم التدخل في هذه الفطرة بتحويرها وتحويلها وتبديلها، ونجد أنفسنا محاطين بكم من القيم التي تدعي أن المرأة خلقت بلا شهوة ولا رغبة في الرجال، وأن شهوتها موجهة للذهب ولفضة والماس، متجاهلين تماما أن أكثر من نصف سكان الكرة الأرضية من الفقراء والفقيرات الذين لا يعرفون ما هو الذهب لكنهم يعرفون تماما ما هو الجنس والرغبة الجنسية، فكيف يتم استبدال متعة مجانية غير مكلفة بمتعة صعب الحصول عليها على الأرض؟ أعلم تماما أنه سيرد علي قائل، بأن الفقيرة ستثاب بالذهب الذي لا تعرفه في الأرض، وسأقول له، إذا لماذا لا يثاب الرجل بشئ حرم منه في الأرض أيضا، وهو الذي خبر متعة الجنس وعرفها، فلماذا لا يكون الذهب أيضا هو المقابل؟
إن هذا الأمر في رأيي، أمر شائك ومن الصعب حسمه، وبالتالي نرجو أن لا يتم إقحام الدين – ديننا الحنيف – في مثل تلك الصغائر، لأننا لو نظرنا إلى متع الجنة التي يتم تعديدها في القرآن سنجد أنها في عصرنا هذا لم تعد بعيدة ومتوفرة، بل إن بعضها لم يعد متعا تناسب رغباتنا العصرية، لذا فلنكتفي بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولنبتغي مرضاة الله، حبا في الله لا طمعا فيما لديه.

يا نساء العالم العربي .... اتحدن

جداتنا الأوائل لم يقرن في البيوت ....فهل نقر نحن؟



الدوران في الحلقات المفرغة، هواية عربية بامتياز، فكلما حسمت قضية تأخذ بأيدينا نحو الأمام، نعود لنفتح ملفاتها من جديد وننقض ما تم الوصول إليه بهدف التقهقر إلى الوراء بدعوى العودة للأصول والجذور والتمسك بعادتنا وتقاليدنا وقوانيننا العربية المستقاة من ديننا الحنيف "الإسلام"! وربما يعمد محبو العودة إلى الجذور إلى طمر حقائق وحرق أوراق وإفساد معاني ...الخ، في سبيل تحقيق هدفهم، الذي يظهر في رداء بريء غالبا، حيث التمسك بالدين والعادات والتقاليد في مواجهة التيارات الغربية الفاسدة المفسدة!
من تلك القضايا التي كنت أعتقد أنها تم حسمها منذ عقود طويلة، قضية عودة المرأة إلى المنزل والبقاء فيه، وأن مهمتها الوحيدة في الكون هو الزواج ورعاية الزوج والأولاد وما يأتي بعد ذلك من كلمات براقة لكنها في أساسها خبيثة ومغرضة، مثل مملكة المرأة بيتها وأن المرأة مثل الجوهرة يجب الحفاظ عليها وعدم تعريضها لما يمكن أن يجرحها ويؤذيها، و غيرها من تلك العبارات الرنانة الطنانة التي هي في داخلها جوفاء لا تحمل قيمة ولا معنى حيث تكرس لقيمة المرأة الدمية وليست الانسانة التي خلقها الله في كبد مثلها مثل الرجل.

ونظرا لأننا دائما عندما ندخل في نقاش حول قضية من هذه القضايا، يتم مواجهتنا بقال الله وقال الرسول، من باب وضعنا في (خانة اليك) فإن أذعنت فستخسر قضيتك وإن عارضت تم وسمك بالكفر والخروج عن الدين، فلم يكن أمامي سوى أن أناقش هذه القضية من داخل الدين وليس من خارجه بأي حال من الأحوال.

تأتي الدعوى الخاصة بـ "مملكة المرأة بيتها" هذه من الآية الكريمة التي يعمد الجميع إلى ذكر أول كلمتين منها والتوقف، على أساس مبدأ ولا تقربوا الصلاة، فتجد الجميع يقول " وقرن في بيوتكن" ويصمت..في حين أن الأمر لا يتوقف عند هاتين الكلمتين من الآية الكريمة بل إنه يمتد ليأخذنا في طريق طويل..دعونا نقطعه سويا ولنبدأ أول خطوة فيه وهي ذكر الآية الكريمة كاملة من دون نقصان وهي الآية رقم 33 في سورة الأحزاب حيث يقول الله تعالى:

بسم الله الرحمن الرحيم
" وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا"

صدق الله العظيم
وهنا لمن لديه معرفة أولية باللغة العربي، يتبين أن الآية موجهة لأهل البيت، أي عائلة الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه في أول الآية تحدث بصيغة جمع التأنيث، ثم ختم بصيغة جمع التذكير (عنكم،يطهركم)، أي أن الأمر لا يشمل فقط نساء أهل البيت ولكن النساء والرجال وإن كان هناك تشديد على النساء لتقدمتهن وتخصيصهن في الآية. إذا الأمر الوارد في الآية الكريمة غير ملزم لجموع المسلمين من غير أهل البيت...ربما يكون هذا هو فهمي المتواضع للآية.. فماذا عن كبار المفسرين للقرآن؟

في تفسير الجلالين وهو تفسير موجز وقصير لكنه مفيد جدا نجد الآتي:

وَقَرْنَ" بِكَسْرِ الْقَاف وَفَتْحهَا "فِي بُيُوتكُنَّ" مِنْ الْقَرَار وَأَصْله : أَقْرِرْنَ بِكَسْرِ الرَّاء وَفَتْحهَا مِنْ قَرَرْت بِفَتْحِ الرَّاء وَكَسْرهَا نُقِلَتْ حَرَكَة الرَّاء إلَى الْقَاف وَحُذِفَتْ مَعَ هَمْزَة الْوَصْل "وَلَا تَبَرَّجْنَ" بِتَرْكِ إحْدَى التَّاءَيْنِ مِنْ أَصْله "تَبَرُّج الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى" أَيْ مَا قَبْل الْإِسْلَام مِنْ إظْهَار النِّسَاء مَحَاسِنهنَّ لِلرِّجَالِ وَالْإِظْهَار بَعْد الْإِسْلَام مَذْكُور فِي آيَة "وَلَا يُبْدِينَ زِينَتهنَّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا" "وَأَقِمْنَ الصَّلَاة وَآتِينَ الزَّكَاة وَأَطِعْنَ اللَّه وَرَسُوله إنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمْ الرِّجْس" الْإِثْم يَا "أَهْل الْبَيْت" أَيْ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "وَيُطَهِّركُمْ" مِنْهُ.

أما في تفسير ابن كثير وهو تفسير مطول تم إلحاق العديد من الأمثلة والأحاديث النبوية له، نجد الآتي:

"وقرن في بيوتكن" أي الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة شرعية " الصلاة في المسجد"، ثم يورد حديثا ( قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا حميد بن مسعدة حدثنا أبو رجاء الكلبي روح بن المسيب ثقة حدثنا البناني عن أنس رضي الله عنه قال: جئن النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى فما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، من قعدت منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين في سبيل الله تعالى." ثم قال لا نعلم رواه عن ثابت إلا روح بن المسيب وهو رجل من أهل البصرة مشهور. إذا الحديث غير موثوق به وصعب أن نأخذ به لأن مصادره غير موثقة ورواته غير معلومين فيما عدا واحد فقط كل مؤهلاته أنه رجل مشهور من أهل البصرة والشهرة بطبيعة الحال يمكن أن تدرك أي إنسان ربما يكون تاجر أو نجار أو حداد أو فنان أو أي شئ وليس بالضرورة أن يكون عالم دين....ثم يكمل ابن كثير طريقه في سرد الأحاديث (التي تحتاج إلى مراجعة) و تؤكد أن المرأة عورة وأنها سهلة المنال بالنسبة للشيطان لذا وجب حبسها في البيت وربما في قمقم مما يشكك في صحة نسب هذه الأحاديث للرسول عليه الصلاة والسلام.
يستمر ابن كثير في تفسيره للآية " ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى" فيصف ما هو التبرج حيث اتسع تفسيره للتبرج ولم يقتصر على الزينة فقط بل امتد لطريقة السير في الشارع، ثم يكمل الجزئية الخاصة بالصلاة والزكاة وطاعة الله ورسوله وهي لا تحتاج إلى توضيح، حتى يصل إلى الجزئية الخاصة بآل البيت ونجده لا يحسم أمره متأرجحا ما بين التأكيد على أن الآية مخصصة لأهل البيت " نساء النبي" فقط والإشارة إلى كونها تشمل نساء المسلمين كلهم... ونظرا لكون الأدلة والأمثلة الخاصة بكل من الرأيين كثيرة وطويلة لدى ابن كثير فسنورد مثالا على كل منها (يمكن الرجوع للأصل في حالة الرغبة في الزيادة).. ففيما يخص كونها نزلت في نساء النبي فقد أورد:
وَقَوْله تَعَالَى : " إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمْ الرِّجْس أَهْل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرًا " وَهَذَا نَصّ فِي دُخُول أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْل الْبَيْت هَهُنَا لِأَنَّهُنَّ سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة وَسَبَب النُّزُول دَاخِل فِيهِ قَوْلًا وَاحِدًا إِمَّا وَحْده عَلَى قَوْل أَوْ مَعَ غَيْره عَلَى الصَّحِيح وَرَوَى اِبْن جَرِير عَنْ عِكْرِمَة أَنَّهُ كَانَ يُنَادِي فِي السُّوق " إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمْ الرِّجْس أَهْل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرًا " نَزَلَتْ فِي نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّة.

أما فيما يخص كونها نزلت في عموم نساء المسلمين فقد أورد:

وَقَالَ عِكْرِمَة مَنْ شَاءَ بأهله أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْن نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ كَانَ الْمُرَاد أَنَّهُنَّ كُنَّ سَبَب النُّزُول دُون غَيْرهنَّ فَصَحِيح وَإِنْ أُرِيد أَنَّهُنَّ الْمُرَاد فَقَطْ دُون غَيْرهنَّ فَفِي هَذَا نَظَر فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيث تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد أَعَمّ مِنْ ذَلِك.

ومما سبق نكتشف أن ابن كثير، رغم كونه يعمد ويرغب في إثبات أن مكان المرأة هو البيت والبيت فقط (أعتقد لغاية ما في نفسه) إلا أنه لا يستطيع أن ينفي قوة التفسير الخاص بكون هذه الآية منزلة في أهل البيت وأهل البيت فقط، نظرا لوضوح الأمر في الآية مما يجعل من الصعب نكرانه أو إغفاله أو حتى لوي عنق الحقيقة الجلية فيه.
أما تفسير الطبري وهو من التفسيرات الشائعة لدى كثير من المسلمين نجد أمرا آخر، ألا وهو أن كلمة " قرن" تم الاختلاف على طريقة قراءتها من الأساس فيقول:

وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَقَرْن فِي بُيُوتكُنَّ } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ : { وَقَرْن } بِفَتْحِ الْقَاف , بِمَعْنَى : وَاقْرَرْنَ فِي بُيُوتكُنَّ , وَكَأَنَّ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَذَفَ الرَّاءَ الْأُولَى مِنْ اقْرَرْنَ , وَهِيَ مَفْتُوحَة , ثُمَّ نَقَلَهَا إِلَى الْقَاف , كَمَا قِيلَ : { فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ } 56 65 وَهُوَ يُرِيد فَظَلِلْتُمْ , فَأُسْقِطَتْ اللَّام الْأُولَى , وَهِيَ مَكْسُورَة , ثُمَّ نُقِلَتْ كَسْرَتهَا إِلَى الظَّاء , وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة وَالْبَصْرَة : { وَقِرْنَ } بِكَسْرِ الْقَاف , بِمَعْنَى : كُنَّ أَهْل وَقَار وَسَكِينَة { فِي بُيُوتكُنَّ } . وَهَذِهِ الْقِرَاءَة وَهِيَ الْكَسْر فِي الْقَاف أَوْلَى عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِنْ كَانَ مِنَ الْوَقَار عَلَى مَا اخْتَرْنَا , فَلَا شَكَّ أَنَّ الْقِرَاءَة بِكَسْرِ الْقَاف , لِأَنَّهُ يُقَال : وَقِرَ فُلَان فِي مَنْزِله فَهُوَ يَقِر وُقُورًا , فَتُكْسَر الْقَاف فِي تَفْعَل ; فَإِذَا أَمَرَ مِنْهُ قِيلَ : قِرْ , كَمَا يُقَال مِنْ وَزَنَ : يَزِن زِنْ , وَمِنْ وَعَدَ : يَعِد عِدْ , وَإِنْ كَانَ مِنَ الْقَرَار , فَإِنَّ الْوَجْهَ أَنْ يُقَالَ : اقْرَرْنَ , لِأَنَّ مَنْ قَالَ مِنَ الْعَرَب : ظَلْتُ أَفْعَل كَذَا , وَأَحَسْتُ بِكَذَا , فَأَسْقَطَ عَيْنَ الْفِعْل , وَحَوَّلَ حَرَكَتهَا إِلَى فَائِهِ فِي فَعَلَ وَفَعَلْنَا وَفَعَلْتُمْ , لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ فِي الْأَمْر وَالنَّهْي , فَلَا يَقُول : ظِلّ قَائِمًا , وَلَا تَظَلّ قَائِمًا , فَلَيْسَ الَّذِي اعْتَلَّ بِهِ مَنْ اعْتَلَّ لِصِحَّةِ الْقِرَاءَة بِفَتْحِ الْقَاف فِي ذَلِكَ يَقُول الْعَرَب فِي ظَلِلْت وَأَحْسَسْت ظَلْتُ , وَأَحَسْتُ بِعِلَّةٍ تُوجِب صِحَّته لِمَا وَصَفْت مِنَ الْعِلَّة , وَقَدْ حَكَى بَعْضهمْ عَنْ بَعْض الْأَعْرَاب سَمَاعًا مِنْهُ : يَنْحَطَنَّ مِنْ الْجَبَلِ , وَهُوَ يُرِيد : يَنْحَطِطْنَ , فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ صَحِيحًا , فَهُوَ أَقْرَب إِلَى أَنْ يَكُونَ حُجَّة لِأَهْلِ هَذِهِ الْقِرَاءَة مِنَ الْحُجَّة الْأُخْرَى .
ثم يكمل تفسير الآية بخصوص التبرج والصلاة والزكاة والطاعة لله وللرسول "وهو ليس موضوع بحثنا" حتى يصل إلى الجزء الخاص بأهل البيت فيقول:
{ إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت } يَقُول : إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمْ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ يَا أَهْلَ بَيْت مُحَمَّد , وَيُطَهِّرَكُمْ مِنْ الدَّنَس الَّذِي يَكُون فِي أَهْل مَعَاصِي اللَّه تَطْهِيرًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21725 - بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } فَهُمْ أَهْل بَيْت طَهَّرَهُمْ اللَّه مِنْ السُّوء , وَخَصَّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ .

بل إن الأمر لا يقف عند هذا الحد عند الطبري بل يزيد فيما يؤكد وجهة نظري الخاصة بأهل البيت من الذكور والنساء فيقول في تفسيره:
حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } قَالَ : الرِّجْس هَا هُنَا : الشَّيْطَان , وَسِوَى ذَلِكَ مِنْ الرِّجْس : الشِّرْك. اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِينَ عَنَوْا بِقَوْلِهِ { أَهْلَ الْبَيْت } فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيّ وَفَاطِمَة وَالْحَسَن وَالْحُسَيْن رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21727 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا بَكْر بْن يَحْيَى بْن زَبَّانَ الْعَنَزِيّ , قَالَ : ثنا مَنْدَل , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَطِيَّة , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي خَمْسَة : فِيَّ , وَفِي عَلِيّ , وَحَسَن , وَحُسَيْن رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَفَاطِمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا " { إِنَّمَا يُرِيد اللَّه لِيُذْهِب عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْت وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا }.

وتفسير الطبري للآية طويل حيث يستمر في تدعيم وجهة نظره الخاصة بكون أهل البيت هم عائلة الرسول ( علي وفاطمة والحسن والحسين فقط)، مما يزيد من تخصيص وقصر الآية على عدد محدود من ذوي الرسول وبما لا يشمل حتى زوجاته.

ونصل في النهاية إلى تفسير القرطبي الذي يتفق في الرأي مع الطبري بخصوص اختلاف قراءة "وقرن" مما يؤدي إلى اختلاف المعنى بين البقاء في المنزل أو الوقار والسكينة، لكنه أكثر ميلا للقراءة الخاصة بالاستقرار في المنزل، أما فيما يخص تخصيص الآية لأهل البيت فقط أم لعموم نساء المسلمين فيقول الطبري:
الثَّانِيَة : مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة الْأَمْر بِلُزُومِ الْبَيْت , وَإِنْ كَانَ الْخِطَاب لِنِسَاءِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ دَخَلَ غَيْرهنَّ فِيهِ بِالْمَعْنَى . هَذَا لَوْ لَمْ يَرِد دَلِيل يَخُصّ جَمِيع النِّسَاء , كَيْف وَالشَّرِيعَة طَافِحَة بِلُزُومِ النِّسَاء بُيُوتهنَّ , وَالِانْكِفَاف عَنْ الْخُرُوج مِنْهَا إِلَّا لِضَرُورَةٍ , عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي غَيْر مَوْضِع . فَأَمَرَ اللَّه تَعَالَى نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُلَازَمَةِ بُيُوتهنَّ , وَخَاطَبَهُنَّ بِذَلِكَ تَشْرِيفًا لَهُنَّ , وَنَهَاهُنَّ عَنْ التَّبَرُّج , وَأَعْلَمَ أَنَّهُ فِعْل الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى فَقَالَ : " وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّج الْجَاهِلِيَّة الْأُولَى " .

ثم يسهب في وصف أشكال التبرج أيام الجاهلية الأولى وهو مما لا يمكن أن يقع في عصرنا الحديث حتى في أكثر المجتمعات فجورا لأنه ينافي حقوق الإنسان وحقوق المرأة المكفولة لها عالميا، وعلى سبيل المثال يذكر القرطبي:
وَكَانَ النِّسَاء فِي الْجَاهِلِيَّة الْجَهْلَاء يُظْهِرْنَ مَا يَقْبُح إِظْهَاره , حَتَّى كَانَتْ الْمَرْأَة تَجْلِس مَعَ زَوْجهَا وَخِلّهَا , فَيَنْفَرِد خِلّهَا بِمَا فَوْق الْإِزَار إِلَى الْأَعْلَى , وَيَنْفَرِد زَوْجهَا بِمَا دُون الْإِزَار إِلَى الْأَسْفَل , وَرُبَّمَا سَأَلَ أَحَدهمَا صَاحِبه الْبَدَل .!!!!!!!!!!!!؟
مع ذلك نجد القرطبي يناقض نفسه في النهاية عندما يأتي على تفسير الجزء الخاص بأهل البيت في الآية الكريمة فيقر بأن الآية نزلت في أهل النبي، فيقول:
قَالَ الزَّجَّاج : قِيلَ يُرَاد بِهِ نِسَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ : يُرَاد بِهِ نِسَاؤُهُ وَأَهْله الَّذِينَ هُمْ أَهْل بَيْته.

وبعد أن أوردنا أشهر أربع تفسيرات قرآنية للآية، نجد أن الكفة الراجحة تميل نحو أن هذه الآية مخصصة فقط لآل البيت، سواء كان المعنى المقصود هو البقاء في المنزل أو الوقار والسكينة حيث اتفق اثنان على ذلك بينما تأرجح اثنان بين كونها تقصد أهل البيت فقط أم عموم نساء المسلمين، بل إن الأمر مضى لتضييق أهل البيت، على فاطمة وعلي والحسن والحسين دون زوجات الرسول.... لذا وبعد كل ما سبق هل يمكن أن نفكر في الآية على أنها إلزاما وحكما إسلاميا للمرأة بأن تعيش حبيسة دارها خاصة وأننا نعيش في عام 2007 ؟ أما بخصوص الأحاديث الواردة بخصوص هذا الأمر فأنا أطالب علماء الدين بمراجعتها للتأكد من صحة نسبها للرسول، خاصة وكما رأينا لدى ابن كثير، أنه غير متأكد من صحة سند الحديث الذي أورده في تفسيره، كما أن بعض هذه الأحاديث، من الصعب أن أصدق (بشكل شخصي) أن الرسول الذي لا ينطق عن الهوى قد قالها في يوم من الأيام.

التاريخ الإسلامي ينفي قرار المسلمة في بيتها

لم يذكر التاريخ الإسلامي منذ بداية سطوره الأولى، أن المرأة اختبأت داخل المنزل منتظرة حتى يحدد الرجل مصيرها، لم تقر النساء المسلمات الأوائل في البيوت ولم يكن مواطنات من الدرجة الثانية في الأمة الإسلامية الوليدة وحتى اكتمل بنائها، بل اشتركن في بنائها منذ اللحظة الأولى. وأعتقد أن المسلم العادي درس في المدرسة عددا لا بأس به من الشخصيات النسائية التي شاركت في بناء الأمة منذ لحظاتها الأولى، منهن على سبيل المثال لا الحصر أول شهيدة في الإسلام سمية بنت الخياط، أم عمار ابن ياسر، من أوائل من بايعوا الرسول على الإسلام، فكانت واحدة من سبعة يعدوا أول من اعتنق الدين الجديد بعد أبو بكر وعلي وخديجة رضي الله عنهم جميعا، وهي تعد أول من أظهر اعتناقه الإسلام وأول من استشهد في سبيله على مستوى الذكور والإناث، وقد تحملت العذاب الذي كيل لها في حي من بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأبت غيره حتى طعنها أبو جهل بحربة بيده في قُبلها فماتت على إثرها.
ولماذا نذهب بعيدا والسيدة خديجة بنت خويلد أكبر مثل على دور المرأة الحيوي والجوهري في بناء الأمم وتشييدها، ليس بالاختباء في المنزل والغياب عن مراكز صنع القرار ولكن بالبقاء في قلب الأحداث، بل وتحريكها، ولن أقوم بسرد ما يعلمه أقل المسلمين علما بخصوص أمنا خديجة التي بذلت الجهد والمال في مناصرة الرسول والاسلام حتى ماتت ويكفي ما قاله عنها رسول الله عليه الصلاة والسلام عندما شعرت عائشة بالغيرة منها وقالت " هل كانت إلا عجوزا فأبدلك الله خيرا منها" فغضب الرسول حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ثم قال: " لا والله ما أبدلني الله خيرا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، ورزقني الله منها أولادا إذ حرمني النساء" .

وماذا عن باقي نساء الإسلام في عهد رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ يذكر التاريخ أن الرسول (ص ع م) عمل على تحرير المرأة وإشراكها حتى في ميادين القتال والحرب، فعندما نزلت الآية التي تعطي للمرأة حق الميراث من أبويها وذويها جاء بعض من المسلمين إلى رسول الله وقالوا له " كيف تعطي المرأة الربع والثمن، وتعطي البنت والأخت النصف، وهي لا تركب فرسا، ولا تقاتل عدوا ولا تحوز الغنيمة". ولم يستجب الرسول لطلبهم مما حتم على المرأة أن يكون لها دورا في الجهاد من أجل نشر الدين الذي حقق لها الحرية والعدالة ووضعها في مصاف البشر، فنجد أن السيدة فاطمة بنت النبي والسيدة عائشة وأم سلمة من زوجات النبي قد شاركن في غزوة أحد، ولم يكن وحدهن بل شاركت النساء من زوجات المهاجرين والأنصار حيث كن يقدمن الخدمات الميدانية للمجاهدين، وقد روى الإمام مسلم عن أنس أنه قال (كان رسول الله (صعم) يغزو بأم سليم، ونسوة الأنصار معه، لما غزا يسقين الماء، ويداوين الجرحى). بل إنهن شاركن في القتال على حسب رواية الإمام مسلم عن أبي طلحة أنه رأى أم سليم في غزوة حنين وبيدها خنجر، فعرض الأمر على رسول الله، فقال: يا أم سليم ما هذا الخنجر؟ فقال: أخذته حتى إذا قرب مني مشركا أبقر بطنه، فضحك النبي ثم قالت: يا رسول الله، إن الطلقاء الذين انهزموا هل أقتلهم؟ فأجاب: يا أم سليم إن الله قد كفانا.)
ويذكر التاريخ أيضا قصة لامرأة تدعى أم عطية، فقد روى الإمام مسلم أنها قالت: غزوت مع رسول الله سبع غزوات، أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأدواي الجرحى، وأقوم على المرضى.).. ولعل من أكثر الطبيبات والأطباء شهرة في عهد الرسول "رفيدة" التي كانت لها خيمة مخصوصة تقوم فيها بمداواة الجرحى، وفي غزوة الخندق لعبت دورا كبيرا حتى أن رسول الله أمر قوم سعد ابن معاذ بعد أن أصيب في المعركة قائلا: اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده قريبا. ولا أعتقد أن التاريخ ذكر شيئا مشابها على لسان رسول الله بخصوص رجل.

مسلمات طليعيات في عصر الخلافة

دائما هناك نماذج نسوية مضيئة على امتداد عصور الخلافات الإسلامية التي تعاقبت على المسلمين، منذ وفاة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، وحتى نهاية عصر الخلافات، وإن كنا دائما ما نواجه مقولة من إخواننا، مؤيدي استئثار الذكور بالشارع والحياة العامة، تذكر أن النماذج الإيجابية من النساء قليلة جدا مقارنة بالرجال الذين ذكرهم التاريخ، وفي الحقيقة هي مقولة حق يراد بها باطل، حيث أن التاريخ لم يذكر أن الرجال عن بكرة أبيهم على امتداد العصور التاريخية كانوا نابهين وزعماء وعلماء ... الخ، لكن أتى على ذكر نماذج قليلة من الرجال التي أثرت في مسار الأحداث التاريخية، وبنظرية النسبة والتناسب سنجد أن المسألة متساوية في النهاية، لأن المرأة دائما ما كانت تتعرض مع كل عصر ظلامي إلى الحجر عليها وتضييق سبل الحياة حولها مما يجعلها تضطر إلى الانسحاب والاحتجاب في المنزل، ولا أدل على ذلك من مثال، إلا عصر المماليك وتحديدا عصر الحاكم بأمر الله. لذا فإنه بالمحصلة سنجد أن نسبة النساء النابهات اللائي شاركن في الحياة وساعدوا على تغييرها، مساوية للرجال وفقا للظروف القاهرة التي كانت تفرض عليها في عصور كثيرة.
أيام الخلفاء الراشدين عاشت المرأة ظروفا متميزة، سمحت لها بأن تشارك الرجل في كل الميادين حتى ميادين القتال، فلقد كانت أروى بنت حارس بن كلدة، في ميادين القتال محاربة ضد الفرس، حيث جعلت من جلبابها علما رفعته، فتبعتها النساء المسلمات وركبن معها خيولا، ودخلن ساحة القتال، وحينما لاقين المقاتلين الرجال الذين كانوا يقاتلون ضد جيش فارس انضممن لهم، وشاركن في الهجوم على العدو. وفي غزوة اليرموك عندما كان خالد بن الوليد ينظم الجيش، جاءت النساء وطالبت خالد بأن يحدد لهن دورا، فقام بتحديد أدوارا عدة لهن، وجعل فرقة من النساء تحت قيادة خولة بنت الأزور، وسمح لهن بدخول ميدان الحرب، فدخلن وحاربن بثبات وقوة وشرف إلى أن جرحت خولة بطعنة سيف. ويذكر أنه أثناء عملية التعبئة لليرموك، قررت عددا من النساء أن ينصرفن عن الحملة في جمعية الجيش على العدو، فقامت خولة ومعها بعض من النساء وقصدن أعمدة الخيام وأخذن يضربن بها تلك النساء، وقلن لهن أخرجن من بيننا فإنكن تسئن سمعتنا في المعركة، مما جعل تلك النسوة يندمن على ما فعلن واعتذرن وعدن إلى الصف وقاتلن قتالا شديدا.
وقد حضرت غزوة اليرموك أم عبد الله بن يزيد الكلبية، وكان زوجها حبيب ابن مسلمة قائدا للجيش الإسلامي في محاربة الروم من قبل معاوية بن أبي سفيان، وقد ركب ليلا للهجوم على العدو، فسألته: أين تذهب يا حبيب؟ فأجاب: أن أظفر على خيام هذه الطوائف الطاغية، أو أذهب إلى الجنة. ولما ذهب زوجها وانتصر، قال عمر: إن أم عبد الله أحق به فإنها كانت توفر لنا القرب يوم أحد.
وأم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصاري، جاءت إلى الخليفة أبو بكر الصديق عندما جهز جيشا بقيادة خالد لقتال مسيلمة الكذاب لما ادعى النبوة، وطلبت أن يسمح لها بالدخول في صف الجيش الإسلامي، فسمح لها، والتحقت بصفوف المقاتلين، ولما اشتدت الحرب، ظلت تترقب حتى حملت على مسيلمة الكذاب لقتله، لكنها لم تتمكن من قوة دفاع رجاله عنه، وقطعوا يدها، فلم تعبأ وحولت مرة ثانية، فرآها ابنها فأسرع إلى قتل عدوها. وقد كانت أم عمارة قد جرحت في حرب اليمامة إحدى عشر مرة بالسيف والنبال والرمح، لكنها ثبتت حتى نهاية الحرب، ولما عادت إلى المدينة ظلت تحت العلاج، وكان الخليفة أبو بكر يعودها بنفسه حتى يطمئن عليها.
وشخصية هند بنت عتبة التي ربما يكرهها بعضنا كونها آكلة كبد حمزة في أحد، لكنها بعد إسلامها تحولت لخير نصير ومدافع عنه وعملت جاهدة على أن تكفر عن ما قامت به في جاهليتها، ومن الأمثلة على ذلك عندما تأخر فرسان الجيش الإسلامي في غزوة اليرموك وكان من بينهم زوجها أبو سفيان، وجاءوا إلى نساء المسلمين في الصفوف الخلفية، وكانت من بينهن هند بنت عتبة، وعلمت مع النساء أن الرجال جبنوا وهربوا من صفوف القتال، فقلن بصوت مرتفع: أيها الرجال أين تذهبون، وأنتم تهربون، وإلى أي جهة من جنة الله تنزوون، إن الله مطلع على أموالكم فاتقوه. وأخذت هند عامود خيمة وضربت به على رأس فرس زوجها قائلة: يا ابن صخر ارجع إلى محاربة العدو فورا، واجعل نفسك فداءاً في سبيل الحصول على رضاء الله تعالى حتى يغفر لك ذنوبك التي سبقت منك، واذكر تلك التي كنت فيها تحرض على الناس على خلاف رسول الله وتساعد الكفار والمشركين على محاربته.
وكانت أسماء بنت أبي بكر (ذات النطاقين) قد مالت بفرسها إلى جانب فرس زوجها الزبير بن العوام، ووقفت في صف الفرسان تقابل جيش العدو، ولم تكن أقل شجاعة من زوجها في استخدام السيف ومواجهة الكفار، فكانت شجاعتها هي ومن معها من النساء تشجع الرجال على الثبات في الميدان، وانتهى القتال بفتح اليرموك.
أما أم حرام بنت ملحان زوجة الصحابي عبادة بن الصامت، فكانت قد طلبت من رسول الله أن يدعو لها بأن تكون من غزاة البحر، فأجاب لها طلبها، وبالفعل شاركت في غزوة معاوية إلى الشام ثم إلى قبرص في زمن خلافة عثمان بن عفان وقد كان في هذه الغزوة أبو ذر الغفاري وزوجها، وقد توفت بعد فتح قبرص ودفنت فيها.
كما شاركت بكارة الهلالية في موقعة صفين مع علي بن أبي طالب، وكانت إلى جانب شجاعتها صاحبة لسان فصيح في الشعر والنثر ولها كلمات حماسية ألقتها في المعركة حرضت فيها على التضحية والتفاني في قتال الأمويين. وكذلك زرقاء بنت عدي بنت قيس الهدانية، كانت من اللواتي قاتلن في معركة صفين ضد الأمويين، وكانت مثل بكارة تملك الفصاحة والبلاغة، ومن شجاعتها أنها اعترفت بدورها إلى جوار علي بن أبي طالب أمام معاوية نفسه عندما وقعت في الأسر.

المرأة المسلمة تشارك في السياسة والدين

وأثبتت المرأة في عصر الخلفاء الراشدين أنها صاحبة رأي وعلى علم بأمور دينها ودنياها، فكانت تحاجج القادة والخلفاء في الشارع والمسجد، مما يدل على أنها لم تكن قابعة بالمنزل تنتظر المصير الذي يقره لها الرجل، ويذكر أنه لما عاد خالد بن الوليد من غزوة اليرموك نزلت زرعة بنت حارث من تل كانت عليه وقالت: يا خالد إنك من شجعان العرب وعظمائهم، وطبيعي أن يتبع الناس أميرهم في ميدان الحرب، فإذا ثبت هم يثبتون.
فأجابها خالد: إن كلامك صحيح، ولكني لم أكن من الهاربين، ولم تتغير حالتي في أي وقت من الأوقات وقد حاربت جيش الروم إلى آخر الحال.
وعندما وقف عمر بن الخطاب في المسجد يخطب الجمعة وتحدث عن مهور النساء، ردته إحداهن قائلة أن هذا يخالف القرآن الكريم الذي قال " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة"، فقال عمر كلمته الشهيرة" أصابت امرأة وأخطأ عمر." ومن هذه الواقعة نستطيع اكتشاف أن المرأة كانت تخالط الرجل في المسجد وتحاجج الإمام ، ومحاجة الإمام تعني أنها لم تكن تجلس في غرفة منعزلة داخل الجامع ويصل إليها صوت الإمام عبر مكبر للصوت، إنما كانت تجلس قبالته في صفوف المصلين تسمع الخطبة وتناقشها بجرأة.

كما شاركت المرأة في سياسة أمتها الإسلامية منذ اللحظة الأولى، فهناك في التاريخ ما يسمى بـ "بيعة النساء" وإن قام فقهاء عصرنا بالتشكيك فيها وقالوا أنها مختلفة عن بيعة الرجال وناقصة وغير ملزمة بشكل كلي، حيث ينقصها الكيفية، إذ لا يتطلب فيها المصافحة كما في بيعة الرجال، والاختلاف على الحدود إذ تقتصر على الطاعة في المعروف، والاختلاف في مساحة المسامحة حيث عدم الوفاء بالبيعة يعد انتقاصا في دين المرء وتعديا على حق من حقوق الله عند الرجال، لكن لا تحمل كل تلك المعاني عند النساء.
ويرد محمد زيدان على هذا الإدعاء في دراسة له عن البيعة الإسلامية قائلا: ويعكس هذا الفصل النظري والمفاهيمي بين الرجال والنساء في الأهلية السياسية غياب الوعي بالتفرقة بين البيعة العينية والبيعة الكفائية من ناحية، وافتراض نقص أهلية المرأة فطريا وجبلة من ناحية ثانية؛ إذ إن بيعة النساء تتجاوز حدود الطاعة في المعروف لتشمل البيعة على العقيدة أي الالتزام السياسي، وعليها بايع رسول الله نساء الأنصار، والمهاجرات بعد صلح الحديبية، ونساء قريش بعد الفتح على ذلك وهي البيعة الواجبة عينا على كل مسلم ومسلمة بدون اختلاف في الصيغة أو تمييز في المسئولية، كذلك قد تبايع المرأة البيعة الكفائية، وتعد شخصية مثل "نسيبة بنت كعب" نموذجا على هذا الحالة، فقد بايعت الرسول على الجهاد في بيعة العقبة الثانية، وقاتلت في غزوة أحد، ويوم اليمامة، وغزوة خيبر، كما بايعت بيعة الرضوان التي بايع فيها الصحابة رسول الله على الموت! وهو ما يدل على التزامها بالبيعة رغم أنها بيعة كفائية لأن فروض الكفاية على أهلها فروض عين، فلا مجال لمسامحة النساء كما ذهب الرأي سالف الذكر؛ وهو ما يعني وجوب التزام النساء بالبيعة أيًا كان نوعها، كل امرأة وفق أهليتها، وعدم وجود مجال للمسامحة أو قبول مبدأ "نصف المسئولية ونصف الحق" كما ذهب التقسيم السابق.
أما الانشغال بحرمة المصافحة فهي قضية خلافية، ومن الطريف الانشغال بها عند دراسة الرواية عن صيغة بيعة الرسول للنساء عن تأسيس وجوب مشاركة النساء في العمل السياسي والعمل العام بكافة صوره ابتداء، وهو ما غرسه الرسول في الجماعة المسلمة منذ بواكير الدعوة بما لا يدع مجالا للبس أو شك."

نساء عالمات وأديبات وفقيهات وأئمة

بعد أن فتح الإسلام الباب للمرأة كي تنطلق، حلقت بكلا جناحيها عاليا، فكانت طبيبة وعالمة وشاعرة وخطيبة وفقيهة بل ثائرة وإمامة، وليس أدل على ذلك من السيدة عائشة رضي الله عنها التي تعد من أهم رواة الأحاديث النبوية على الإطلاق، وقد نقل عنها وحدها 2200 حديث، والسيدة نفيسة العلم نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن الإمام علي، حفيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذهبت السيدة نفيسة إلى القاهرة عام 193 هجرية، قبل أن يقدم إليها الإمام الشافعي بخمس سنوات، ونزلت بدار سيدة من المصريين تُدعى "أم هانئ" وكانت دارًا رحيبة، فأخذ يقبل عليها الناس يلتمسون منها العلم، حتى ازدحم وقتها، وكادت تنشغل عما اعتادت عليه من العبادات، فخرجت على الناس قائلة: "إني كنت قد اعتزمت المقام عندكم، غير أني امرأة ضعيفة، وقد تكاثر حولي الناس فشغلوني عن أورادي، وجمع زاد معادي، وقد زاد حنيني إلى روضة جدي المصطفى" ففزع الناس لقولها، وأبوا عليها رحيلها، حتى تدخَّل الوالي "السري بن الحكم" وقال لها: "يا ابنة رسول الله إني كفيل بإزالة ما تشكين منه" ووهبها دارًا واسعة، ثم حدد موعدًا -يومين أسبوعيًا- يزورها الناس فيهما طلبًا للعلم والنصيحة، لتتفرغ هي للعبادة بقية الأسبوع، فرضيت وبقيت.
وكان الأمراء يعرفون قدرها وقدرتها على توجيه عامة الناس، بل دفعهم للثورة في الحق إن احتاج الأمر، حتى أن أحد الأمراء قبض أعوانه على رجل من العامة ليعذبوه فبينما هو سائر معهم، مرّ بدار السيدة نفيسة فصاح مستجيرًا بها، فدعت له بالخلاص قائلة: "حجب الله عنك أبصار الظالمين" ولما وصل الأعوان بالرجل بين يدي الأمير، قالوا له: إنه مرّ بالسيدة نفيسة فاستجار بها وسألها الدعاء فدعت له بخلاصه، فقال الأمير: "أو بلغ من ظلمي هذا يا رب، إني تائب إليك واستغفرك؛ وصرف الأمير الرجل، ثم جمع ماله وتصدق ببعضه على الفقراء والمساكين".
ويذكر القرماني في تاريخه ويؤيده في روايته صاحب الغرر وصاحب المستطرف -وهما من رواة التاريخ الثقاة - أن السيدة نفيسة -رضي الله عنها- قادت ثورة الناس على ابن طولون لمّا استغاثوا بها من ظلمه، وكتبت ورقة فلما علمت بمرور موكبه خرجت إليه، فلما رآها نزل عن فرسه، فأعطته الرقعة التي كتبتها وفيها: "ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وخولتم ففسقتم، وردت إليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نفاذة غير مخطئة لا سيّما من قلوب أوجعتموها، وأكباد جوعتموها، وأجساد عريتموها، فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم، اعملوا ما شئتم فإنَّا إلى الله متظلمون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون"! يقول القرماني: فعدل من بعدها ابن طولون لوقته!
ولمَّا وفد الإمام الشافعي -رضي الله عنه- إلى مصر، وتوثقت صلته بالسيدة نفيسة، واعتاد أن يزورها وهو في طريقه إلى حلقات درسه في مسجد الفسطاط، وفي طريق عودته إلى داره، وكان يصلي بها التراويح في مسجدها في شهر رمضان، وكلما ذهب إليها سألها الدعاء، حتى إذا مرض كان يرسل إليها من يُقرئها السلام ويقول لها: "إن ابن عمك الشافعي مريض ويسألك الدعاء". وأوصى الشافعي أن تصلي عليه السيدة نفيسة في جنازته، فمرت الجنازة بدارها، حين وفاته عام 204 هجرية وصلّت عليه إنفاذًا لوصيته. وأعتقد أن هذا أبلغ رد يمكن أن يوجه على معارضي إمامة المرأة الصلاة، حيث صلت السيدة نفيسة على الإمام الشافعي بطلب منه، كما أنهما اعتادا أن يجتمعا في دارها يوميا دون أن يوجه إليهما أحدا تهمة المخالطة غير الشرعية، مما يدل على أن المرأة والرجل شريكين حقيقين في كل مكان، السوق والمسجد ومجالس العلم، وأن الاختلاط بينهما ليس كله شر مثلما يصور علماء ديننا المعاصرين للأسف.
إن دعاوى التضييق على المرأة باسم الدين باطلة من أساسها، حتى ولو كان بدعوى أن المرأة يجب أن تلزم دارها اتقاء لأي اعتداء جنسي عليها أو لأنها قد تكون ضعيفة أمام الإغواءات الذكورية ( صورة الذئب والحمل المقيتة)، لأن الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز ساوى في العقاب بين الزاني والزانية مما يساوي بينهما في تحمل المسئولية، كما أن حفظ الفروج واجب ليس على المرأة وحدها ولكن على الرجل أيضا كما قال الله تعالى في كتابه العزيز في الآية 35 من سورة الأحزاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما.
صدق الله العظيم

ولا أبلغ للرد على دعاة عودة المرأة للمنزل باسم الدين سوى هذه الآية القرآنية البليغة التي ساوت في كل الأمور بين المرأة والرجل، مما يدل على أن المسئولية متساوية بين الاثنين في الإسلام وبالتالي القدرة على الفهم والعقل والوعي متساوية لدى الطرفين، مما يؤدي في النهاية إلى تساوي دور كل من الرجل والمرأة في المجتمع سواء كان في المنزل أو في الشارع، وإن كانت المرأة يجب أن تقر في بيتها للحفاظ عليها من شرور الشارع، فمن منطلق هذه الآية يجب على الرجل أيضا أن يقر في بيته ولنتحول بعد ذلك إلى مجتمعات تتحرك داخل المنازل.
وفي النهاية لا أملك سوى أن أقول " يا نساء العالم العربي والإسلامي اتحدن ولا تنسقن وراء هذه الدعاوى بل دافعن عن حقوقكن التي كفلها الله لكن ولا تنتظرن أن يمنحها أو يمنعها عليكم الرجال.




َ

الحجاب..... كلا كيت مليون مرة

أعلم تماما أنه موضوع ممل ومكرر، وأصبح الحديث فيه لا يختلف نهائيا عن الحديث في مشكلة توريث الحكم في مصر...كلام بدون نتيجة أو اتفاق على تسوية ما.... وأعني تماما كلمة تسوية لأن الأمر أصبح شبه معركة بين المحجبات وبين النساء اللائى يرفضن منطق الحجاب ويفصلن بين أن تكون المرأة مسلمة وأن تكون محجبة.... ومن عاصر موضوع الحجاب منذ بداياته أو على الأقل فترة صعوده وانتشاره يلاحظ أن الفتيات اللائى قررن ارتداء الحجاب أو قرر ولي أمرهن سواء كان الأب أو الزوج (للأسف المرأة المصرية يجب أن يكون لها وليا حتى الآن وفقا للأعراف وليس القانون) أن يفرض عليهن هذا الزي، كن يدافعن عن موقفهن بالقول أن هذا الأمر حرية شخصية..لكن بعد أن انتشر الحجاب لأسباب لن أخوض فيها الآن وأصبحت له اليد العليا ، بدأ الهجوم على غير المحجبات واتهامهن بالفسوق وعدم الانصياع للأمر الإلهي بل ووصل الأمر في بعض الحالات إلى اتهامات بالخروج على الدين.
من هذا المنطلق أصبح الحديث عن الحجاب أمر لابد منه باستمرار، للوقوف أمام الفكر السائد الآن والذي يقول بأن الحجاب فرض سادس وواجب على المرأة المسلمة، ولأنه في عصرنا الحالي أصبحت الفتوى هواية تتم ممارستها على المقاهي وفي الاجتماعات العائلية من قبل ربات البيوت، اللائى لا يجدن ما يشغلهن بعد انتهاء مرحلة تربية الأبناء، ولأن موضوع الحجاب نفسه أصبح وسيلة للتباهي بين فارغات العقول، حتى يثبتن أنهن فضليات ومفضلات عند الله، نظرا لأنهن لم يحققن شيئا على أرض الواقع، وتجد الواحدة منهن تتباهى بأدائها الديني فتشغل الدنيا من حولها لأنها تصلي وتثير الذعر في المنطقة التي تستقر داخلها إذا ما تسللت شعرة من أسفل غطاء رأسها، أو ظهر جزء من ساقها بشكل عفوي أثناء الحركة، أو تجلس لتتحدث عن كيف تشعر بالراحة وهي داخل كومة القماش التي تعبأت داخلها بينما في نفس الوقت تستعرض صورا لها بشعرها حتى تثبت لنا نحن غير المحجبات أنها تمتلك شعرا أجمل وأحلى وأنها جميلة وفاتنة ولا تقل عنا في شئ وغالبا ما يتم استعراض الصور في حضور بعض الذكور، كي تتلقى بعض التعليقات منهم وتجيب هي عليها بأنها للأسف لا تستطيع أن تعرض عليهم الصور لأنه حرام ( حتى الآن لا أدري ما العلاقة بين التصوير بالبيبي دول والمحجبات)، ولأن الحجاب أصبح ظاهرة مرضية مثل عدوى الإنفلونزا التي تنتقل بدون مبررات بين الجميع في ساعات معدودة، حتى أنك ترى الفتيات في الشوارع يرتدين الجينز الضيق والقمصان القصيرة التي تظهر من وقت لآخر البطن فتظل الواحدة منهن تشد القميص عليها كل ثانية، بينما غطاء الشعر الذي يصل تعداد أمتاره لما لا يقل عن ثلاثة أمتار يتربع على رأسها في ثلاثة ألوان كحد أدنى والمكياج على الوجه صارخ يحاكي مكياج العروس في ليلة زفافها.

كرنفال أزياء الشعوب

في البداية أقر أنني لست ضد أي إنسان يختار أي شئ لنفسه، فأنا أحترم تماما اختيار أي امرأة أو أي رجل لطريقة ملبسه، لكن ما لا أحترمه هو أن يقرر أي إنسان أن طريقة ملبسه هي الطريقة الصحيحة وهي التي نصت عليها النصوص الدينية، ومن ثم يقصي الآخرين ليتحولوا إلى كفرة وخارجين على الدين. كما أنني بالتأكيد ضد من يتخذ لباسا لا علاقة له بثقافتنا المصرية، فإن كانت الأزياء الأوروبية تحولت إلى أزياء شائعة عالميا وأصبح الجميع يرتدونها على اعتبار أنها لا تخص ثقافة أو شعب بعينه، تبقى الأزياء الوطنية الأخرى تخص كل شعب على حدة، فبالتأكيد سيكون الأمر غير طبيعي إذا ما شاهدنا امرأة مصرية ترتدي الكيمونو الياباني في الشارع أو شاهدنا رجلا مصريا يرتدي الجونلة الاسكتلندي! لكننا بالتأكيد لن نشعر بالغربة أمام الملس أو الجلباب الصعيدي.
الغريب فعلا أن الشارع المصري اختفت ملامحه، حتى أنني عندما أسير في وسط البلد بالقاهرة، أتساءل إذا ما كنت بعدي فيها لم أذهب إلى إيران أو باكستان أو السعودية أو أفغانستان...لا أدري لماذا عندما قرر المصريون العودة إلى الجذور اختاروا جذور شعوبا أخرى ولم يختاروا جذورهم هم، لا أدري لماذا لم تعد النساء لارتداء الملاءة اللف بدلا من العباءة السوداء الخليجية، ولماذا لم تعد لارتداء الملس الصعيدي بدلا من الإسدال الإيراني، ولماذا قررت المنقبات (رغم رفضي الشديد له) ارتداء النقاب على الطريقة السعودية ولم يرتدينه على الطريقة المصرية ( عودة بسيطة لأفلام ثورة 19 لمعرفة شكل ارتداء المرأة المصرية للنقاب). هل إلى هذه الدرجة ضاعت هويتنا كمصريين ولم تعد لنا ملامح حتى أصبحنا وعاءً فارغا يستقبل أي شئ وكل شئ ونقبل عليه دون أدنى تفكير في ما إذا كان لائقا بنا وبثقافتنا أم لا؟ أم أن ثقافة " كل ما هو مصري عيب وحرام وتخلف" وكل ما هو سعودي "لائق وحلال واستنارة" قد انتشرت لدرجة أصبحت كالثعبان الذي لف على جسد مصر وأخذ يعصره حتى وصلنا إلى حد الاختناق.
أعتقد تماما بأن أزيائنا المصرية التراثية أهم وأجمل ولائقة بنا أكثر، فلماذا لا تتجه بيوت الأزياء المصرية التي تفننت في استيراد أزياء الشعوب الأخرى ونشرها بين المصريين، أن تستوحي أزيائنا التقليدية المتنوعة والمتعددة من وجه قبلي لوجه بحري ومن سيناء إلى مرسى مطروح، لتقدم لنا ملابس محتشمة قريبة من ثقافتنا وخصوصيتنا كمصريين بدلا من كرنفال أزياء الشعوب الذي نتعرض له يوميا في الشارع المصري ويطمس ملامحنا وهويتنا.

لماذا يخاف الرجل من جسد المرأة؟

سؤال لطالما سألته لنفسي منذ كنت فتاة مراهقة، تم فرض الحجاب عليها من قبل مجتمع المدرسة (نعم كنت أرتدي الحجاب)، فدائما المحظورات الخاصة بالجسد والتعامل معه ، خاصة بالمرأة، مثلا نسمع باستمرار جملة أن جسد المرأة عورة، وأن المرأة فتنة للرجل و أنها مصدر إثارة وإغواء للرجل وأن أي ظاهرة انحراف أو فساد تأتي من قبل الشباب يكون سببها جسد المرأة.... كل هذا جعل النساء أنفسهن يتعاملن مع أجسادهن بريبة وخوف وبالطبع بعضهن قرر الاستفادة من تلك البضاعة التي عليها ألف محظور مما جعل الإقبال عليها متزايدا. أذكر حالتين لفتاتين الأولى قالت أنها تكره أن يرى أي مخلوق أي جزء من جسدها حتى هي نفسها تتحاشى النظر لجسدها في الحمام أو أثناء تبديل ملابسها أمام المرآة، وأنها لو وجدت شيئا أشد من النقاب لارتدته حتى لا يلحظها أحد نهائيا في الشارع، بالتأكيد هذه الفتاة تعرضت لأزمة نفسية منذ طفولتها جعل ما تفعله بجسدها رد فعل طبيعي لأنه لا يوجد إنسان سليم نفسيا يفضل الاختفاء عن الوجود. أما الحالة الثانية فهي لفتاة جامعية من أسرة متوسطة ترتدي الحجاب الاحتفالي لكنها تدرك جمالها أو بمعنى أصح قيمة جسدها في مجتمع يقيم المتاريس على جسد المرأة ثم يدفع نظير التعامل معه مالا كثيرا، هذه الفتاة قررت أن تستفيد من جسدها كي تؤمن مستقبلها المادي نظرا لأن والدها موظف عادي ووالدتها مدرسة لا يمتلكان الكثير ليقدمانه لفتاة لديها الكثير من التطلعات المادية في مجتمع أصبح يقدس المادة ومظاهرها رغم أنه يتخذ صورة متدينة. وبالفعل تدرس الفتاة في الجامعة باجتهاد وفي نفس الوقت تجمع النقود بجسدها آملة أن توفر لنفسها حياة مرفهة في المستقبل، بل إنها تحلم بالزواج والحصول على أطفال.
لقد ساعدت القيم الذكورية في المجتمع على انتشار الأمراض النفسية والاجتماعية التي أفرزت مثل هاتين الفتاتين، فلماذا دائما جسد المرأة ولماذا لا يوجد أي شئ يخص جسد الرجل وكأن الحياة للرجل فقط وقوانينها تم تأسيسها على أساس مصالحه؟ فأين جسد الرجل ولماذا هو جسد بلا محظورات ولا متاريس مقامة حوله؟ هل نحن النساء لا قيمة لنا ولا ذكر في هذه الحياة؟ لماذا لم يفكر أحد أننا يمكن أن نثار من جسد الرجل أم أنكم اطمأننتم من عدم حدوث ذلك بفرض الختان علينا؟ لماذا لم يفكر أحد في أن الرجال فتنة لنا وأن أجسادهم جميلة أيضا من وجهة نظرنا، أم أنكم أسستم قيم الحياة من وجهة نظر واحدة؟ ولماذا وهذا هو الأهم يخاف الرجال من جسد المرأة إلى الحد الذي يصل بالبعض أن يدعي فرض الإسلام النقاب على المرأة؟.
الحجاب موضة وليس دينا
أعود وأؤكد أنني لست ضد من ترتضي ما يعرف باسم الحجاب زيا، حيث أن هذا الزي ارتبط كثيرا بالأزياء النسائية العربية، حتى تحول إلى ثقافة عامة في الملبس، ولطالما تزيت نساء جميع الثقافات في العصور الوسطى بالملابس الكاسية السابغة وكذلك قمن بتغطية رؤوسهن، تماما مثلما غطى الرجل رأسه، فلقد كانت الرؤوس الحاسرة عيبا حتى مطلع ومنتصف القرن العشرين حيث كان الرجل يرتدي القبعة وفي البلاد التابعة للدولة العثمانية آنذاك كان يرتدي الطربوش ( مصر مثالا) ومن هنا ندرك أن تغطية الرأس لم يرتبط على مدار التاريخ بالمرأة وحدها وإنما الرجل أيضا.
وعلى مدار التاريخ أيضا تفننت المرأة العربية في إبداع لفة غطاء الرأس حتى كن يرصعنه بالجواهر ويرسمن عليه أشكالا ويلونه بألوان زاهية، ولمن لا يعلم، فإن العرب ومصر تحديدا في عصر المماليك، عرفوا مصممي الأزياء فقد كان هناك رجالا ونساء متخصصين في رسم خطوط الموضة لكل عام،كما يذكر ابن إياس. أما المقريزي فيذكر أن المرأة قررت أن تغطي شعرها بوضع العمامة كي تتشبه بالرجال، في محاولة للفت أنظارهم بعدما شاع في المجتمع حب الرجال "للذكران"، وكانت عمامة المرأة مزينة بالزخارف ومطرزة ومحلاة بالأحجار الكريمة.... كذلك كانت النساء في عصر المماليك أيام السلطان قايتباي يغطين رؤوسهن بقماش مزخرف، يلف حول الرأس بطريقة خاصة بحيث يأخذ شكل الكأس وكان اسمه "الطرطور"، ولما غالت النساء في طول هذا الطرطور واستهلكن أمتارا كثيرا في إعداده وضع المحتسب يشبك الجمالي مواصفات محددة لعصابة الرأس بحيث لا تزيد عن ثلث ذراع، على أن تكون مختومة من الطرفين بخاتم السلطان قايتباي لضمان التنفيذ، وكان رجال المحتسب يطوفون في الأسواق لضمان تطبيق القانون ومتابعة تنفيذه، مما أدى بالنساء إلى الخروج إلى الشارع حاسرات الرؤوس واكتفين بارتداء الطرطور الذي يحببنه داخل البيوت حتى ضعف تطبيق القانون فعدن إلى ارتدائه في الشارع! المثير للدهشة أن المرأة المصرية المسلمة ارتدت الملابس القصيرة والضيقة التي بلا أكمام، فبعد الأزمات الاقتصادية المتتالية التي شهدتها مصر في عصر المماليك، قامت النساء بابتكار نوع جديد من الموضة يتوافق والأزمة الاقتصادية التي يعشنها، والتي وصفها ابن إياس بأنها فترة اشتد فيها أمر الغلاء حتى بيع القمح كل أردب بستة أشرفية.
إذاً كان الحجاب موضة، لأنه لو كان دينا أو فرضا إلهيا سادسا على المرأة، ما تخلت عنه النساء عند اشتداد الأزمات الاقتصادية ولما تفننت فيه المرأة بأشكال تجذب أنظار الرجال، لأن الأصل فيه كما يدعي المدعون التقشف والزهد وإبعاد أنظار الرجال وبالتالي شهوتهم في المرأة، وكي نلتزم الحق فإن المرأة منذ بداية التاريخ تهتم بزينتها ومظهرها وتعشق التجمل وكذلك الرجل اهتم أيضا بمظهره، لأن الجمال أو إحساس الإنسان بالجمال صفة طبيعية فيه ولا أعتقد أنه مهما أصدروا من قوانين وأطلقوا من ادعاءات ستتخلى المرأة عن التجمل حتى لو ارتدت جوالا، لأنها حتما ستتفنن في تجميل ذلك الجوال حتى تشعر بأنها جميلة، وأكبر دليل على ذلك تفنن النساء اللائى يرتدين النقاب في تجميل عيونهن حتى لأن العينين وحدهما تخدعان وتثيران الخيال في نفوس الرجال، وربما تكون تلك المنقبة لا تملك سوى عينين آسرتين في حين باقي تفاصيل الوجه ليست على هذا القدر من الجمال، وربما تكون العينان بدون الكحل الذي يزينها أبعد ما تكون عن الجمال، ومع كل ما سبق أقر بأن الجمال نسبي وما هو جميل في عيني قد يبدوا سيئا في أعين آخرين، كما أنه لا حجاب ولا نقاب سيحمي أي امرأة من الوقوع في براثن رجل مختل نفسيا، ولطالما رأينا نساء بدون حجاب لا يظهرن جمالهن ولا يرتدين سوى الملابس العملية التي تساعدهن على إنجاز أعمالهن بسلاسة وبالتالي يحققن المبدأ الذي على أساسه تم الترويج للحجاب.

خطوة خطوة على طريق زي المرأة الإسلامي
الخطوة الأولى:

هل للمرأة المسلمة زيا معينا فرضه عليها الله؟ يقولون أنه الحجاب ويعنون بالحجاب النقاب حيث من المفترض أن الحجاب هو ما يحجب المرأة تماما عن الرجال، ويقولون الخمار أي غطاء الرأس المنسدل ليغطي صدر المرأة.
فلنبدأ بمعنى كلمة حجاب وخمار ونقاب في اللغة العربية الفصحى:
النقاب في معجم المحيط يعني: العلامة البحاثة الفطن- القناع تجعله المرأة على القسم اللين من أنفها تستر به وجهها – البطن/ هما فرخان في نقاب أي متشابهان/ لقيه نقابا أي من غير ميعاد.
خمار في معجم الغني تعني: قطعة من الثوب تغطي به المرأة رأسها أو كتفيها – خمار الرجل: عمامته.
الخمار في المحيط يعني: كل ما ستر والأشهر هو خمار المرأة وهو ثوب تغطي به المرأة رأسها/ الخمار هي العمامة/ ما شم خمارك أي ما أصابك وغيرك عما كنت.
الحجاب في المحيط: ما يستر/ ما أشرف من الجبل- عند الصوفية كل ما يفصل ويوصل إلى الله/ الحجاب الحاجز، هو ما يفصل بين الصدر والبطن- الحرز.
إذا مما سبق نعرف أن كلمة حجاب لا علاقة لها بالملابس أو الأزياء، أما النقاب فواحد من معانيه قناع الوجه ولكن أصل الكلمة "نقب" يعني بحث عن شئ بدقة، مما يعني أن حصر معاني الكلمة في معنى واحد جاء بقصدية من قبل الرجال على مدار العصور لفرض واقع على النساء ومن ثم المجتمع كله، فلماذا مثلا لم نعد نستخدم كلمة النقاب في معناها: العلامة والبحاثة والفطن؟ بل أنني أعتقد تماما أن معنى القناع أو غطاء الوجه، تم إضافته على معنى أصل الكلمة حديثا، وإلا فلماذا لم يذكر الله تلك الكلمة بأي شكل من الأشكال في القرآن الكريم؟ .. وأخيرا نجد أن كلمة خمار تعني بشكل عام غطاء وبالتفصيل غطاء للرأس أو للكتف بالنسبة للمرأة وعمامة للرجل، أي أن كلمة خمار في اللغة العربية الفصحى ترتبط بكل من الرجل والمرأة وتؤدي نفس الوظيفة بالنسبة لكليهما، ألا وهو غطاء للرأس، بل إنه وهذا هو ما تغافل عنه دعاة "التخمر" يؤدي وظيفة غطاء للكتف أيضا، بل إننا لو رددنا الكلمة لأصلها "خمر" سنجد أن معناها كما في معجم الوسيط: الخمر هي اسم لكل مسكر وخامر العقل أي غطاه واختمرت الخمر أدركت وغلت.
من المعنى السابق نستشف أن الخمار غطاء للعقل في الأساس وليس مجرد الرأس، وانه يقصد به في الأساس كل فعل يؤدي إلى تغييب العقل.
الخطوة الثانية:
دعاة النقاب، أو الذين يؤكدون أن الزي الإسلامي الصحيح للمرأة المسلمة هو النقاب بالشكل الذي نعرفه جميعا أي تغطية كل الجسد حتى الوجه بقماش أسود، يستندون إلى وصف جاء في أحد الأحاديث يقول بأن المرأة يجب أن تكون كالغرابيب السود، وإلى آية قرآنية هي " وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب".
دعونا بداية، ننهي مسألة الغرابيب السود، حيث لا يوجد في السنة النبوية وأعني كتب السنة التسعة (صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن الترمذي،سنن النسائي، سنن أبي داوود، سنن ابن ماجة، مسند أحمد، موطأ مالك، سنن الدارمي) أي شئ يدل من قريب أو من بعيد عن هذه الغرابيب السود.
أما القرآن فقد ورد هذا الوصف مرة واحدة في الآية 27 من سورة فاطر :
بسم الله الرحمن الرحيم
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ
صدق الله العظيم

وتفسير الآية كما في الطبري كالآتي: الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنَ الثَّمَرَات مُخْتَلِفًا أَلْوَانهَا وَمِنَ الْجِبَال جُدُد بِيض وَحُمْر مُخْتَلِف أَلْوَانهَا وَغَرَابِيب سُود } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّد أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء غَيْثًا , فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَات مُخْتَلِفًا أَلْوَانهَا ; يَقُول : فَسَقَيْنَاهُ أَشْجَارًا فِي الْأَرْض , فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ تِلْكَ الْأَشْجَار ثَمَرَات مُخْتَلِفًا أَلْوَانهَا , مِنْهَا الْأَحْمَر , وَمِنْهَا الْأَسْوَد وَالْأَصْفَر , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَلْوَانهَا { وَمِنَ الْجِبَال جُدُد بِيض وَحُمْر } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْ الْجِبَال طَرَائِق , وَهِيَ الْجُدَد , وَهِيَ الْخُطَط تَكُون فِي الْجِبَال بِيض وَحُمْر وَسُود , كَالطُّرُقِ ; وَاحِدَتهَا جُدَّة ; وَمِنْهُ قَوْل امْرِئِ الْقَيْس فِي صِفَة حِمَار : كَأَنَّ سَرَاته وَجُدَّة مَتْنه كَنَائِن يَجْرِي فَوْقَهُنَّ دَلِيص يَعْنِي بِالْجُدَّةِ : الْخُطَّة السَّوْدَاء تَكُون فِي مَتْن الْحِمَار. وَقَوْله : { مُخْتَلِف أَلْوَانهَا } يَعْنِي : مُخْتَلِف أَلْوَان الْجُدَد { وَغَرَابِيب سُود } , وَذَلِكَ . مِنْ الْمُقَدَّم الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى التَّأْخِير ; وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب تَقُول : هُوَ أَسْوَد غِرْبِيب , إِذَا وَصَفُوهُ بِشِدَّةِ السَّوَاد , وَجَعَلَ السَّوَادَ هَا هُنَا صِفَة لِلْغَرَابِيبِ.
فأين مما سبق ما يدل على أي لباس أو زي إسلامي للمرأة؟

ونأتي إلى الآية القرآنية، والتي كما ذكرت في الموضوع السابق ( جداتنا الأوائل لم يقرن في البيوت .. فهل نقر نحن؟) إن مشايخنا وولاة أمور ديننا يعشقون الاجتزاء من القرآن ليدللوا على أفكار بعينها يرغبون لأسباب ما في أنفسهم، أن ينشروها بين الناس على أساس مبدأ ولا تقربوا الصلاة، فالآية الكريمة كاملة غير مجتزأة كالتالي:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عظيما
صدق الله العظيم

ويفسر الطبري الآية الكريمة من سورة الأحزاب رقم 53، أن الله سبحانه وتعالى يقول لأصحاب الرسول (صعم)، يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن تدعوا إلى طعام تطعمونه غير منتظرين إدراكه وبلوغه أي بدون أن تنتظروه حتى يتم صنعه ونضجه، ولكن إذا دعاكم الرسول فادخلوا البيت الذي أذن لكم بدخوله، فإذا أكلتم الطعام الذي دعيتم لأكله فانتشروا، يعني تفرقوا واخرجوا من منزله. وقد قال أهل العلم عن سبب نزول هذه الآية، أنها نزلت بسبب قوم طعموا عند رسول الله (صعم) في وليمة زينب بنت جحش، ثم جلسوا يتحدثون في منزل رسول الله وبرسول الله إلى أهله حاجة، فمنعه الحياء من أمرهم بالخروج، وقد ذكر من قال ذلك: حَدَّثَنِي عِمْرَان بْن مُوسَى الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب , عَنْ أَنَس بْن مَالِك , قَالَ : بَنَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَيْنَبَ بِنْت جَحْش , فَبَعَثْت دَاعِيًا إِلَى الطَّعَام , فَدَعَوْت , فَيَجِيء الْقَوْم يَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ ثُمَّ يَجِيء الْقَوْم يَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ , فَقُلْت : يَا نَبِيّ اللَّه قَدْ دَعَوْت حَتَّى مَا أَجِد أَحَدًا أَدْعُوهُ , قَالَ : " ارْفَعُوا طَعَامَكُمْ " , وَإِنَّ زَيْنَب لَجَالِسَة فِي نَاحِيَة الْبَيْت , وَكَانَتْ قَدْ أُعْطِيَتْ جَمَالًا , وَبَقِيَ ثَلَاثَة نَفَر يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْت , وَخَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْطَلِقًا نَحْو حُجْرَة عَائِشَة , فَقَالَ : " السَّلَام عَلَيْكُمْ أَهْل الْبَيْت " فَقَالُوا : وَعَلَيْك السَّلَام يَا رَسُولَ اللَّه , كَيْفَ وَجَدْت أَهْلَك ؟ قَالَ : فَأَتَى حُجَر نِسَائِهِ , فَقَالُوا مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَة , فَرَجَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِذَا الثَّلَاثَة يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْت , وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَدِيد الْحَيَاء , فَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْطَلِقًا نَحْو حُجْرَة عَائِشَة , فَلَا أَدْرِي أَخْبَرْته , أَوْ أُخْبِرَ أَنَّ الرَّهْطَ قَدْ خَرَجُوا , فَرَجَعَ حَتَّى وَضَعَ رِجْله فِي أُسْكُفَّة دَاخِل الْبَيْت , وَالْأُخْرَى خَارِجه , إِذْ أُرْخِي السِّتْر بَيْنِي وَبَيْنَهُ , وَأُنْزِلَتْ آيَة الْحِجَاب.
وتتوارد في تفسير الطبري الروايات التي تؤكد القصة السابقة، ومنها ندرك أن الحجاب هنا ليس لباسا ولكنه ستار يتم إرخاؤه وبالتالي قد يكون ستارة مثل الستائر الموجودة في بيوتنا جميعا وقد نزيد فنقول باب، ثم إن الأمر خاص بزوجات النبي ولا علاقة له بنساء المسلمين اللائى لم تأت على ذكرهم الآية.
ومع ذلك دعونا نمضي قدما في تفسير الآية: ( إن ذلكم كان يؤذي النبي .......... من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم) يقول: إن دخولكم بيوت النبي من غير أن يؤذن لكم وجلوسكم فيها مستأنسين للحديث بعد فراغكم من أكل الطعام الذي دعيتم له، كان يؤذي النبي، فيستحي منكم أن يخرجكم منها إذا قعدتم فيها للحديث بعد الفراغ من الطعام، أو يمنعكم من الدخول إذا دخلتم بغير إذن مع كراهيته لذلك منكم والله لا يستحي من الحق أن يتبين لكم وإن استحيا نبيكم فلم يبين لكم كراهية ذلك حياء منكم.
( وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب) وإذا سألتم أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونساء المؤمنين متاعا فاسألوهن من وراء ستر بينكم وبينهن ولا تدخلوا عليهن بيوتهن.... وهنا لي مع تفسير الطبري وقفة، حيث عمم الأمر على نساء المسلمين، رغم أن الله تعالى ذاته لم يأت على ذكرهن في الآية الكريمة، وحتى لو كان الأمر يشمل النساء بشكل عام، فلماذا يعود الله ويختم الآية بقوله ( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عظيما)؟ إن الآية من بدايتها وحتى نهايتها تتحدث في آداب التعامل مع رسول الله وزوجاته بدليل أن الله قال أنه من غير المسموح لكم أن تؤذوا رسول الله في مشاعره تجاه زوجاته أو أن تنكحوا زوجاته من بعده وأن لو نكحتم زوجاته من بعده سيكون الأمر عظيما عند الله..... لا أدري لماذا يتم حشر نساء المسلمين كلهن فيما يخص زوجات الرسول، مع أن الله تعالى لم يساو بين نساء المسلمين جميعا وبين زوجات الرسول في الأجر والعقاب وكذلك من حق أي امرأة مسلمة مات عنها زوجها أن تتزوج بعده، في حين حرمت زوجات الرسول من ذلك ، كما أن الله قالها صراحة أن زوجات النبي لسن كأحد من النساء، وبالتالي ليس كل أمر يوجهه الله لزوجات الرسول يسري بالتبعية على نساء المسلمين، لأنه عندما أراد الله أن يقر قانونا لنساء المسلمين كافة كان يقول بوضوح قل لنساء المسلمين.. والآيات القادمة من سورة الأحزاب تؤكد عدم مساواة زوجات الرسول بالنساء كافة وأنهن حالة خاصة جدا:
بسم الله الرحمن الرحيم
يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما، يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا، ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين واعتدنا لها رزقا كريما، يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا.
صدق الله العظيم
ومن الآيات السابقة ندرك أننا كنساء مسلمات لن يضاعف الله لنا أجرنا على الحسنة ولن يضاعف لنا عقابنا على السيئة وأننا لا فضل لواحدة منا على الأخرى فنحن كجميع النساء، وبالتالي أقول لمن يرد علي بأن التشبه بنساء الرسول أمرا محمودا، ولماذا أتشبه بهن طالما لن ألقى ما لقياه من منزلة رفيعة ومميزة عند الله ورسوله؟ ولماذا لا أعيش حياتي كامرأة عادية وأنتفع بما أحله الله لي وأطيع الله في أوامره التي تخصني كامرأة عادية، طالما لن يضاعف الله أجري ضعفين؟ ( يعني مش كسبانة حاجة في الآخرة والعكس صحيح سأخسر حياتي).
إذا ما يخص زوجات النبي لا يخصني وبالتالي أنا لست مطالبة أن أتحدث مع الرجال وأنا من وراء حجاب ( ستارة). ومع ذلك فقد كنا اعتدنا في بيوتنا المصرية والعربية مسلمة ومسيحية، أن نرخي الستائر ونفصل بالأبواب بين غرفة استقبال الضيوف وبين حجرات المعيشة والنوم، ولا تخرج امرأة من حجرتها للقاء ضيوفها إلا وهي في كامل هندامها المحتشم خاصة لو كان هناك رجالا، بالإضافة إلى أنه من تقاليدنا أيضا ألا تجلس المرأة مع ضيوف زوجها وألا يجلس الرجل مع ضيفات زوجته .... وبالتالي يتحقق موضوع الحجاب أو الستار هنا وأعتقد تماما أننا لا نرتدي الستائر ولا نحملها معنا في الشوارع؟!
وأخيرا، فإن ذلك الحجاب الساتر بمعنى النقاب، لا يحمي المرأة ولا المجتمع في شئ، بل إنه خطر على الحياء والأخلاق العامة، لأننا لا نعرف شخصية من تتغلف بذلك الغلاف الأسود، والتي من الممكن أن تكون رجلا منحرفا يحاول أن يندس بين النساء، وهذا ليس إدعاء أسوقه لدعم حجتي بل وقائع حدثت بالفعل وكتبت عنها الجرائد في بلاد عربية كثيرة، أولها السعودية التي تلزم المرأة بملابس الشبح تلك، فلقد تداولت المنتديات السعودية على الإنترنت خبر رجل تنكر بزي امرأة ودخل مع المدعوات لحضور أحد الأفراح، وأمضى ساعات طويلة بين النساء وهو مرتديا النقاب حتى دخل حمام النساء وكشفته واحدة في الداخل، وفي الكويت ارتدى شابا النقاب وسار يتحرش بالنساء في سوق السالمية لأيام طويلة، حتى بدأت النساء تحرر بلاغات في الشرطة عنه معتقدات أنه امرأة شاذة، فتمت متابعته من قبل الشرطة والقبض عليه، وفي مصر ظلت فتاه تستضيف صديقتها المنقبة داخل حجرة نومها على مرأى ومسمع من والديها، حتى حملت الفتاة وانكشف أمر المنقبة، أو المنقب.... إذا كيف آمن على نفسي في شارع تسير به كائنات ترتدي ملابس الشبح تلك، وأنا داخلي شك أن يكون بينهن أحد المنحرفين الذي قد يتحرش بي، وكيف يمكنني أن أستضيف منقبة في بيتي أو أوافق على أن تصادق ابنتي منقبة؟
الخطوة الثالثة:
دائما ما تتردد تلك الجملة على مسامعنا: الزي الإسلامي للمرأة هو الحجاب... وبعد ما سبق وتم مناقشته فيما يخص الآية التي تحدد علاقة المسلمين بزوجات الرسول، وكما أوضحنا بأنها تعني ستارا وليس نوعا من أنواع الملابس، فلا أدري من أين أتى وصف الحجاب للملابس التي يجب أن ترتديها المرأة المسلمة، خاصة وأن كلمة الحجاب لم ترد في القرآن بوصفها زيا أو نوعا من الأردية النسائية أو حتى الذكورية ( سبق ووضحنا معنى الكلمة في المعجم اللغوي). حتى القرآن الكريم الذي منه خرجت علوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة، لم ترد فيه كلمة الحجاب على أنها نوعا من أنواع الملابس، ففي القرآن الكريم وردت هذه الكلمة في سبع آيات وهي كالتالي:
• الأعراف آية 46: وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون.
• الإسراء آية 45: وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا.
• مريم آية 17 : فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحا فتمثل لها بشرا سويا.
• الأحزاب آية 53: ( تم ذكرها بالتفصيل سابقا)
• ص آية 32: فقال أني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب.
• فصلت آية 5: وقالوا قلوبنا في أكنه مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون.
• الشورى آية 51: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم.

الخطوة الرابعة:

خاطئ من ينكر أن الله تعالى لم يذكر شيئا عن الطريقة التي يجب أن تراعيها المرأة المسلمة في لباسها، ولكن الأمر لم يأت في القرآن بمثل الضخامة التي يتعامل معها رجال ديننا الذين اختصروا الإسلام في زي المرأة المسلمة والقوانين التي تحدد حياتها أو بمعنى أصح تعيق حياتها.
لقد أتى ذكر ما يخص لباس المرأة المسلمة في آيتين الأولى هي الآية 59 من سورة الأحزاب:
بسم الله الرحمن الرحيم
يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما.
صدق الله العظيم.
وتفسير الآية كما جاء في الطبري كالآتي:
يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين، لا يتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن ليدنين عليهن من جلابيبهن، لئلا يعرض لهن فاسق، إذا علم أنهن حرائر بأذى من قول، ثم اختلف أهل التأويل في صفة الإدناء الذي أمرهن الله به، فقال بعضهم: هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منهن إلا عينا واحدة.
وقيل أيضا انه كانت الحرة تلبس لباس الأمة، فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن وإدناء الجلباب: أن تقنع وتشد على جبينها. بينما قيل في موضع آخر أن الله أخذ على زوجات وبنات النبي ونساء المسلمين إذا خرجن أن يقنعن على الحواجب ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وقد كانت المملوكة إذا مرت تناولوها بالإيذاء فنهى الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء.
وفي موضع ثالث أنه كانت النساء يخرجن لقضاء حوائجهن وكان الرجال يجلسون على الطريق للغزل فأنزل الله الآية حتى تتقنع النساء بالجلباب حتى تعرف الأمة من الحرة، وقيل أيضا إدناؤهن جلابيبهن إذا أدنينها عليهن أقرب وأحرى أن يعرفن ممن مررن به، ويعلموا أنهن لسن بإماء فيتنكبوا عن أذاهن بقول مكروه أو تعرض بريبة.
كان ما سبق هو تفسير الطبري، ولا يختلف عن باقي التفاسير الذي تجعلنا حين نطلع عليها، نقع في حيرة من أمرنا، لأننا جميعا تعلمنا منذ الصغر أن الإسلام دين الناس كافة وأنه ساوى بين الناس جميعا ولم يفرق بينهن على أساس اللون أو العرق، بل إنه ساوى بين العبد والحر أو بين الأمة والحرة، وأكد أنه لا فرق بين إنسان وآخر إلا بالعمل الصالح، فكيف إذا يفرق الله في حكم من أحكامه بين الحرة والأمة، ويفرط الله بكل سهولة في سلامة وشرف الأمة أثناء سيرها في الطريق فيتركها عرضة للأذى بينما يسن قانونا يفرق فيه بين الأمة والحرة حتى يحمي الحرة من أذى الطريق؟؟؟؟؟؟
منطق غريب جدا على روح الإسلام الأصيلة، لذلك أعتقد أنه واجب ضروري على علماء الدين الإسلامي المخلصين أن يعكفوا على تفسير هذه الآية من جديد ليمحوا عار التفسير الأول.
لنفرض أن الآية فعلا جاءت لتفرق بين الإماء والحرائر، فهل يوجد في عصرنا الآن إماء وحرائر حتى نحافظ على تنفيذ ما ورد بالآية؟ إن كان سبب نزول الآية كما سبق، فقد انتفى السبب وبالتالي لم تعد هناك حاجة لإدناء الجلابيب.
دعونا من كل ما سبق وتعالوا نستعين بالمعاجم اللغوية لنعرف معنى كلمة إدناء ومعنى كلمة جلابيب.
بداية لن تعثروا على كلمة جلابيب في المعاجم اللغوية ولكن هناك كلمة جلباب ومعنى جلباب في المحيط: القميص أو الثوب المشتمل على الجسد كله أو ما يلبس فوق الثياب كالجبة ونحوها، تتنوع الجلابيب من بلد عربي لآخر،: الملاءة تشتمل بها المرأة.
أما جلباب في الغني فهو: جلابيب ( ج ل ب). ( مص ز جلبب) ارتدى جلبابه: قميص واسع طويل له أكمام وغطاء للرأس يلبسه الرجال والنساء وهو من الملابس الشائعة بالمغرب.
أما أصل الكلمة "جلب" فنجدها في لسان العرب كالآتي:
جَلَبَهُ يَجْلُبُهُ ويَجْلِبُهُ جَلْبًا وَجَلْبًا ساقه من موضع إلى آخَر وجاء به من بلد إلى بلد للتجارة.
وجَلَب الرَّجُلُ انساق يُقال جَلَبْتُهُ فَجَلَب أي سقتهُ فانساق لازم متعد.
وجَلَبَ فلانا أي توعَّدهُ بِشَرٍّ.
وجَلَبَ الجمعَ جمعهُ. ولأهله كسب وطلب واحتال وعلى الفرَس زجره وصاح به من خلفه واستحثَّهُ للسبق.
وجَلَبَ القومُ اختلطت أصواتهم وصاحوا وضجوا والدم يبس والجرح برأ أو علته الْجُلْبَة للبرء
وجَلَبَ عليه يَجْلُب جَلْبًا. جَنَى.
وَجَلِبَ الشيءُ يَجْلَب جَلَبًا اجتمع
جَلَّبَ القوم صاحوا وَضَجُّوا.
وجلَّب على الفرس زجرهُ. وفلانًا منعه. وخِلفَ ناقته أخذ صوفةً وألقاها عليهِ وطلاها بطينٍ أو نحوهِ لئَلا ينهزهُ الفصيل.
وأجلب القوم بمعنى جلبوا وتجمَّعوا من كل وجه للحرب.

نأتي لكلمة "يدنين" سيكون من الصعب العثور على معنى الكلمة على هذا التصريف وبالتالي يجب أن نرد الكلمة إلى أصلها "دنو" وسنجد معناها في الغني كالآتي:
(د ن و) "إني لأرى دنو أجله" : أي قربه. "يشعر بدنو الخطر" .

مما سبق سنجد أن الجلباب ليس لباسا مخصصا للمرأة وحدها بل يلبسه الرجل كما تلبسه المرأة، وأن الجلباب رداء يشتمل الجسد كله ويغطي الرأس وليس له علاقة بالوجه وعين واحدة أو عينان ... الخ مما ورد في تفسير الطبري. ومع السياق اللغوي للآية ندرك أن ارتداء الجلابيب أمر موجود بالفعل وأن النساء يرتدين الجلابيب بالفعل، والزائد أو الجديد أو الأمر الإلهي أتى بخصوص الإدناء ومن معنى كلمة دنو كما سبق نجد أننا مطالبات بتقريب جلابيبنا، وليس واضحا في الآية تقريبها إلى أين تحديدا وبالتالي فنحن كمسلمات ملزمات بتقريب جلابيبنا بقدر الإمكان من أقدامنا وللشيخ جمال البنا تفسير رائع للآية يمكنكم العودة إليه في كتابه ( الحجاب)، وكذلك المفكر السوري الجليل هادي العلوي في دراسته الخاصة بالحجاب يمكن العودة إليهما.

نأتي الآن للآية الثانية وهي الآية 31 من سورة النور:
بسم الله الرحمن الرحيم
وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو اخوانهن، أو بني اخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الاربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون.
صدق الله العظيم
وتفسير الآية كما ورد في الطبري كالآتي:
وسنبدأ مع و"لا يبدين زينتهن" : ولا يظهرن للناس الذين ليسوا لهن بمحرم زينتهن وهما زينتان إحداهما ما خفي وذلك كالخلخال والسوارين والقرطين والقلائد، والأخرى ما ظهر منها وذلك مختلف في المعنى منه بهذه الآية، فكان بعضهم يقول (كل قول مدعم بأحاديث نبوية ولكن لطول سردها وشرحه يمكن لكم العودة بأنفسكم للأصل): زينة الثياب الظاهرة. وقال آخرون: الظاهر من الزينة التي أبيح لها أن تبديه: الكحل والخاتم والسواران والوجه، وقيل الكحل والخاتم، وقيل الكحل والخدان وقيل الوجه والكف وقيل الكحل والسواران والخاتم .
وفي أحاديث عن الرسول أيضا سردها الطبري ضمن تفسيره يحدد ما يظهر من المرأة بأنه الوجه ونصف الذراع وسأذكر مثالين على تلك الأحاديث التي أوردها :
قال قتادة، بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تخرج يدها إلا إلى هنا" وقبض نصف الذراع.
قالت عائشة: دخلت علي ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزينة، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم، فأعرض، فقالت عائشة: يا رسول الله إنها ابنة أخي وجارية. فقال: إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر وجهها، وإلا ما دون هذا" وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى.
من ما سبق نجد أن هناك أكثر من رأي في مسألة ما يظهر من المرأة والزينة التي تخصه، وكل الآراء مدعمة بأحاديث مروية عن رسول الله، والغريب أن الطبري يستعين بكل تلك الأحاديث على تضاربها واختلافها وكأن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان ( استغفر الله) متعدد الشخصيات كل يوم برأي مختلف في تفسيره لأوامر الله. كما أننا هنا نجد تضاربا قويا بين تلك الأحاديث و الآية السابقة والخاصة بإدناء الجلابيب والتي يفسرها الطبري ذاته بأنها تعني إخفاء المرأة لجسدها كله فيما عدا عين واحدة أو عينين، أي أنه يدعي أن الله تعالى ( استغفر الله) يختلف مع أقوال رسوله.
نعود لتفسير الطبري فيما يخص باقي الآية:
( وليضربن بخمرهن على جيوبهن) يقول الله تعالى ذكره: وليلقين خمرهن، وهي جمع خمار، على جيوبهن، ليسترن بذلك شعورهن وأعناقهن وقرطهن. ثم ينطلق في سرد بعض الأحاديث التي تؤكد تفسيره.
وكي نفسر الآية علينا بداية أن نفككها، وقد أتينا على ذكر معنى كلمة خمار في بداية بحثنا وعرفنا أنه غطاء الرأس للمرأة والعمامة للرجل، أما جيوبهن ومفردها جيب فهو بحسب المحيط كالآتي:
القميصِ ونحوه: ما يُدخَل منه الرَّأَس عند لُبسِه. - الثوبِ ونحوِه: ما يخاط به فَيُجعَلُ تجويفًا توضع فيه الدراهم وغيرُها؛ أنفق من جيبه الخاصّ / ساعة الجيب، هي ساعة توضع في الجيب / هو ناصِحُ الجيب، أي أمينٌ. - الأرض: مدخلُها. -: في التشريح، هو تجويفٌ أو حفرةُ داخل عضو أو عظم؛ الجيبُ الإكليليُّ للقلب / الجيوبُ الأنفيّة، هي تجاويفُ في عَظام الجمجمة قريبة من الأنف. -: في التشريح، هو جزءٌ متمدِّدٌ من قناة دمويّة، جيب الأورطي.- الهوائيُّ: بقعة فراغ تهبط فيها الطائرات في أثناء طيرانها. - من الأرض: خَزَّانٌ في جوفها تتجمّع فيه السوائل كالنفط والغازات/ مسرحُ الجيب، مصطلح يُطْلق على المسرح التجريبي الصغير الحجم/ جيوبُ المقاومة، هي مواضع متفرقة تستمرٌ فيها مقاومة الثُّوّار. -: في الرياضيات، يُسمٌى جيبَ القوس في حساب المثلثات، الخطُّ المتعامد المنزل من أحد أطراف القوس نحو القطر الذي يمر عبر الطرف الآخر/ جيبُ التمام في علم الهندسة هو الجيب الذي يتمِّم زاوية ج جُيُوبٌ وأَجْيابٌ.
أي انه مما سبق وفيما يخص الآية يعني فتحة الصدر، ومن سياق الجملة التي لا يوجد بها أي صعوبة في أن نفهمها، سنكتشف أن الأمر يخص منطقة الجيب، أي الصدر، لأن الخمار موجود بالفعل والأمر أتى لنضرب الخمار الموجود بالفعل على الجيب، أي الصدر، أي أنني كامرأة مسلمة، لو ارتديت رداءا مغلقا حتى العنق فقد نفذت الأمر الإلهي، لأن الله (استغفره وأتوب إليه) ليس بعاجز عن ذكر أمر الشعر بوضوح كي يحسمه، في حين انه حسم أمر الصدر بذكر الجيوب، وإذا عدنا لمعنى كلمة خمار مرة أخرى سنجدها تخص الرجل والمرأة وتاريخيا كل شعوب الأرض في الحضارات القديمة كانوا يغطون رؤوسهم نساءا ورجالا، بما فيهم العرب.
أما باقي الآية من ( ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن .......... أو ما ملكت أيمانهن) فتفسيرها وفقا للطبري كالآتي:
لا يبدين زينتهن التي هي مخفية وذلك الخلخال والقرط والدملج وما أمرت بتغطيته بخمارها من فوق الجيب وما وراء ما أبيح لها كشفه وإبرازه في الصلاة وللأجنبيين من الناس والذراعين إلى فوق ذلك إلا لبعولتهن وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل....... ( هنا يبدأ في تفصيل ماذا يظهر ولمن) وعن طريق دعم تفسيره بالروايات والأحاديث يقول الطبري أن بعض الروايات قالت أنه يمكن للمرأة أن تبدي ما فوق الذراع والرأس وما فوق الجيب لزوجها وأبوها وأبو زوجها، والبعض الآخر من الروايات قال أن الأب وأب الزوج يمكنه أن يرى قرطاها وقلادتها وسوارها، فأما خلخالها ومعضداها ونحرها وشعرها فلا تبديه إلا لزوجها، ثم تطور الأمر بين الرواة فأضاف البعض الآخر منهم المرأة المشركة إلى قائمة الأشخاص الذين يحرم عليهم رؤية الزينة الخفية من المرأة إلا إذا كانت أمة لها وذلك بسبب ( وما ملكت أيمانهن) ثم تأتي الطامة الكبرى في التفسير عندما يؤكد الطبري أنه حرام على المرأة المسلمة أن ترى نصرانية زينتها وعورتها أو أن تقبلها ودعم ذلك بقصة عن عمر بن الخطاب: قال: ثنا عيسى بن يونس، عن هشام، عن عبادة، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى عبيدة بن الجراح رحمة الله عليهما: أما بعد فقد بلغني أن نساء يدخلن الحمامات ومعهن نساء أهل الكتاب، فامنع ذلك ! قال: ثم إن أبا عبيدة قام في ذلك المقام مبتهلا: اللهم أيما امرأة تدخل الحمام من غير علة ولا سقم تريد البياض لوجهها، فسود وجهها يوم تبيض الوجوه. ويعود الطبري ويقول أن أهل التأويل اختلف في ( ما ملكت أيمانهن) حيث قال بعضهم أنها تشمل مماليكهن من الرجال.
وفيما سبق نلحظ أن تفسير هذا الجزء من الآية أخذ أكثر مما يستحق، فهو بسيط للغاية لكن المؤولون من السلف العظيم، قاموا بتجزئة جسد المرأة إلى أجزاء تظهر وأخرى تختفي حتى بالنسبة إلى والد المرأة، فبلغ بأحدهم الأمر أن حرم على الوالد رؤية شعر ابنته!!!!!! ثم نأتي في مسألة ما ملكت أيمانهن فنجد أن بعضهم أحل على المرأة أن تظهر ما خفي من زينتها على عبيدها بينما يحرم عليها أن تقبل أو تظهر ما خفي من زينتها على المرأة النصرانية أو الكتابية بشكل عام!!!!!!! والغريب فعلا هو تلك الرواية عن رسالة عمر بن الخطاب إلى عبيدة والتي لا تحمل سوى كراهية وعنصرية ومحاولة للتفرقة بين المسلمين والنصرانيين الذين كانوا من أهل البلاد التي فتحها المسلمين، والتي أعتقد تماما بأنها لا تخرج عن عمر بن الخطاب الذي رفض أن يصلي في كنيسة القيامة حتى لا يتخذها المسلمون مسجدا من بعده، حفاظا على حق المسيحيين في كنيستهم. كما أن طريقة معالجة عبيدة جد هزلية فهو لم يفعل سوى الدعاء على النساء اللائى يذهبن إلى الحمامات لتبيض وجوههن بأن تسود يوم القيامة! أي أنه لا يفعل شيئا لتنفيذ أوامر الله غير بالدعاء؟
إن ذلك الجزء من الآية واضح تماما بأن المرأة من حقها أن تبدي زينتها المخفية على بعض الأشخاص وهم الأزواج والآباء وآباء الأزواج والأبناء وأبناء الأزواج والإخوان وأبناء الإخوان وأبناء الأخوات ونسائهن أي خادماتهن وإمائهن وما ملكت أيمانهن أي العبيد من الرجال وذلك قياسا على ما أحله الله للرجل من مثنى وثلاث ورباع وما ملكت يمينه، فإن كان ما ملكت يمين الرجل هن الإماء فما ملكت يمين المرأة هم العبيد... أو على الأقل هذا هو فهمي المتواضع والبسيط للآية بعيدا عن تقطيع وتجزيئ جسد المرأة بالذراع والأذن والعنق وبعيدا عن إقصاء النساء غير المسلمات والتعامل معهن بعنصرية لا مبرر لها حيث لن تمتلك المرأة المسلمة عضوا مثيرا زائدا عن المرأة النصرانية، ولن تستحوذ على الحسن مخلفة الدمامة لغيرها من الكتابيات.
أما التابعين غير الأولي الإربة من الرجال فيقصد بهم كما جاء في الطبري ويبدو معقولا بالنسبة لي، فيقصد به الرجال من فاقدي الأهلية أي المصابين بخلل عقلي ما أو المخنثين الذين ليس لهم في معاشرة النساء ثم الأطفال وتنتهي الآية بوصيةل لنساء أن لا يضربن بأقدامهن فيسمع من حولهن صوت خلخالهن.... ثم إننا لو فصلنا لزينة المرأة المخفية فسنجد أن المراة تتزين بأشياء كثيرة أسفل ملابسها بعيدا عن القرط والأسورة والقلادة وزيارة واحدة لأحد المحلات المتخصصة في بيع أغراض المرأة ليعرف من لا يعرف ما هي زينة المراة المخفية التي لا تظهر لأحد، كما اننا جميعا نعرف ما الذي يمكن أن يظهر للزوج دون سواه، أما أن نحرم على الأب أن يرى شعر ابنته فهذا ما لا يمكن استيعابه او التعامل معه بأي حال من الأحوال.... ولا أعتقد أن زينة المرأة المخفية اختلفت في الحاضر عن الماضي البعيد وإن كانت تطورت في شكلها وطريقة تصنيعها.
في النهاية نكتشف أن العلماء المسلمين من السلف ذهبوا إلى أن الحجاب الإسلامي ( ذلك الزي المختلق) واجب على المرأة الحرة دون سواها. ويرى فقهاء المذاهب السنية الأربعة ، المالكي والحنفي والشافعي والحنبلي، أن الأمة باعتبارها خارجة عن محيط الزوجات ولا تدخل في النسب فلا يجب عليها الحجاب وما يجب ستره من جسدها مماثل لما يجب على الرجل أن يستره من جسده ( أي من السرة حتى الركبة وبالتالي يمكن للأمة أن تمشي بنصفها العلوي عاريا وهذا ما لا أستطيع استيعابه؟) وذلك لتيسير سريان واستمرار تجارة الرقيق وحماية المصالح التجارية!! وكان مشهورا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أنه كان يوقع العقاب الشديد على الأمة التي تضع قناعا على وجهها (نقاب) وذلك كي يحافظ على نظام التمييز والتراتبية القائمة بين المرأة الحرة والمرأة الأمة........ وسبحان الله فعلا؟؟؟؟؟؟؟؟
الخطوة الخامسة:
دائما ما نتعرض لتلك الجمل الخاصة بجسد المرأة مثل " جسد المرأة عورة" أو إن "المرأة فتنة للرجل" ولذلك وجب عليها الحجاب ..... دعونا نفكك هذه الجمل التي يتم ذكرها دائما في مواقف حنجورية من قبل أصحابنا اللاعبون بالدين في ميدان مصالحهم الشخصية، لنرى أي عورة وأي فتنة يتحدثون عنها.
بداية لم يتم ذكر لفظ العورة (بالألف واللام) في القرآن قط، أما لفظ عورة فقط فقد تم ذكرها مرة واحدة في آية 13 من سورة الأحزاب :
بسم الله الرحمن الرحيم
وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون أن بيوتنا عورة وما هي بعورة أن يريدون إلا فرارا
صدق الله العظيم
أين جسد المرأة في الآية السابقة؟
أما عورة في المعاجم اللغوية فهي كالتالي:
عورة في الغني تعني: ستر عورته: أظهر أعضاؤه التناسلية. أظهر عورته: عيبه. داره عورة: بها خلل يخشى دخول العدو منه. عورة الجبال: شقوقها. عورة الشمس: مشرقها أو مغربها.
أما العورة بتعريف الألف واللام فتعني في المحيط: الخلل والعيب في الشيء، في البضاعة عورة تخفض من سعرها: كل بيت أو موضع فيه خلل يخشى دخول العدو منه.
فهل بعد ما سبق جسد المرأة كله أعضاء تناسلية؟ أم أن جسد المرأة به خلل أو عيب؟ وإني لأربأ بالمؤمنين عن حق بالله تعالى أن يقولوا كلمة جسد المرأة عورة مرة أخرى، لأن فيها اتهام مبطن لخلق الله تعالى بأنه معيبا وبه خلل، فجسد المرأة مثل خلق الله تعالى كله كامل لا عيب فيه ولا نقصان.وإن كانوا يقصدون بالفعل أن جسد المراة به خلل أو عيب وبالتالي يجب تغطيته حتى لا يؤذي أعينهم، فهل يفرض ذلك المنطق علينا أن نغطي المعاقين جسديا وأصحاب العيوب الخلقية باعتبار أن أجسادهم بها خلل ما؟
ثم نأتي عند موضوع " الفتنة" وقد تم ذكرها في القرآن بتعريف الألف واللام في ثماني آيات وهي كالتالي:
البقرة آية 191 و 217 وآل عمران آية 7 والنساء آية 91 و التوبة آية47 و48 و49 والأحزاب آية14.
أما "فتنة" فقط فقد وردت في 23 آية كالآتي:
البقرة آية 102، البقرة آية 193، المائدة آية 71، الأنفال آية25، 28،39 ،73، يونس آية83،85، الإسراء آية 60، طه آية 131، الأنبياء آية 35،111.
أرجو المراجعة في المصحف الشريف، لتكتشفوا أن الآيات جميعها لم تأت واحدة منها على ذكر المرأة بينما ذكرت الآية 28 من الأنفال أن الأموال والأولاد هما الفتنة.
هل تعرفون ماذا تعني كلمة فتنة، إن غالبيتنا يعتقد بأن فتنة تعني الإثارة والإغواء أو أن يشي أحدنا بما فعله آخر ... دعونا نعلم المعنى الحقيقي للفتنة:
فتنة في الغني تعني: فِتَنٌ. [ف ت ن]. 1."نَشَرَ الْفِتْنَةَ بَيْنَ النَّاسِ" : مَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ مِن اخْتِلاَفٍ فِي الرَّأْيِ يَجْعَلُهُمْ يَتَطَاحَنُونَ وَيَتَقَاتَلُونَ. 2."عَرَفَتْ خِلاَفَةُ عُثْمَانَ فِتْنَةً كُبْرَى" : اِنْشِقَاقاً فِي صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ أَدَّى بِهِمْ إِلَى الْقِتَالِ فِيمَا بَيْنَهُمْ. 3."هُمْ فِي فِتْنَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ" : فِي اضْطِرَابٍ وَتَهَوُّرٍ. 4."أَذَاقَهُ الفِتْنَةَ" : العَذَابَ. 5."هُوَ فِي فِتْنَةٍ" : فِي ضَلاَلٍ. 6."فِتْنَةُ الصَّدْرِ" : الوَسْوَاسُ.
أما الفتنة فتعني في المحيط: الاضطراب وبلبلة الأفكار-: العذاب:- الضلال:- فتنة الصدر أي الوسواس-: اتفاق جماعة على قلب نظام الحكم ج فتن بكسر الفاء وفتح التاء:- الإعجاب بالشئ.
ومما سبق نلحظ أن المرأة بريئة من الفتنة وأنه حتى لو استخدمنا معنى ( الإعجاب بالشئ) فالمرأة ليست بشيء وإنما هي كائن حي عاقل ومن ثم فهي ليست بشيء.
الخطوة الأخيرة
هناك حديث شهير جدا، يستخدمه الجميع عندما يأت ذكر الحجاب، حتى أننا درسناه في المدارس والحديث هو كما ورد في سنن أبي داوود في الجزء الخاص باللباس فيما تبدي المرأة من زينتها :
حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي ومؤمل بن الفضل الحراني قالا حدثنا الوليد عن سعيد بن بشير عن خالد قال يعقوب ابن دريك عن عائشة رضي الله عنها، أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم تصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه.
قال أبو داوود هذا مرسل خالد بن دريك لم يدرك عائشة رضي الله عنها... و(قال يعقوب بن دريك) تعني: أي قال يعقوب بن كعب في روايته عن خالد بن دريك . . إذا كان المنقول عنه الحديث لم يدرك السيدة عائشة أي لم يعاصرها في حياتها، فكيف إذا عرف بالحديث ؟ ومن أين أتى به؟
ويرد في سنن أبو داوود أيضا أن الحافظ أبو بكر أحمد الجرجاني ذكر هذا الحديث وقال لا أعلم رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير، وقال مرة فيه عن خالد بن دريك عن أم سلمة بدل عائشة... أي أن الحافظ أبو بكر لا يعلم من رواه عن قتادة غير واحد والباقي مجهولين بالنسبة له، ثم إنه شكك في أن تكون روته عائشة وأبدلها بأم سلمة.
وإذا تجاهلنا الحقائق السابقة التي تضعف الحديث وتنفيه من أساسه، فدعونا نتأمل نصه، حيث تدخل أسماء على الرسول بملابس رقيقة؟ توصيف غريب لملابس ابنة أبي بكر الصديق كما أنها موحية بما هو غير لائق بامرأة ذات أصل ونسب كريم. ثم أين دخلت أسماء على رسول الله هل في بيته أم في المسجد؟ وحتى إن كان في أحدهما فهل يعني ذلك أن أسماء تغادر منزلها وهي ترتدي ملابس رقيقة؟ ولماذا لم يتم ذكر المكان الذي دخلت فيه أسماء على رسول الله بوضوح، على الأقل لدرء الشبهات؟ وإذا افترضنا أن المكان كان في بيت أختها عائشة التي روت الكثير عن رسول الله، فلماذا لم تخبر عائشة أختها بهذا الأمر قبلا في الوقت الذي كانت فيه وسيطا بين الرسول ونساء المسلمين لسؤاله فيما يحرجهن؟
أستشعر أيضا في الحديث مغالطة تاريخية هامة، فأسماء كما في السيرة النبوية هي ذات النطاقين التي كانت تخرج بالطعام لأبيها والرسول وهما مختبئان في غار ثور أثناء رحلة الهجرة للمدينة، ومن تقوم بمثل تلك المخاطرة لابد وأن تكون امرأة كبيرة في العمر وليست طفلة، إذا كيف يحدثها الرسول عن بلوغ المحيض الذي يحتم عليها تغيير سلوكها الطفو لي إلى أنثوي.. وإن افترضنا أنها امرأة كبيرة بالفعل ومازالت ترتدي الملابس الرقيقة، فهل كانت غائبة عن الرسول تماما وهي أخت زوجته ولم يكن يراها أبدا قبل هذه الواقعة ليخبرها بما يجب عليها أن ترتديه بعد بلوغ المحيض؟
والنتيجة النهائية التي وصلت لها وتخص طريقة لبس المرأة المسلمة،من خلال نص القرآن الكريم تتلخص في الآتي:
أن المرأة المسلمة عليها أن ترتدي ملابس تغطي منطقة الصدر وأن ملابسها يجب أن تكون طويلة حتى القدمين، وذلك لأنه بعد آية إدناء الجلابيب التي لم يكن واضحا فيها حد الإدناء، نفهم من جزء (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) أن حد الإدناء يصل حتى القدمين، لأن زينة القدمين هي الخلخال ويوضع على الكاحل، اما الزراعين فلم يأت القرآن على ذكرها وكذلك الرأس أو الشعر.
مضار الحجاب
أعود وأكرر للمرة الألف أنني لا أتخذ موقفا عنصريا ضد من ترتدي ما يسمى بالحجاب، لكنني ببساطة أحاول أن أوضح حقيقة الادعاءات التي تتخذ المسوح الدينية في محاولة فرضه على المرأة المسلمة باعتباره دينا وفرضا من فروض الله عز وجل. إن الحجاب أقام حالة من التمييز والتفرقة بين النساء من المسلمات وبين غيرهن من النساء التابعات للأديان والمعتقدات الأخرى، في حين انه لو التزمت المراة المسلمة بما ورد في كتاب الله عز وجل سيكون مظهرها مساويا لغيرها من النساء في الشارع، لأنه بشكل عام تعمل المرأة الشرقية أيا كان معتقدها الديني على ارتداء الملابس الكاسية المحتشمة، لأن في ذلك صلة بعادتنا وتقاليدنا كشرق، وبالتالي لن يحدث في الشارع المصري تمييز للمسلمات أو إقصاء لغيرهن.
إن من يدعون أنهم حماة الدين لا يتحدثون عن فرض الحجاب، لمجرد تطبيق فروض الله على الأرض، أو لحماية المرأة من شرور الشارع او لمنع الفتنة وغيرها من الادعاءات، بل يتخذون أمر الحجاب خطوة في سبيل تحجيم دور المرأة في الشارع والمجتمع، وهي خطوة تبعها خطوات أخرى من فرض ثقافة أن مكان المراة بيتها وأن دورها الحقيقي هو تربية الأبناء وأنها غير مطالبة بأن تتعلم غير ما يساعدها على رعاية أبنائها وأنها مخلوق رقيق لا يصلح للأعمال الشاقة التي يقوم بها الرجل، وأنها قارورة والرجل قيم عليها وغيرها من الفرضيات التي تفرض تدريجيا أسيجة وأسوارا حول المرأة تنتهي بها إلى الانعزال داخل المنزل والعودة مائة عام إلى الوراء، لنعود نرزح في الذل والهوان الذي كانت تعاني منه جداتنا في القرن التاسع عشر وما قبله ونعود إلى عصر الحريم.
لقد تم اتخاذ موضوع الحجاب وسيلة للوقوف في وجه المرأة وطريقها نحو النجاح والتميز ولنقرأ الآن أحد الفتاوي التي أفتاها شيخا جليلا لفتاة مغربية تدرس في فرنسا (تم نشر هذه الفتوى في مجلة عربية مرموقة لأسف)... أرسلت الفتاة للشيخ كي يفتيها في أمرها فهي فتاة محجبة وتدرس في الجامعة بفرنسا، ولا تدري ماذا تفعل بعد قرار منع الحجاب في فرنسا وتسأل المشورة والتوجيه للحق؟
أما فتوى الشيخ الجليل الذي لن أستطيع ذكراسمه رغم أنه يستحق التشهير به ونيل العقاب على فتواه فقد أفتاها قائلا:
فمما لا شك فيه ولا ريب أن الحجاب فرض على كل مسلمة وأدلته كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وكلام الأئمة رحمهم الله، فمن ذلك قول الله عز وجل: ( يا أيها النبي قل لأزواجك.......أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) وقول الله ( وليضربن بخمرهن على جيوبهن) وأيضا قول الله ( ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) .
وأيضا السنة في أحاديث الحجاب وآثار الصحابة كثيرة، وإذا كانت الدراسة ستؤدي إلى فعل معصية كترك الحجاب فإنه لا يجوز الدخول فيه، لأن مثل هذه الدراسة ليست من الأمور الضرورية، فإن المرأة الأصل في حقها أن تقر في بيتها وأن يقام عليها في جميع متطلباتها فالله عزو وجل قال: الرجال قوامون على النساء) وقد حفظ الله عليها كرامتها بإلزام الرجل بالإنفاق عليها، منذ أن كانت وليدة إلى أن توسد اللبنة في قبرها فأبوها يكفلها ثم بعد ذلك زوجها ثم أولادها بعد زوجها إلى آخره إلى أن تموت. فنصيحتي للأخت أن تتقي الله عز وجل في نفسها وأن تترك مثل هذه الدراسة إذا كان سيترتب عليها المعصية.
وهنا تنتهي فتوى الشيخ العلامة ( معظم رجال الدين يفتون فتاوي شبيهة) الذي يستخدم الحجاب ليدعو إلى الجهل وعودة المرأة إلى عصر الحريم حيث أنها مخلوقا لا لزوم له بالمرة ولا وجود لها ولا إرادة تعيش لتتنقل من سلطة الأب للزوج ومن ثم أبنائه، وليس مطلوبا منها أن تفعل أي شئ ... يعني بكل بساطة تجلس المرأة تتربع على أريكتها تهش عنها الذباب فقط!!!!!!!
ما هي العلاقة بين ملابس الراهبات والحجاب؟
عندما يعدم دعاة إخفاء المرأة بالحجاب حيلة يخرجون من جرابهم حيلة جديدة، فمؤخرا عندما منعت بعض البلدان مثل فرنسا الحجاب حفاظا على تقاليد وقوانين مجتمعهم المدنية التي تقوم على عدم التمييز بين الأفراد على اختلاف العرق أو اللون أو الجنس أو الدين، قامت الدنيا ولم تقعد من قبل المسلمين في كل مكان، رغم أنه بكل بساطة، إذا كان العرب من المسلمين الذين هاجروا إلى أوروبا لا يعجبهم حالها فلماذا يمكثون فيها ولا يعودون إلى بلادهم؟ بالطبع لأن البلاد العربية تعاني في مجملها من مشاكل اقتصادية وممارسات ضد حقوق الإنسان تجعلهم يهربون إلى المجتمعات الغربية للتمتع بقوانينها المدنية التي تكفل الحرية والمساواة، لكنهم رغم ما يتمتعون به من حريات في تلك البلاد يقفون ضد القوانين التي سنتها لتساوي بين الناس كافة، من أجل مجرد ملابس!
أثناء مظاهرات المسلمين ضد قرار فرنسا بمنع الحجاب، حملت المسلمات لافتات تقارن بين ملابس الراهبة والمحجبة ويطالبون بالمساواة في حق ارتداء الحجاب مثل الراهبة وهذا ما لم أفهمه أبدا. بداية لا رهبنة في الإسلام، ثم هل يريدون أن تتساوى المرأة المسلمة بالراهبة في طريقة ملبسها فقط؟ إن الراهبة ترتدي هذه الملابس لأنها زهدت الدنيا ونزرت نفسها لخدمة الكنيسة والمسيح، ومن ضمن الزهد نبذ الجسد واخفاؤه، بل وحلق الشعر أيضا، والامتناع عن الزواج، وترك الأهل والانعزال بعيدا في الأديرة وكي تصل المسيحية لمنزلة الراهبة تمر بتجارب لا يطيقها أحد، حيث يصل الأمر لأن تعيش في قبو وتصوم عن الطعام فيما عدا الماء وقليل من الخبز المقدد أشهر طويلة، والاعتكاف للعبادة وترك كل مباهج الحياة بشتى ألوانها. فهل ستفعل النساء المسلمات نفس الشئ في محاولتهن للمقارنة بالراهبة والتساوي معها في طريقة اللبس. إن المسلمة المحجبة، تتزوج وتنجب وتأكل كل ما لذ وطاب وترتدي من الملابس الحرير وتتعطر بأغلى أنواع العطور وترتدي ملابس داخلية ثمن القطعة قد يصل إلى مائة دولار ( نساء الخليج والسعودية مثالا)... فأين التساوي هنا بالراهبة؟
إن العائلات المسيحية عندما تقرر ابنة أو ابن لها الدخول في سلك الرهبنة يحزنون بل يصل الأمر إلى العويل، لأن معنى ذلك أنهم سيفقدون ابنهم أو ابنتهم ولن يروهم إلا نادرا. أذكر عندما قررت إحدى قريبات صديقة مسيحية الدخول في سلك الرهبنة، عاشت أسرة صديقتي في حزن كما لو كانت الفتاة ماتت، بل إن صديقتي تلك استغلت هذا الأمر لتحصل على بعض المكاسب من والدتها، فكانت كلما اختلفت مع أمها قالت ( أنا هاترهبن وأسيبلك البيت) فكانت الأم تصرخ وتقول بعد الشر وتتركها تفعل ما تريد وكنا نضحك على صديقتنا التي وجدت طريقة تحقق بها مكاسب من قبل أمها، بل كنا نحسدها لأننا للأسف ليس لدينا حجة مماثلة لنستغل أمهاتنا مثلما تفعل هي ( بالطبع كنا فتيات صغيرات).
في النهاية أؤكد أنني لست ضد أن تختار أو يختار أي انسان على الأرض ما يلبسه أو يأكله أو يسلكه طالما لا يضرني ولا يضر المجتمع في شئ، لكن عليه أن لا يفرض حقائق دينية ليست موجودة ويتعامل مع الآخرين على أنهم خارجون على الدين أو ناقصين دين، لأن فروض الإسلام خمسة على جموع المسلمين بما فيهم النساء ولا يوجد فرض سادس على المرأة، كما أتمنى من علماء المسلمين المستنيرين أن ينقذوا ديننا من التأثر بالديانات الأخرى والعادات والتقاليد القبلية التي جاء رسول الله نفسه بأمر من الله حتى يقضي عليها ويصلح المجتمع، فعادة تغطية الرأس للمرأة مأخوذة من اليهودية حيث تقضي التوارة أن يصلي الرجل بدون غطاء رأس لأنه صورة من الله أما المرأة فلابد أن تغطي رأسها وهي تصلي لأن المرأة ناقصة عقل ( لا حظ العلاقة هنا مع الحديث المزعوم بأن المرأة ناقصة عقل ودين) والعقل في الرأس فهي جسد بغير عقل، ومن هنا جاءت فكرة أن المرأة ناقصة عقل وليست سوى جسد شهواني ينطوي على الإثم والخطيئة بطبيعتها وبإرادة الله!!!!!!!!!
فهل ترضي أيتها المسلمة أن تكون صورتك كذلك؟