الأربعاء، 31 مارس، 2010

هو مش النهاردة الاستفتاء؟ - لنتذكر استفتاء تعديل الدستور في 2005

في دولة الإمارات العربية المتحدة تتنوع طبائع المصريين الذين قدموا للعمل هنا، فمازال هناك النموذج الذي حضر بغية التقطير على نفسه من أجل توفير نقود يحقق بها أحلامه في مصر مثل الزواج وتأسيس منزل وشراء سيارة، وما إلى ذلك من المتطلبات الحياتية التي من المفترض أن لا يهاجر من أجلها الانسان ويترك وطنه، لكن واقع أمر بلدنا يفرض عليه ذلك। وهناك من حضر هربا من مصر لأي سبب من الأسباب، وهذه النوعية من المصريين تعيش حياتها بشكل طبيعي ولا تفكر في التوفير لأنها من الأساس لا تفكر في العودة ولا تحتمل فكرة أن تعود। والحقيقة أن الأسباب تتباين لدى كل واحد منهم حيث لم يفروا من مصر لنفس السبب، فمنهم من لديه أسباب خاصة ومنهم من لديه أسباب عامة. المهم أن جميع المصريين في الإما رات من الطبيعي أنهم يتبعون السفارة المصرية والتي من المفترض أنها ترعى مصالحنا داخل دولة الإمارات، لكن الحقيقة هي أننا جميعا وبلا استثناء لا نعلم شيئا عن السفارة، ومن زارنا منها فقد زارها إما لتجديد جواز السفر أو إضافة الأبناء المولودين حديثا أو لعمل توكيل لأحد الأهل في مصر، وكل هذه الإجراءات نقوم بها ونحن متأففين حيث تواجهنا بيروقراطية الإدارة المصرية التي نسيناها في جنة دبي، التي تتم فيها الإجراءات الحكومية بالبريد الاليكتروني والتليفون ولا تضطر للوقوف دقيقة أمام شباك موظف لإنهاء إجراء إداري واحد، بدءا من دفع فاتورة الكهرباء وحتى تجديد الإقامة. كذلك تواجهنا السفارة بكم النقود المطلوبة منا نظير الإجراء الرسمي الواحد، حيث أنك مثلا لو قمت بعمل توكيل رسمي لأحد أقاربك في مصر تدفع نظيره مبلغا مضاعفا أربع مرات على الأقل عن الذي تدفعه نظير نفس الخدمة على أرض مصر نفسها...ومع ذلك لم يعترض أي منا لأننا نفهم الفكرة التي قامت عليها تحديد هذه المبالغ وهي أننا نعمل في الخليج ويمتلك كل واحد منا بئر بترول يحمله على أكتافه أينما ذهب.
في الحقيقة كل ما سبق كان تمهيدا لما سوف أقصه الآن، فأنا والحمد لله أنتمي للفئة الثانية من المصريين، أي فئة الهاربين من مصر، وللتوضيح أنا وكل الفئة التي أنتمي إليها لم نهرب لأسباب أمنية أو سياسية وإنما لأسباب لا مجال لسردها الآن....هذه الفئة أيضا والتي تتكون من خيرة الشباب المصري المتعلم جيدا والمثقف، غالبا ما تعيش في حسرة دائمة لأنها لا تساهم في بناء بلدها وأنها اضطرت عندما أصبحت جاهزة للعطاء أن تهاجر لأنها لم تجد أمامها سوى خيار من اثنين إما أن تبيع نفسها وضميرها أو تهاجر، فقررت الهجرة. وعندما يتجمع بعض من هذه الفئة يتناقشون معظم الوقت في أحوال مصر والأحداث التي تجري فيها. منذ شهر تقريبا عندما بدأت وقائع التعديل الدستوري العظيم (المادة 76) ازدادت حمى المناقشات والمتابعة اليومية لما يحدث في مصر من صراع بين المعارضة وحركة كفاية وبين الحكومة الممثلة في هيئاتها وحزبها الوطني، وقررت شلة من الأصدقاء التابعين لتلك الفئة أن يكون لهم دورا ما أيا كان شكله ...بعد مناقشات مطولة عن الذي يمكن أن نفعله، ذكر لنا صديق يعمل محاميا أن الدستور يكفل للمصريين الذي يعيشون في الخارج أن يشاركوا في أي نوع من الاقتراع سواء كان إنتخابات أو استفتاءات، ففرحنا جميعا وقررنا الذهاب للسفارة والسؤال عن الأمر، وتطوع واحد من الأصدقاء أن يذهب للسؤال ....بالطبع ضل الطريق للسفارة كثيرا حتى وصل إليها في النهاية(عذرا فغالبنا لا يعرف أين تقع السفارة ولا ما هو اسم السفير) ..دخل صديقنا وهو يعمل مديرا لقسم تكنولوجيا المعلومات بأحد الشركات هنا في الإمارات، وتوجه نحو أحد الموظفين الجالسين وراء القضبان الحديدي بينما تطرق إلى أذنه حديثا جانبيا بين اثنين من موظفات السفارة (لا ما هو لو ما دفعش المهر اللي احنا عاوزينه لا يمكن نديه بنتنا) ضحك محبطا وقال( يا الله حتى هنا) ثم أكمل مسيرته نحو الموظف المحبوس كفأر وراء القضبان الحديدية وسأله:

هيه الطريقة اللي بيتم بيها الانتخاب هنا في السفارة إزاي؟

ينظر الموظف إلى الفراغ وعينيه زائغتان في ملكوت الله ثم يجيب بتعجب واندهاش: انتخاب ؟.... انتخاب ايه يا استاذ؟

الصديق: انتخابات ترشيح رئيس الجمهورية؟

الموظف: انتخاب رئيس جمهورية؟ رئيس جمهورية ايه؟

الصديق: رئيس جمهورية مصر

الموظف: ما حسني مبارك هو الريس يا ابني ...انتخاب ايه بقى؟

الصديق: الله انت ما سمعتش عن تعديل المادة 76

الموظف: 76 ايه يا ابني بس ...انت عايز ايه بالظبط؟

الصديق: ابدا باسأل هو احنا المصريين في الإمارات مش لينا حق نشارك في الانتخابات من خلال السفارة؟

الموظف: لا يا حبيبي مفيش حاجة زي كدة في الدنيا كلها.

عاد صديقنا متشككا من المعلومة التي ساقها الينا صديقنا المحامي فاتصل به وسأله إن كان متأكدا من المعلومة، فأكد له المحامي أنها معلومة صحيحة مائة في المائة وأن هذا القانون موجود في كل بلاد العالم وأن معظم رعايا الدول الأوربية والآسيوية في الإمارات تمارس حقها الدستوري في الانتخاب من خلال سفاراتها، ثم ضحك المحامي وقال ( أنا كنت متأكد إنهم هيقولولك كدة).

بالطبع بعدما سرد علينا صديقنا وقائع ما حدث له في السفارة المصرية الغراء شعرنا بالضيق لكننا في نفس الوقت غرقنا في ضحك هستيري لما سمعناه من حوار دار بينه وبين الموظف وما سمعه من حوار جانبي بين الموظفتين.....مرت الأيام ووقعت أحداث الصراع العنيف بين الحكومة والمعارضة حول الاستفتاء على التعديل الدستوري. كنا نعيش وقائع هذا الصراع لحظة بلحظة عبر الإنترنت والقنوات الإخبارية الفضائية والمقالات المنشورة في الجرائد وبداخلنا رغبة عميقة في المشاركة بأي شكل من الأشكال في هذا الاستفتاء إما بإعلان المقاطعة له أو المشاركة فيه بنعم أو لا، لكننا كنا عاجزين ولم نجد أي شئ لنفعله غير الجلوس تاركين صدورونا تغلي من وطأة الإحساس بالعجز أمام رغبتنا المحمومة في المشاركة في تغيير شيئا ما في بلدنا فنحن رغم هروبنا منها نذوب عشقا لها، الحقيقة كلنا تصرف بطريقته فأنا مثلا أخذت أتصل بأصدقائي المشاركين في المقاطعة وحاولت بقدر الإمكان الشد من أزرهم، أما صديقنا مدير تكنولوجيا المعلومات فقرر أن يعيد المحاولة مرة أخرى مع السفارة، فاتصل بها وبعد فترة طويلة من رنين التليفون أجابه صوت ناعس متململ، فسأله بطرافته المعهودة حيث أن صديقنا هذا يتصف بخفة دم رائعة :

ها .... نيجي امتى؟

الموظف: تيجوا ؟...انتم مين اللي تيجوا؟

الصديق: احنا يا جدع..المصريين

الموظف: وتيجوا ليه؟

الصديق: الله مش انهاردة الاستفتاء

الموظف: استفتاء ايه؟

الصديق : الاستفتاء على تعديل المادة 76

الموظف: 67 ايه يا ابني و85 ايه انت بتقول ايه ؟

الصديق: الله مش مفروض ان من حقنا اننا نقول راينا في الاستفتاء؟

ويبدو أن الموظف وقع في حيرة شديدة فقال لصديقنا : طيب استنى كدة أما أسال

وسمع صديقنا الموظف وهو يقول: يا محمد هو فيه استفتاء انهاردة

فجاء صوت المدعو محمد من بعيد وقال له: استفتاء ايه يا عم انت... انت بتخرف؟

الموظف: يعني مفيش حاجة بالشكل ده

محمد: لا طبعا

فعاد الموظف إلى صديقنا وقال له: لا واللهي ماعندناش حاجة بالشكل ده

الصديق: يعني مفيش منه خالص في اي حتة؟

الموظف : لا واللهي يا حبيبي مفيش.

الصديق: طيب أسال في سفارة تانية بقى

الموظف: أنا باقول كدة برضه ..شوف وربنا يوفقك.

وهكذا انتهت تجربة صديقنا الديمقراطية مع السفارة المصرية، حيث ظل يضحك ويبكي في آن واحد منذ يوم خمسة وعشرين مايو الأسود وحتى الآن، ولم نعد نعرف ماذا نفعل له كي يعود لحالته الطبيعية، خاصة وأنه أصبح مقيما في البار ليشرب حتى ينسى، والمصيبة أنه لم ينس حتى الآن، ولم نعد نعرف ما الذي يمكن فعله له حتى يعود لبيته وأبنائه وعمله .

فهل من حل لإنقاذ صديقنا الذي هرب من مصر حتى لا يجن، فجاءت وراؤه هنا لتصيبه بالجنون؟


هناك 3 تعليقات:

  1. مبروك يا أمنية البلوج

    أنا شايف أن أنتم مزودنها شوية هو أنتم مش مصريين

    زينا وتعلمون علم اليقين أن كلام و توجهات وتعديلات الريس تابوهات مقدسة لا يمكن الأقتراب منها أو المساس بيها

    كلنا خرجنا في مصر وقلنا لا وبقدرة قادر أصبحت نعم و موافقة وتأيد جماعي منقطع النظير وكانت نسبة نعم كلعادة99,9% أما الباقي الذين قالوا لا هم القلة المندسة المغرضة
    ههههههههههههههههه
    شر البلية ما يضخك

    ردحذف
  2. أعتقد إن الحرية يا طارق لا تأتي من محاولة واحدة ولكن من مئات المحاولات وربما آلاف ....دولة مثل فرنسا لم تحقق مجدها الديمقراطي بين لية وضحاها بل بعد أكثر من 200 سنة من المحاولات.

    ردحذف
  3. مبروك على المدونة يا أمنية و ربنا يوفقكم في محاولة ايقاذ السفارة و عمل صناديق أنتخاب خارج مصر للمشاركة في الانتخابات

    ردحذف