الأربعاء، 31 مارس، 2010

كم أحببت الاسلام في تركيا

عندما اعتلى طيب رجب أردوغان سدة الحكم في تركيا، قلت على الدولة العلمانية هناك السلام وترحمت على قيم أتاتورك التي استطاعت أن تصنع من دولة 99% من سكانها مسلمين نموذجاً متميزا في العالم كله. لم أغير اعتقادي هذا رغم كل الأخبار التي أتابعها عن تركيا إلى أن حققت إحدى أهدافي السياحية وقمت بزيارتي الأولى إلى تلك الدولة والتي لن تكون الأخيرة إنشاء الله.
أمضيت أسبوعاً هناك متنقلة بين إسطنبول وبورصة وكابادوكيا، وفي الحقيقة لن أتحدث عن المناطق السياحية والتارخية والآثار المتبقية من كثير من الحضارات والثقافات التي مرت على تلك الدولة، بل سأتحدث عن الإسلام هناك.
تشبه اسطنبول إلى حد كبير القاهرة، وتحديداً شارع الأزهر والحسين ومنطقة وسط البلد والعتبة والموسكي ووكالة البلح، وإن كانوا أنظف منا وأكثر رقياً، لكنني بكيت أكثر من مرة وأن أمشي في منطقة "بيازيت" و "لالالي" و " أكسراي" فلقد كنت أتنسم رائحة القاهرة في تلك الشوارع وأرى وجوهنا في كل الوجوه التي تخطو حولي وأشعر بدفئ شوارعنا بينما لا يراودني أي إحساس بالغربة، فتلك المرأة القادمة من بعيد تشبه أمي وهذه السيدة التي تسير جواري متأنقة في بساطة بينما شعرها الناعم يداعب وجهها تشبه أختي، أما هذه القادمة من بعيد ترتدي حجاباً بسيطاً غير متكلف ولا تلون وجهها بالأصباغ فاقعة اللون تشبه ابنة خالي، وهذا الرجل الأصلع الذي أبدى استعدادا مرحباً بالتقاط صورة لي يشبه خالي ...كلهم من حولي يذكرونني بعائلتي، بينما مجموعات الأصدقاء على المقاهي تذكرني بأصدقائي في القاهرة حيث نجتمع على مقاهي وسط البلد لنتجادل ونتناقش وتعلو أصواتنا بصخب محبب..... إسطنبول ما أروعك فأنت برهان جديد على أن مصر احتوت الكون كله داخلها..... ولكن !
كل ما سبق يذكرني بالقاهرة في التسعينات أما القاهرة في ألفيتها الثانية تختلف كثيراً .. أعترف بأنني غادرت مصر في عام 2001، حيث تصدمني التغيرات السريعة كلما أعود إليها كل عام، فلقد ابتعدنا كثيراً عن صفاتنا الجميلة وأصبحنا مثلاً فجاً للجهامة والتعصب، بل والسفالة أيضاً. أما اسطنبول فهي مازالت بلداً اسلامية تعبر بقوة عن دينها السمح الهادئ الرهيف والذي يحب الجميع بلا تمييز، ففي الشارع تحيط بك النساء المحجبات والنساء العاديات، يسير جوارك الرجال الذين يرتدون الملابس الحديثة وهؤلاء الذين يتمسكون بملابسهم التقليدية حيث الطاقية والبنطال ذو الحجر الواسع والقميص الأبيض، الكل يسير متجاوراً بدون أن يعلق أحداً على الآخر بتعليق سخيف، ولا تتعرض النساء العاديات " بدون حجاب" لأي نوع من الاستهجان أو سماع التعليقات السخيفة بل وقليلة الحياء والأدب من المتنطعين الذين ينصبون من أنفسهم حماة للفضيلة في الشارع ولا يجدون ما يفعلونه سوى شم الكلة ومضايقة النساء!
في سوق "جراند بزار" أكبر أول سوق مغطى في العالم، والذي تم بناء سوق الحميدية في دمشق وسوق خان الخليلي في مصر على غراره، يحتشد البشر من جميع الجنسيات لشراء الأنتيكات التركية والأشغال اليدوية المميزة تماما مثلما يحدث في خان الخليلي ولكن الفرق الوحيد هو أن جميع الباعة يقفون على أبواب محلاتهم يرحبون بك سواء توقفت للشراء أم لم تتوقف، لا يمكن أن تسمع من أي منهم سوى مرحباً أو صباح الخير بينما يدعونك إلى زيارة متجرهم والتعرف على بضاعتهم. هذا ما كان يحدث في السابق لدينا بخان الخليلي لكن الآن تغير الوضع، فطبيعي جداً أن تسمع من أصحاب المحلات كلمات فاحشة بالعربية معتقدين أنكِ أجنبية طالما لا تغطين شعرك، ولا أدري لماذا لا يضعون في حسبانهم مثلاً مع ملامحك المصرية الصريحة أنك قد تكونين مسيحية، طبيعي أيضاً أن تبصرين إشارات بأصابعهم لا تعني سوى الفحش والقذارة، ظانين أن تلك الاشارات مصرية صرفة ولن تفهمها الأجنبيات.
إضافة إلى الجراند بزار هناك أيضاً الساحة التي تتوسط الجامع الأزرق "مسجد السلطان أحمد" و متحف آيا صوفيا الذي كان كنيسة وحولها العثمانيون إلى جامع ثم حولها أتاتورك إلى متحف، طبيعي جداً أن تجد أيقونات السيد المسيح والعذراء والصلبان تباع مجاورة صور المساجد ولوحات الآيات القرآنية، رغم أن نسبة المسيحيين في تركيا لا تتخطى 1%، وذلك في تناغم واضح لا يبعث داخلك سوى البهجة والشعور بالراحة والاحساس بالجمال يعم الأجواء من حولك. أما لدينا في مصر ورغم أن نسبة المسيحيين تصل إلى 10% وربما تزيد لا يمكن أن ترى تلك الأيقونات والصلبان تباع إلا أمام الكنيسة المعلقة وماري جرجس على استحياء شديد، إضافة إلى بعض المكتبات المسيحية النادرة في وسط البلد والتي تعرض بضاعتها بحذر وكأنها تبيع ممنوعات.
في جامع السلطان بيازيت والذي أعتقد أنه من الداخل أكثر جمالاً مقارنة بجامع السلطان أحمد، حيث عشقت الصلاة داخله، طبيعي أن ترى نساء عاديات "بدون حجاب" يحتشدن في منطقة الميضأة يتوضأن جوار الرجال، وربما يكون هذا ما دفعني إلى أن أسرع وأجلس على أحد المقاعد الرخامية التي تحيط بالميضأة وأشمر عن أكمامي وأنظر إلى السماء وأقول بعشق "بسم الله الرحمن الرحيم نويت الوضوء" وبالفعل توضأت يجاورني طفل وأبيه فنظرت إليهما وابتسمت قائلة "السلام عليكم ..أنا مسلمة من مصر"، فابتسم الوالد قائلاً " مرحباً بك في اسطنبول" ...دخلت إلى المسجد بعد أن خلعت عني حذائي وسحبت أحد أغطية الرأس المعلقة إلى جانب الباب، ثم ولجت إلى صحن الجامع متجهة نحو القبلة المنيرة ورفعت صوتي قائلة بينما دموعي تتسابق على خدي " الله أكبر". أعترف أنني لأول مرة منذ زمن بعيد أعلن بفخر شديد أنني مسلمة ودون أن يسألني أحد، وأعترف أيضاً أنني كنت راغبة في أن أجري في الشوارع وأنا أصرخ " أنا مسلمة، أنا مسلمة، أنا مسلمة".
بقى شيئ واحد أحب أن أشير إليه، ألا وهو أن شوارع اسطنبول تعج بعناصر الشرطة التي هي في خدمة الشعب فعلاً، موجودة على مدار الساعة يضبطون الأمن في الشارع ويمنعون الشغب، وكل هذا دون أن يلحظهم أحد حيث لا يتسببون في إزعاج المارة ولا يصنعون من أنفسهم بلطجية شوارع ويفرضون إتاوات على الناس ....هم ينتشرون فقط من أجل تحقيق الأمن وضبط النظام في الشوارع...... فتحياتي إلى إسطنبول وإلى تركيا كلها وإلى طيب رجب أردوغان الذي عرفت من الأتراك هناك أنه ربما ينتهج فكر الاسلام السياسي لكنه يطبقه ضمن القيم العلمانية التي أقرها أتاتورك، بل إنه يؤمن بالقومية التركية ومتعصب لها كثيراً.

هناك تعليق واحد:

  1. لم يقشعر جسدى لمقال كما اقشعر لهذا المقال الذى تخيلت نفسى فيه
    تحياتى لك يبدو انى ساستمر فى القراءة لك

    ردحذف