الاثنين، 29 أغسطس، 2011

أنا وبوذا ومايكل



علمني بوذا أنا لا أحب بشروط، أحب فقط وتكالي على الله. علمني بوذا أن أسجل مواقفي المؤيدة والمعترضة ولا أتهاون أو أفرط في حقي، لكني مع ذلك أحب من يعارضني ولا أتعمد إيذائه ولو تعرض لأذى أناصره وأسانده. علمني بوذا أن آخذ نفساً عميقاً قبل أن يصدر مني رد فعل وأن لا أحاسب الناس على ضمائرهم بل أتعاطف معهم جميعاً وألتمس لهم الأعذار. هذا ما تعلمته من بوذا...هل تسمعون هذا الكلام لأول مرة؟ اعتدتم أنتم على من يتشدقون بما قاله الله أو الرب أو محمد أو المسيح، لكنكم وبدون مبرر منطقي واحد قررتم أن ما عدا ذلك مرفوض. أن ما عدا ذلك مفسد وحاقد وشرير ويستحق الحرق. فماذا أنتم فاعلون الآن بي وأنا أتشدق بما قاله بوذا؟
عندما اصطدمت عقليتكم بقضية البهائيين، قمتم ولم تقعدوا وقررتم أنهم كفار وخارجون عن الإسلام أو المسيحية فناصبتموهم العداء، وإلى الآن ترفضون الاعتراف بهم حتى كبشر من حقهم مشاركتكم نفس الهواء. تضامنتم في صمت على أن تقبلوا الآخر بشرط أن يكون مسيحي أو مسلم سٌني، لكنه لو كان شيئاً مختلفاً فهو ليس بآخر يمكن قبوله، لكنه عدو الله وعدوكم. في مصر قرر المسلمون بلع المسيحيين على مضض درءاً للفتنة والمشاكل، وعلى الجانب الآخر قرر المسيحيون التغاضي عن تاريخ الطائفية القديم وفتح صفحة جديدة لنفس الأسباب، وانطلق الطرفان في التشدق بحرية العقيدة والوحدة الوطنية، في الوقت الذي يؤمن كل منهما في قرارة نفسه أن الآخر على ضلال وأنه في النار.
ما سبق كان مقدمة واجبة لبدء الحديث عن مايكل نبيل. مايكل الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة الآن في السجن الحربي، دون أن ينظر له أحد بعين الاعتبار، حتى الأفراد العاديين تم تعبئتهم ضده. الكنيسة تخلت عن مايكل لأنه خرج عليها وأعلن إلحاده، بينما لم تفكر لحظة أنه في مقتبل عمره وأنه قد يعود إلى أحضانها ذات يوم بعد رحلة من التفكير والبحث التي من حق أي انسان أن يمر بها. تخلت الكنيسة عن مايكل، رغم أن أباه وأمه وأخوته وعائلته كلها مازلت تنتمي إليها وتعتقد في عقيدتها.
تخلى الإخوان المسلمون عن مايكل لأنه ليس إخوانياً ببساطة، وتخلى أبو اسماعيل عنه لأنه ليس امرأة ترتدي الحجاب، وتخلى اليسار عنه لأنه مطبع مع اسرائيل ونسوا أن حكومة مصر نفسها أكبر مطبع، حتى الليبراليين تخلوا عنه رغم انتمائه إليهم، ربما لأنهم خافوا على مصالحهم مع العسكر أو ربما لأنهم ليبراليون وهذه هي سماتهم، أن تظل براجماتياً نفعياً حتى آخر نقطة في دمك، ومايكل قضية خاسرة فهو خارج عن تابوهات المجتمع المقدسة ( ملحد ومطبع).
أما جمعيات حقوق الإنسان فحدث ولا حرج، لم نسمع منهم سوى الصمت أو مواقف خجلة تخرج من باب سد أبواب مفتوحة، وعندما تكلمت واحدة منها بقوة، اشترطت أن يتراجع مايكل عن مواقفه، ومايكل مرمي في السجن يا ولداه، فاقد الوعي بعد دخوله اليوم السابع من إضرابه عن الطعام، دون رعاية صحية ولا حتى محضر يثبت إضرابه.
القلة المندسة التي أنتمي إليها، التي لا تضع شروطاً وقيوداً لحرية الرأي، وتؤمن بحق الجميع في الاعتقاد والتفكير والتعبير، تتعرض يوميا للإهانة لأننا ندافع عن مايكل، والغريب أننا جميعاً مطالبون بأن نقول أننا لسنا مؤيدين لأفكار مايكل ولكننا ندافع عن حقه في الوجود، وأن يحاكم مدنياً إذا كان ارتكب جرماً بحق. أيها السادة مايكل لم يكن عميلاً لإسرائيل، لأنه لو كان كذلك لحاكموه العسكر بتهمة الخيانة، لكنه محكوم عليه عسكريا بتهمة إهانة الجيش وترويج إشاعات كاذبة. والسؤال هنا؛ هل الجيش هو الله أو رسوله حتى يتم سجن من يهينه؟ والسؤال الآخر؛ ألم يثبت أن إشاعات مايكل حقيقة وأن ثوار التحرير تعرضوا للتعذيب في المتحف وفي سلخانات الجيش وأن فتيات التحرير تعرضوا فعلاً لكشف العذرية؟
إن الحالة السياسية المصاحبة لمايكل نبيل، تنبئ بقوة أننا في مصر ذاهبون إلى عصر الكانتونات أو الدكاكين الصغيرة، حيث كل دكان سيراعي فراخه التي ترقد داخله ولن يهتم بباقي الفراخ، أما الشاردين أمثال مايكل فلن يكون لهم ثمن ولا دية...... فهل هذا ما ترغبون به؟
مجرد سؤال أطرحه أنا وبوذا ومايكل

الأحد، 7 أغسطس، 2011

بمنتهى الشرف مع "خرم" حازم صلاح

يطالبنا حازم صلاح المرشح المحتمل للرئاسة بأن نكون شرفاء في حواره ببرنامج "ليطمئن قلبي"على قناة التحرير، هذا على اعتبار أننا في الأساس وبناء على وجهة نظره الشريفة العفيفة الطاهرة، غير شرفاء بكل ما تحتمله الكلمة من معاني باطنية وظاهرية. ما علينا فلنعتبر أنفسنا غير شرفاء وسنحاول أن نتحلى بالشرف مع كبير الشرفاء حازم صلاح.
المرشح المحتمل لرئاسة جمهورية مصر العربية - التي تعاني من مشاكل اقتصادية عويصة، ومشاكل فقر وبطالة وأمية مستفحلة، وأزمة مياه تدق على أبوابنا بقوة، وتهديد بتقطيع أوصال البلد إلى أربعة بلاد...إلخ إلخ إلخ - يرى أن الحل الوحيد لحل مشاكل مصر يكمن في أن ترتدي النساء الحجاب. ما علينا للمرة الثانية، ولنسير مع فضيلة المرشح المحتمل للرئاسة خطوة خطوة: يقول حازم أن في أمريكا تمنع النساء من ارتداء لباس البحر بالقانون، وأن من ترتدي " المايوه" يتم معاقبتها ...وهنا أتساءل بدهشة وحاجباي مرتفعان حتى منابت شعري...في أمريكا؟؟؟؟؟ فيييييين يا فضيلة المرشح؟
يقول فضيلته؛ أن الحجاب فريضة بإجماع العلماء وأنه لم يختلف عليه سوى الكتاب والصحفيين والفنانين الذين لا "يؤبه" لهم، وشدد على كلمته هذه، وبالتالي قام المرشح المحتمل، باستبعادنا وإقصائنا مقللا من قيمتنا وقيمة آرائنا وأفكارنا، باعتبارنا سفهاء من وجهة نظر عظمته، فنحن مهرجون في الأساس في نظره الكريم، لا ثمن لنا ولا لكلامنا، ولا يمكن مقارنتنا بأي حال من الأحوال، بمن هم مثله وفي مستوى عظمة ورفعة وجلالة فضيلة أفكاره العظيمة. لكنه يأبه لكلام من يصفهم بالعلماء الذين ينتمون إلى قرون خلت من قبلنا، لو جاء واحد منهم وحاول أن يسير خطوة واحدة في شوارعنا، سوف يسقط ميتاً بالسكتة القلبية، فكيف بنا نأخذ بآرائه وتفسيراته للدين وهو الذي لا يعلم كيف يتعامل مع كوبس كهرباء، أو دراجة ببدالات، ومازال يرى أننا يجب أن ندخل على حماماتنا السيراميك بدعاء دخول الحمام مستعيذين من المخلوقات القبيحة الساكنة في " الكنيف" النجس!
يقول فضيلة المرشح المحتمل، أن الحاكم من دوره أن يفعل هذه الفرائض، مشيراً إلى الحجاب، وبالتالي أتساءل، وهل من دور الحاكم أن يفعل أيضاً فريضة غض البصر؟ وإذا تم تفعيل هذه الفريضة، فكيف يمكن معاقبة من يتجاوز وينظر للمرأة بعيونه الجريئة؟ هل سيتم فقع عيونه مثلاً؟ السؤال الأهم، كيف سيتم السيطرة على تحركات عيون الرجال في الشارع؟ أم أنه دائماً المرأة هي الحائط المائل للجميع، وكل من يحب أن يثبت قوته وإيمانه وتقاته، وأنه مع مكارم الأخلاق ومع الدين، يركن على المرأة ويضغط عليها؟
يعود فضيلته يزهزه عصره وينصره على من يعاديه، ليقول؛ أنه الحمد لله يا رب، سوف يأخذنا بالرفق وبالهدوء حتى لو تطلب الأمر عشرين عاماً، وهنا أتساءل، ماذا لو أصررنا حتى بعد مرور العشرين عاماً على أننا لن نرتدي الحجاب، ماذا ستفعل؟، ثم يعود ليقول أن المسلمين الذين يترفقون بغيرهم ويطالبون بأن يكون الانسان حراً في اختياره الالتزام بالفرائض من عدمه، يقول أنهم " خرموا" خرم كبير في الدين وفيما قاله العلماء.....خرم؟؟؟؟؟!!!!!!! خرم يا فضيلتك؟ وفي الآخر ترى أننا الصحفيون سفهاء ولا يؤخذ بكلامنا؟ فماذا عن الخرم الخاص بفضيلتك؟ وهل الخرم هذا سيؤدي إلى تسريب ما، في مكان ما، لا يعلمه سوى عظمتك؟
في النهاية، يأخذها فضيلته من أصيرها ويرمي بكل ما في جعبته مرة واحدة ويقولها صراحة أن؛ " المجتمع الذي تخرج فيه فتاة وتعتدي على عفة الشباب بتبرجها البالغ وهم مش عارفين يتزوجوا، ده عنصر دخلت به على المجتمع فأفسدته". مرة أخرى المرأة هي أس البلاء بجسدها، أما الرجل فهو يا حرام مغلوب على أمره ولا يمتلك عقلاً يتحكم به في شهواته!. وبدلاً من أن يناقش مولانا حازم صلاح باعتباره مرشح محتمل للرئاسة، كيفية إنعاش الاقتصاد المصري وفتح مشاريع واستثمارات كبرى، تؤدي إلى توفير فرص عمل للشباب ورفع المستوى الاقتصادي لسكان مصر، ما يسهل بدوره زواج الشباب، يحل المسألة من بابها السهل ويقرر أن على النساء أن ترتدي الحجاب، حتى لا تعتدي على الشباب الغلابة المساكين، المحتارين برغباتهم الجنسية المكبوتة في الشوارع والحارات والمواصلات العامة.
الغريب جداً أن الشيخ المبجل الذي من المحتمل أن يعتلي سدة الحكم في مصر، لم يرد على خاطره أن الرجال المتزوجين يتحرشون بالنساء في الشوارع أكثر من الشباب غير المتزوج، وأنه رغم انتشار الحجاب والنقاب في مصر، إلا أن حوادث التحرش والاعتداء على النساء زادت وفاضت في حين أنها لم يكن لها وجود عندما كانت ترتدي النساء الميكروجيب في الستينات.
أتساءل أو أوجه سؤالاَ لمولانا المرشح، ماذا ستفعل في شهوتك، عندما تعتدي عليك النساء الأجنبيات بتبرجهم، أثناء قيامك بمهامك الرئاسية في الخارج؟ خاصة وأن النساء يعتلين سدة الحكم في بلاد كثيرة ويتولين مناصب هامة مثل وزارة الخارجية والدفاع وغيرها، بل ورئاسة الوزراء أيضاً....واللهي يا شيخ إني أخاف عليك من الفتنة، وبالتالي أوصيك بأن تقطع علاقة مصر بكل البلاد التي تسمح للنساء المتبرجات بشغل مناصب هامة.
يعود الشيخ ويقول أنه سيفعل مثل أمريكا ولن يفرض علينا نوع لبسنا فمن ترتدي ملائه هي حرة فقط عليها الالتزام بالمواصفات العامة، وطبعاً يقصد المواصفات العامة للحجاب من وجهة نظره طبعاً، فأنا متأكدة أن أغلب محجبات مصر الآن سيكن متبرجات في نظر فضيلته. حتى الآن لا أدري سبب الزج بأمريكا كمثال لكلامه، فالحقيقة لو كان يريد حازم صلاح تطبيق النموذج الأمريكي على مصر، فأنا سأكون أول الناخبين الواقفين في صفوفه الانتخابية.
فضيلته يرى أن عصرنا الحالي عصر فجر، لأن طوال 1400 عام لم تر دولة إسلامية فجر مثل الذي تراه في عصرنا الحالي، وهنا قام المرشح العظيم، بسبنا وسب أمهاتنا وجداتنا بجملة واحدة، فأنا وأمي وجدتي فاجرات في نظره، إضافة إلى تجاهله التام لسؤال المذيع، بأن كان ذلك قد شمل غير المسلمات طوال التاريخ الماضي، الماضي الشريف العفيف، وليس عصرنا الفاجر في نظر الشيخ.
حازم صلاح يرى أن الحاكم من دوره أن يقيم الدين كما يقيم الدنيا، وبالتالي يتوعدنا جلالته، بأنه سيكون مثل الملك هنري الثامن في انجلترا، الذي نصب من نفسه قيماً على الكنيسة، فقطع رؤوس كل من يخالفه بدعوى الهرطقة، لأنه ببساطة، أصبح العارف العالم القيم الوحيد على الدين وطريقة تطبيقه، ومع وفاته كان عدد المقطوعة رأسهم من الرجال والنساء قد بلغ 74 ألف رأس من كبار علماء وأدباء ومفكري وأثرياء إنجلترا آنذاك.
يدافع حازم صلاح عن موقف السلفيين وانقسامهم على أنفسهم بين مؤيد للخروج والثورة على الحاكم، ومحرم لها، ويقول أن الاختلاف في الاسلام رحمة وأن هذا دليل على رحمة الإسلام وقوته. وأتساءل لماذا يرى صلاح في الاختلاف هنا رحمة ولا يرى نفس الشيئ في مسألة الحجاب؟ ولماذا يرى أن الحجاب من المعلوم في الدين بالضرورة، بينما غيره لا يخضع لنفس المبدأ؟ رغم أن المشايخ الذين رفضوا الخروج على الحاكم أيدوا رأيهم بآيات وأحاديث وكفروا كل من خالفهم، وغيرهم على الجانب الآخر استخدموا نفس الوسيلة لدعم رأيهم وقالوا أن المشاركة في الثورة فريضة؟ هل أنتم الذين تحددون الفرائض والمعلوم وغير المعلوم بالضرورة؟ ومن أقامكم آلهة علينا والإسلام من الأساس لغى الكهنوت وجعل كتابه شاهداً بين أيدينا جميعاً نقرأه ونفسره بعقولنا وهو قرآنا عربياً سليماً وليس بالأعجمي؟
ينهي حازم صلاح كلامه بمطالبتنا بأن نترك الإسلام، فهو يقول وفقاً لكلامه أن على المسلمة التي لا ترغب في ارتداء الحجاب أن تترك الإسلام، أو أن تكون شريفة وتعلن أنها عاصية قائلة " أنا مسلمة عاصية". ما علينا للمرة الثالة، وأقولها بأعلى صوت يا فضيلة عظمة المرشح الرئاسي المحتمل، أنا مسلمة ولا أرتدي الحجاب، ولن أرتديه لأنني مقتنعة وفقاً لرؤيتي وفهمي للنص القرآني أنه ليس فرضاً، ولكني سأسير معك وسأقول لك أنني مسلمة عاصية فماذا أنت فاعل؟ هل ستجلدني أم ستسحلني أم ستجعلني أمتطي الحمار بالمقلوب وتزفني في الأسواق، أم ستحكم علي بالسجن؟ دعك من هذا، أنا امرأة وُلدت على دين الإسلام، ولكن لا أرغب في أن أكون مسلمة، فماذا أنت فاعل؟ هل ستتيح لي إمكانية تغيير ديني بمنتهى الحرية والديموقراطية؟ أم ستحكم علي بالقتل وفقاً لحد الردة المزعوم؟ وهل بعد كل ما سبق ستظل مدعياً أنك رجل ديموقراطي وتسمح بإقامة الحريات والعدالة والمساواة بين الناس؟
أرجوك يا حازم صلاح، فلتكن أنت ومن هم مثلك أكثر صراحة من ذلك، وتتوقفوا عن الادعاء بأنكم رجال ديموقراطيون، تؤمنون بحرية الفرد وكرامته مهما اختلف في العقيدة أو الفكر. أرجوك إعلنها صراحة أنك ستقيم دولة الديكتاتورية المتمسحة في الدين، وأنك سوف تبطش أول ما تبطش بالأقليات الدينية، وأنك ستحرم النساء بالهدوء وعلى مدار عشرين سنة من كافة حقوقهن حتى تحرمهن من العلم نفسه، وأنك تعدنا أنه في غضون عشرين عاماً ستكون مصر النموذج الأفريقي لدولة أفغانستان الديمقراطية المستقرة المستقلة، نَمِرة الاقتصاد التي تهدد مضاجع الاتحاد الأوروبي وأمريكا.


http://www.youtube.com/watch?v=zgpezYcRXqE

الثلاثاء، 2 أغسطس، 2011

تقسيم مصر بين الواقع والمتخيل

ربما يبدو عنوان المقال وكأنه دراسة متعمقة في الموضوع، ولكن الحقيقة هي أنني أحاول تجميع كل ما تردد في هذا الشأن، سواء داخل أعمدة الرأي بالجرائد المصرية، أو بين المصريين أنفسهم في الشوارع والمواصلات العامة. الاجابة الوحيدة التي تأتي كرد فعل سريع على طرح إمكانية حدوث التقسيم في المستقبل، هي؛ لا يمكن أبداً أن يحدث في مصر فنحن لسنا مثل باقي الدول، لكن الواقع يقول، أننا المصريون ليست على رؤوسنا ريشة، وأننا لم نقدم أي معطيات أو دلائل تشير إلى تماسك خريطة مصر دون تعرضها للتمزق مثلما حدث وسيحدث في السودان للمرة الثانية لفصل إقليم دارفور واستقلاله.
نحن يا سادة على العكس تماماً، قدمنا ومازلنا نقدم كل التسهيلات الممكنة لوقوع المحظور وتقسيم مصر، لتنتظر الأجيال القادمة، ظهور مينا جديدة يحاول توحيد القطرين، وإن كان العبئ سيكون ثقيلاً لأنه سيضطر إلى توحيد الأقطار الثلاثة، لأننا اكتشفنا بين ليلة وضحاها، أننا المصريون ننتمي إلى ثلاثة أعراق، العربية والقبطية والنوبية " هاموت وأعرف جابوها منين الأعراق دي".
على مدار ثلاثين عاماً هي فترة حكم مبارك، لم يكن ينقص الإدارة المصرية، سوى أن تقسم البلد بيديها وتسلمها جاهزة لإسرائيل والأمريكان والسعودية. كانت سيناء عائدة إسمياً لحدودنا، لكنها فعلياً في حضن إسرائيل، وكان اختلاق أسباب النزاع والفرقة الطائفية بين المسلمين والمسيحيين يسير على قدم وساق، مدعوم بتمويل من الخارجين، الأمريكي في صورة أقباط المهجر، والسعودي في صورة التيارات الاسلامية المختلفة. ولم نكن نفعل، نحن شعب مصر الساذج الغلبان سوى إصدار ردود أفعال إنسانية طبيعية تمنح أعدائنا ما يرمون إليه بمنتهى السهولة والبساطة، فقد ذهب مبارك وقد نفذ ما كان مطلوباً منه بدقة، شعب ممزق يكره بعضه بعضاً، نصفه أمي فقير، تحركه عصا التيارات الاسلامية بصناديق السكر والزيت والوعد بالجنة، والنصف الآخر لا يدري ما الذي يجب أن يفعله وهو لا يملك شيئاً، سوى التظاهر والاعتصام.
الغريب أننا وكشعب ينتمي لدول العالم الثالث بجدارة، مصابون بالذاكرة الضعيفة، أو بذاكرة السمكة نفسها، فلقد تعرضت مصر أو بمعنى أصح مملكة مصر والسودان من قبل للتقسيم والتمزق، وبرغم أن غالبية الشعب السوداني الواعي كان ضد التقسيم آنذاك، لكن تحريك صناديق الاقتراع نحو التقسيم، تمت بنفس الطريقة المعهودة، ألا وهي صناديق السكر والزيت، أو بمعنى أصح دفع الأموال للتيارات المعادية للوحدة لحشد الناس في اتجاه الانفصال. أعتقد تماماً أن جدي وجدتي قالا لي ذات يوم؛ أن أحداً لم يكن يتخيل أبداً أن تنفصل مصر عن السودان، تماماً مثلما نقول الآن، لا يمكن أن تقع مصر تحت سكين التقسيم!
نحن لا نفعل سوى الكلام، بينما يتحرك أعداؤنا في الغرب الكافر والشرق المؤمن في تحالف قوي وثابت، نحو تحقيق أهدافه، لنستيقظ ذات يوم على مصر وهي جزء تابع لإسرائيل، وآخر مسلم وثالث مسيحي، ورابع نوبي. المحير بالفعل بالنسبة لي أنني لا أرغب في الانتماء إلى الدولة الاسلامية، وكذلك وبما أنني لست بمسيحية فليس من حقي الانتماء إلى الدولة المسيحية، رغم أنها ستقوم على الجزء المحبب إلى قلبي من مصر، وطبعاً لون بشرتي لا يمنحني جواز العبور نحو الدولة النوبية، ولأنني ضد التطبيع فلن أكون يوماً من عرب سيناء الذين سينضمون إلى دولة إسرائيل، ليبقى السؤال المحير أين سأذهب بحقيبة ملابسي، أو حتى من دونها؟ وأين سيذهب كل المواطنين المصريين الذين يشبهونني وهم كُثر؟ هل سنلجأ إلى أمريكا أم إلى السعودية؟ لأنه وبكل صراحة على من حضر العفريت أن يصرفه، فالدولتان لا تألوان جهداً للدفع نحو هذا المستقبل المرعب لمصر. لكنني واثقة أن السعودية سترفض امرأة علمانية كافرة مثلي، وبالتالي سأضطر إلى اللجوء لأمريكا لأنها تسمح للكفار بأن يعيثوا في أرضها فساداً، وإن كنت سأحزن كثيراً على نقود الخليج وماركات المكياج والبارفان والملابس التي لا تجدها المرأة بأسعار جيدة إلا في السعودية والخليج بشكل عام، وسلامي إلى مصر التي لا يمكن تقسيمها.