الأحد، 27 سبتمبر، 2015

أسئلة مشروعة حول نكبات الحج هذا العام




لم يكن حادث التدافع في منطقة رمي الجمرات بمِنى والذي راح ضحيته أكثر من سبعمائة حاج وإصابة ثمانمائة آخرين، سوى تعبير آخر لمسلسل نكبات الحج هذا العام، فلقد اعتدنا على حدوث وفيات بين صفوف الحجاج كل عام، خاصة كبار السن من جراء الزحام، ولكن أن يقترب عدد المتوفين من ألف حاج، بحساب شهداء حادثة الرافعة فهذا أمر يدعو للتساؤل حول التأمينات التي تقرها المملكة السعودية بالنسبة لوفود الحجاج الذين يقدمون إلى مكة سنوياً في نفس التوقيت لتأدية شعائر الحج، كطقس إسلامي أصيل يحدث منذ أكثر من 1400 عام.
ما هي النكبة التي تواجهها المملكة العربية السعودية وأدت إلى هذا المستوى الرديئ من التنظيم وإدارة شعائر الحج؟ خاصة وأننا كل عام نسمع ونقرأ أخباراً عن التصليحات والتوسعات وزيادة التأمين للحرم المكي وحرم مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو أمر طبيعي أن يحدث مع ارتفاع تكاليف الحج حتى تحول إلى حلم خاص بالمسلمين الأغنياء دون متوسطي الحال والفقراء، الذين لم يعد بوسعهم أن يشدوا الرحال إلى مكة دون تأشيرات وموافقات أمنية وأموال طائلة، فأصبح بيت الله الحرام أشبه بحلم بعيد المنال لجُل المسلمين.
تبريرات عديدة قدمها المسئولون عن تنظيم الحج، أهمها إلقاء اللوم على الحجاج أنفسهم، متهمين إياهم بالتدافع ومخالفة القوانين الموضوعة لتأدية شعيرة رمي الجمرات، في حين أعرب الحجاج عن انزعاجهم من عدم قيام الدفاع المدني السعودي بدوره في احتواء الأزمة التي كان بالإمكان اللحاق بها في بواكيرها فلا يصل عدد الضحايا إلى هذا الرقم المفزع.
لا أرغب في شن الهجوم على المملكة العربية السعودية، ولكن في الحقيقة ومن خلال الصور التي يتم بثها لمحيط الكعبة، يبدو أن المملكة تركت مكة ومحيط الكعبة للاستثمارات العقارية، فاهتمت ببناء ناطحات السحاب والفنادق الضخمة الفخمة حولها حتى غطى مشهدها على قدسية المكان وروحانيته، وأذهبت هذه الاستثمارات اهتمام المملكة إلى أمورٍ دنيوية لا علاقة لها بالأمور الدينية ورعاية مصالح المسلمين الذين يحجون سنوياً طلباً للمغفرة والهداية.
ورغم أن حادث الرافعة يبدو أمراً قدرياً مربوطاً بالانقلابات الجوية، فالسؤال الملح هو: ألا يوجد لدى المملكة جهازاً خاصاً بالتنبؤ بحالة الطقس؟ وما السبب في ترك مثل تلك الرافعة داخل الحرم مع بدء توافد الحجيج لأداء شعيرة الحج؟ ثم الحريق الذي نشب في إحدى فنادق مكة وينزل به الحجاج وأودى بحياة سبعة منهم، وأخيراً هذا الحادث الذي عصف بآخر ما تبقى من أمل في أن ينتهي الحج هذا العام على خير.
نعم لقى هؤلاء الحجاج ربهم في أطهر أرض، فطوبى لهم ملاقاة الله وهم منكفئون على قراءة مصحف أو ساجدون في صلاة، ولكن لا يمكن أن نُوقف الأمر عند هذه الحدود، وعلينا أن نتساءل وبقوة إن كانت المملكة مازالت جديرة بتولى أمور الكعبة التي هي في الأساس ملك لكل المسلمين في كل بقاع الأرض، وحق لهم كي يزوروها ويحجوا إليها بعيداً عن كل تعقيدات الحج المادية الباهظة والتي بإمكانها أن تقضي على أمل مقابلة الكعبة لصفحة وجوهنا.
إن الحادث المرير الذي أودى بحياة أكثر من سبعمائة حاج وهم يؤدون شعيرة رمي الجمرات، لا يجب  أن يمر بسهولة، فتلك الأرواح التي ذهبت لأن القائمين على تنظيم الحج لم يعدودوا قادرين على القيام بواجبهم، لا يمكننا اعتبارهم شهداء في سبيل الله وكفى، وإنما يجب فتح تحقيق جاد في هذا الأمر وإعلان قرارات ونتائج تحسم احتمالية حدوثها مرة أخرى، وإلا فإن الحوادث المفجعة ستتكرر في بيت الله الحرام، الذي لا يُقتل فيه طير فما بالكم بأرواح البشر.