السبت، 22 أبريل، 2017

حتى ينتهي النفط .. دراسة شائكة عن واقع العمالة المصرية في الخليج

دون ترتيب مسبق وجدت نفسي في حفل توقيع كتاب " حتى ينتهي النفط .. الهجرة والأحلام في ضواحي الخليج"، ولأنني كنت من المهاجرين إلى الخليج لفترة طويلة اهتممت كثيراً بالعنوان ما شجعني على البقاء في الحفل وسماع تقديم المُؤلف "صامولي شيلكه" لكتابه مع الناشر محمد البعلي صاحب دار نشر "صفصافة". ربما يكون الكاتب قد لخص محتوى كتابه في اللقاء، لكنني عندما شرعت في قراءته راودتني كل تلك المشاعر المتضاربة أثناء إقامتي الطويلة في الإمارات، ذلك النزاع الخفي بين الرغبة في الحياة فعلاً، والاستسلام لأسلوب الحياة الأشبه ببرامج تلفزيون الواقع، أوكما أطلق عليها "توفيق" أحد أبطال الكتاب الذين استخدمهم شيلكة في دراسته لوضع العمالة المصرية في الخليج: "ترومان شو".
نحن بالفعل نمثل الحياة في دول الخليج، ونرضاها لأنفسنا صاغرين على أمل تحقيق الهدف الأسمى؛ ألا وهو الثراء وإحداث النقلة الاقتصادية والاجتماعية التي لن نستطيع أبداً تحقيقها على أرض مصر، الوطن الذي يحتوي على كل تفاصيل الحياة الحقيقية لكنه لا يقدم معها الإمكانية على العيش، ما يجعل الهجرة سواء مؤقتة للعمل في الخليج أو دائمة إلى أوروبا ودول المهجر المعاصرة، مشروع في حد ذاته حيث لا مشروع آخر يمكن أن تتيسر له سبل النجاح في بلادنا.
يصدر صامولي شيلكه كتابه برباعية جاهين :
إقلع غماك يا تور، وارفض تلف
إكسر تروس الساقية .. واشتم وتف
قال: بس خطوة كمان .. وخطوة كمان
يا أوصل نهاية السكة، يا البير يجف
عجبي
ربما كانت هذه الرباعية أكثر شئ معبر عن الدراسة التي يقدمها شيلكة في كتابه، حيث العمالة البسيطة في الخليج تعيش في ضيق وحياة مؤجلة طوال الوقت من أجل صناعة حياة في بلدهم، لا ينعمون بها أبداً ورغم واقع الحال المزري لمستوى الحياة التي يعيشونها في الخليج، إلا أنهم دائماً ما يقولون لأنفسهم ومن حولهم :" عام واحد آخر ونعود"، ولكن هذا العام يجر أعواماً لا تنتهي ما يجعل آخرين للاعتراف بالواقع ليبدلوا القول إلى " لن نرحل حتى آخر قطرة نفط".
يختار شيلكة قرية "نزلة الريس" شمالي مصر لعمل دراسته، حيث أن رجال القرية بنسبة عالية يجرون بعضهم بعضاً للعمل في الخليج كأفراد أمن برواتب زهيدة، تبقى في النهاية أفضل من واقعهم داخل بلادهم التي لا تقدم شيئاً مهما عملوا وكدحوا. يتنقل مؤلف الكتاب مع الشخصيات التي اختارها للدراسة بين قريتهم وبين موقع عملهم الذي هاجروا إليه في قطر، ليرصد تطور حالتهم من بداية الحلم وحتى تحطمه على صخرة الواقع ثم الرضوخ للأمر الواقع حيث أن العودة  إلى مصر لا تفتح أي باب باتجاه تحقيق أي حلم، وتحديداً الزواج وفتح بيت، والذي يتحدث شيلكه عن كونه من أهم الأهداف التي يسعى لتحقيقها المواطن المصري مهما كلفه هذا الحلم من تضحيات وضياع لأيام العمر دون الوصول إلى مرحلة الراحة التي يعملون من أجلها جُل عمرهم.
يقدم صامولي من خلال شخصياته مفاهيم اجتماعية تم رصدها من قبل العلماء المتخصصين عن الخليج، مثل مفهوم (الهايبر واقع) الذي يمثل شكل من أشكال المحاكاة للحياة، محاكاة مُقنعة لدرجة أن الحياة الأصلية تبدو إلى جوارها أقل واقعية، فيقول: " هناك شئ من الوجاهة في مفهوم الهايبر واقع. لو كان توفيق يعرف المفهوم ربما كان ليستخدمه. كما لو كان يعرف بأفكار الباحث الجوغرافي المصري ياسر الشيشتاوي، كان ليوافق معه أن مشروعات "البرستيج" في مدن الخليج هي استعراض أو "فرجة" بالمعنى أنها تحول الناس إلى متفرجين ومستهلكين في حالة شديدة من الاغتراب. وربما ليوافق تماماً – على مقولة الشيشتاوي بأن تلك مشروعات " يصبح الزيف فضيلة .. ونموذجاً".
من خلال (عمرو وتوفيق) يستعرض المؤلف وصاحب هذه الدراسة رحلة المغترب المصري الذي يضطر لقبول أعمال بسيطة بعائد قليل مثل "رجال الأمن" للبنوك والشركات، فهي مهنة مملة ولا تحتاج إلى أي مقومات حيث أنهم لا يقومون بوظيفة حقيقية فدول الخليج على الأغلب تتمتع بدرجة عالية من الأمن نظراً لأن تعداد السكان الأصليين قليل ومساحتها أيضاً صغيرة، إضافة إلى تعمد حُكَّام هذه البلاد إلى تنويع الجنسيات العاملة لديهم من البلاد الفقيرة، بحيث لا يمكن أن يحدث أي نوع من التكتل للاعتراض على أي وضع غير آدمي أو إحداث شغب.
راتب رجل الأمن لا يزيد بأي حال من الأحوال عن 1500 ريال قطري والعمل يمتد ليشمل أيام الأسبوع كله لإثنى عشر ساعة يومياً، وبالتالي لا يوجد أي شئ آخر في الحياة سوى النوم والعمل، أما الرفاهية والجمال الأسطوري والسلع المُغرية في المولات فهي ليست لهم، بل للمواطنين من أهل البلد والمغتربين الذين يعملون في مهن مميزة تُدر دخلاً كبيراً، أما هم فلا يوجد لديهم سوى الفُرجة من بعيد.
يستعرض أيضاً شيلكة تأثير الزحف نحو بلاد الخليج ثم العودة إلى مصر في النهاية على أسلوب الحياة في القرى والمدن المصرية، حيث السعي الدؤوب لامتلاك السلع المعمرة وتبوير الأراضي الزراعي والبناء عليها وأجيال كاملة تنشأ بعيداً عن آبائها وتصدير المفهوم الخليجي للإسلام والشعور بالضآلة أمام أي شئ غير مصري، وتحول مفهوم المعمار في المدن الجديدة إلى المفهوم الخليجي أيضاً.
الكتاب ممتع جداً وأرشحه بقوة للقراءة، حيث أنه يتبنى أسلوب سردي قصصي رشيق يجعل التفاعل معه ومع المفهوم الذي يتناولة بالدراسة يسيراً ويساعد على فهم واقع العلاقة بين مصر ودول الخليج، أو بمعنى أصح " العمالة المصرية والخليج"، من جذب وطرد وبُغض مصحوب بالاحتياج الدائم نظراً لعدم توفر بدائل على الأرض المصرية للحلم .. أي حلم.

أمنية طلعت 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق