الثلاثاء، 23 مايو، 2017

"واحدة حلوة" ... مونودراما موجعة حولت النص الإيطالي إلى مأساة مصرية أصيلة

لم أكن أتخيل أنني عندما سأذهب إلى مشاهدة عرض المونودراما "واحدة حلوة" بقاعة صلاح عبد الصبور داخل مسرح الطليعة بالعتبة، أنني شأشاهد عرضاً مصرياً صميماً وموجعاً إلى هذا الحد، فكما هو مكتوب على أفيشات العرض أنه مأخوذ عن نص " امرأة وحيدة" للأديب والمسرحي الإيطالي داريو فو وفرانكاراما، لكن وفقاً لما شاهدته؛ استطاع المخرج أكرم مصطفى أن يقدم معالجة نصية متميزة للمسرحية الأصلية، تجعلك تشعر أنك تتعامل مع نص مكتوب من قلب المجتمع المصري، ومعبر بما لا يدع أي مساحة للشك عن دواخل المرأة المصرية وأزماتها العاطفية والنفسية تجاه مجتمعها ومحيطها الأسري.


لم يغير أكرم في الديكور الخاص بالمسرحية الأصلية "امرأة وحيدة"، حيث صالة منزل متوسط الحال تتوسطه طاولة مكوى عليها ملابس جاهزة للكوي وعلى الجانب يوجد راديو يصدح بالغناء وهناك أربعة منافذ موزعة على جوانب الصالة تُمثل باب المطبخ وغرفة الأطفال وغرفة الأخ العاجز للزوج ثم باب المنزل، ويتصدر صالة المنزل، نافذة وهمية تطل على جارة متخيلة وهي النافذة التي تُعتبر المنفذ إلى الجمهور في صالة المسرح والذي يتابع من خلالها أحداث المونودراما التي تجسدها تلك المرأة الوحيدة أو "الست الحلوة".



أثناء العرض تداخلك مشاعرَ مضطربة، فهل تضحك أم تبكي على تلك المرأة التي ربما تُجسد حال أغلب نساء مصر، والذين يعيشون نفس تضارب المشاعر والأحاسيس ويضيعون بين ما يشعرون به في داخلهن وبين ما ينكره عليهن المجتمع وبين ما هو مفروض عليهن من المحيط الذي يعيشون فيه. حالة من البلبلة في المشاعر التي تداهمك طوال المسرحية، فتجد نفسك تتأهب للذهاب إلى تلك السيدة لتغمرها بين ذراعيك وتربت على كتفها ربما لتقول لها "معلش"، أو تقدم لها نصيحة بما يجب أن تفعله كي تفر بسعادتها وحياتها إلى عالم أفضل من ذلك الواقع القاتل الذي تعيشه، لكنك في النهاية لا تملك سوى أن تتسمر في مقعدك لتكمل الفرجة على الملهاة المأساة التي تُجسدها أمامك ببراعة الممثلة الفاتنة شكلاً وأداءً مروة عيد.

لا يمكن بأي حال من الأحوال، إنكار جرأة المعالجة النصية للمونودراما الصعبة "واحدة حلوة"، وهي في النهاية جرأة محمودة نتمنى أن تتحلى بها كافة النصوص التي تعالج مواضيع المرأة في مصر، فنحن بحاجة فعلياً لتغيير هذا الواقع المرير الذي اعتاد الجميع أن يواجهه بدفن رأسه في الرمال، لكن واقع الأمر يصرخ بأنه لم تعد هناك رفاهية لتكملة مسيرة الصمت حيث أصبحت أزمة المرأة في عالمنا أشبه بالقنبلة التي شارفت على الانفجار في وجه المجتمع كله.


النص يتناول أزمات المرأة المُعنفة في محيطها المجتمعي والتي تواجه كراهية مستترة، واستخداماً رديئاً لجسدها وتجاهلاً صارخاً لرغباتها ومشاعرها وتوازنها النفسي، حيث نجد "صباح" بطلة العرض الوحيدة والتي جسدت دورها ببراعة فائقة مروة عيد، امرأة تعيش وحدة من نوع خاص فهي زوجة لرجل اعتاد أن يُغلق عليها باب البيت بالمفتاح بمجرد أن يخرج حارماً إياها من ابنها الكبير الذي يقيم عند عمته، بينما هي مسجونة في المنزل بين متطلبات فتاتها الرضيعة وأخو زوجها المُقعد إثر حادث أفقده النطق وفقد أيضاً أطرافه فيما عدا ذراع واحدة يستخدمها في التحرش بصباح كلما اقتربت لتقدم له خدمة.
الأبواب في المنزل تُجسد المتاهة التي تعيش فيها صباح، فهي مشتتة بين الأبواب الأربعة التي تتعاون على الإمعان في إرهاقها وسحب الحياة من جسدها، حتى باب المنزل الذي كان مصدر أمل لها، غدر بها في نهاية المسرحية لتتأكد أنها وحدها في هذا الكون وأنها ليست أكثر من مجرد شئ للاستخدام وليست كائناً حياً له عقل وروح.
الشباك الذي يُعد نافذة صباح إلى العالم حتى تجد من تُحدثه عن أخبارها وحياتها ومشاعرها، وتشعر معه بأنها موجودة تدُب في أوصالها الحياة، يكاد يكون مُتخيل حيث لا إثبات على كونه حقيقي، وأن الجارة الجديدة التي عَثُرَت عليها ذات يوم قد تكون مجرد وهم ابتدعته صباح كي تحكي مكنونات دواخلها التي تفتك بها بطيئاً، بينما يحاصرها زوجها بعنفه وشكه ومكالماته المُهاجمة المهينة دوماً.


الهاتف الذي يرن جرسه طوال العرض لتقطع صباح حديثها مع الجارة، يُعبر عن اكتمال خيوط الحصار المحكم حول تلك المرأة المحكُوم عليها بالوحدة المُذلة، فهو يعبر عن أن كل أساليب التواصل مع مفردات المجتمع لا تؤدي إلا إلى الاستخدام والتشييئ للمرأة في مجتمعنا، بينما عليها أن تصمد ولا تقع في شرك أي صياد آخر غير زوجها.
الزوج والعشيق في مونودراما " واحدة حلوة" يُجسدان أحد أهم أركان الاستخدام للمرأة، فالتي تهرب من استخدام الزوج لابد وأن تقع في براثن استخدام العشيق، حيث لا مهرب في النهاية من الموت على مِذبح الذكر الذي لا يرى في المرأة سوى قطعة لحم وخادمة.

لا يمكن أن أنهي مقالي دون التطرق للفنانة مروة عيد، المشهود لها بالبراعة دائماً، لكنها في هذه المونودراما أخذت فن التمثيل إلى أبعاد أخرى من الصعب الوصول إليها، فلقد تماهت تماماً مع الدور لدرجة شعرت فيها بالإشفاق عليها، فكيف سيمكنها أن تمارس حياتها الطبيعية بعد هذا التجسيد الكُلي لدور صباح؟ فأنت تبكي معها وتضحك بهيستريا معها، ويصيبك القلق والأرق معها، ولا تتركك مروة تعود إلى منزلك سليماً كما أتيت قبل بدء المشاهدة، فهي تترك بأدائها الفائق نُكتة سوداء في جبهتك تسألك: لماذا تركت صباح وحيدة ولم تحاول إنقاذها؟ 

نُشٍرَ المقال في جريدة القاهرة عدد 23 مايو 2011 

السبت، 20 مايو، 2017

حرية المرأة أم مساواتها بالرجل؟ سؤال يفتح ملفات شائكة في كتاب ( أنا حرة )



هل أنا حرة؟ هذا ليس سؤالاً ولكنه عنوان لكتاب من تأليف الكاتبة والناشطة النسوية النرويجية لين ستالسبيرج، ترجمته إلى العربية كل من شرين عبد الوهاب وأمل رواش ومن إصدار دار صفافة.
الكتاب يقدم رؤية مغايرة لمفهوم حرية المرأة، وربما لا تكون مغايرة بقدر ما تضع كل أوراق اللعبة مكشوفة على الطاولة بشكل يجعلنا نرى حقيقة وضع المرأة داخل المجتمع ودورها الواقعي لبنائه ومفهوم حريتها بشكل أوسع من المطروح منذ بدايات حركات تحرير المرأة التي تزيد عن مائة عام في العالم كله.
تعلم الكاتبة جيداً أن طرحها سيؤدي إلى هجوم الجمعيات النسائية المعاصرة عليها، بل والمسؤولين داخل حكومتها بما فيهم من نساء يتقلدن مناصب رفيعة، لكنها مع ذلك فضلت أن تواجه وتُجبر المجتمع على النظر بعقلانية وموضوعية للأمر من أجل إنقاذ المجتمعات الإنسانية من التشظي والتشرذم.
ببساطة شديدة تتساءل لين: من أي شئ سيحررونني؟ وإلى أين سيأخذونني؟ وهل حصلت الآن على التحرر؟ أهذا هو المجتمع المثالي الذي كان مستهدفاً؟ أم وأب يعملان بدوام كامل بينما يبقى الأطفال في روضة الأطفال من ثماني إلى تسع ساعات؟ أم أن المستهدف كان شيئاً مختلفاً؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو؟
كما أنها تقول في مقدمة كتابها: لعلنا نسينا توجيه النقد الاجتماعي عندما كنا نناضل من أجل المساواة، أو أننا نسينا أن نسأل ماذا كنا نريد من وراء كل تلك المساواة. وأقول ببساطة إن تحرير المرأة ربما يكون قد تم التضحية به على مذبح المساواة بين الجنسين.
في ذكاء شديد تطرح الكاتبة النرويجية ستالسبيرج تلك الشعرة الفارقة بين المساواة والحرية، فلا شك أن حركات تحرير المرأة في بداياتها كان لها ما يبررها من تهميش وعزل للمرأة، بل وتضييق على حرياتها في تحديد ما ترغب به في الحياة بالفعل، إضافة إلى الوصاية الذكورية على عقلها وجسدها وحرمانها من أبسط حقوقها كالامتلاك والميراث والحصول على قسط وافر من التعليم تُحدد هي أبعاده واتجاهاته. بالتأكيد كان وضع المرأة في العالم أجمع مزرياً للغاية وعندما خرجت النساء للمطالبة بحقوقهن الإنسانية وقعن في فخ ذكوري يدعي أنهن أقل في المهارات والكفاءة والقوة ... إلخ بما يجعلهن بالفعل (وفقاً لعالم الرجل) يقعن في الصف الثاني بعد الرجال وأنهن مخلوقات لخدمته، لذلك كان من الطبيعي أن يكون التوجه نحو الحرية عنيفاً ومجحفا ومنكراً حتى لطبيعة المرأة نفسها.
كان التوجه في بدايات القرن العشرين مثلما عبرت الكاتبة والمفكرة الفرنسية سيمون دو بفوار، أنه على المرأة إن قررت الحصول على حريتها أن تكون مثل الرجال وتؤدي نفس أدائهم في الحياة وتعمل بنفس الأعمال التي يقومون بها وبالتالي يمكنها أن تثبت أنها جديرة بالمساواة والحرية. كان منهج دو بوفوار والحركات النسائية المعاصرة لها واضحاً بأنه؛ على المرأة أن تتخلى عن صفاتها الطبيعية كي تستحق الحرية والمساواة بالرجل، وهو اتجاه لو تعلمون ضد المرأة نفسها ويثبت نظرية الرجل بأن المرأة كائن ضعيف ولا يليق إلا لمهام خدمة الرجل كمواطن درجة ثانية.
وتوضح لين أن الحركات النسائية في السبعينات أدركت أهمية وجود المرأة في المنزل لأنها كأم يقع على عاتقها رعاية الأطفال والاعتناء بالمنزل، حيث أثبتت الدراسات أن الرجال لا يتمتعون بالمرونة والمهارة الكافية للقيام بتلك المهام، فخرجت الدعاوي النسائية لتؤكد أن المرأة باستطاعتها أن تجمع بين العمل في الشارع والعمل في المنزل وهنا نشأت مشكلة "ضيق الوقت"، التي تُركز عليها لين في كتابها وتتناولها بالنقاش من جميع جوانبها.
كيف يمكن للمرأة أن تكون حرة وهي مقيدة بأغلال العمل ومتطلباته ساعات طويلة وكذلك رعاية المنزل وشؤونه بما فيه الأطفال؟ تجيب لين على السؤال بطرح نقاط عدة أهمها معضلة الضمان الاجتماعي الذي توفره الدولة للعاملين والعاملات فقط، ما أجبر كثيراً من النساء على الخروج للعمل في وظائف تافهة ذات مرتبات هزيلة فقط للحفاظ على الضمان الاجتماعي الذي سيعينهن على الحياة في شيخوختهن بما يشمله من معاش شهري وتأمين صحي وغيره، كما أن هناك نساء كثيرات اضطررن للعمل بنظام الدوام الجزئي حتى يتوفر لهن مساحة من الوقت لرعاية أطفالهن والقيام بالأعمال المنزلية. وتوضح لين من خلال العديد من الدراسات التي أجريت على شرائح مختلفة من الذكور، أنهم غير قادرين على الأعمال المنزلية وإن استطاعوا القيام بها فإنهم يقومون بها في الوقت الذي يحددونه هم وليس الوقت المحدد لهم.
أمر آخر تطرحه الكاتبة، ألا وهو الأطفال الذي يعانون بسبب ضيق الوقت الذي يقع تحت أسره أبيهم وأمهم، فهم مضطرون للاستيقاظ مبكراً جداً حتى تضعهم أمهاتهم في الحضانات للحاق بموعد عملهن، وكثيراً ما يتعرضون لنسيان أحد والديهما المرور عليهم لاصطحابهم إلى المنزل أو التعرض لأمراض كثيرة نتيجة للإهمال أو الاختلاط بأطفال مصابين بعدوى ما، وكل ذلك لأن ذويهم مضطرون لوضعهم في حضانات.
مسألة الحضانات التي أصبحت المطالبة بزيادة عددها ومد عدد ساعات عملها من أهم متطلبات المرأة، وكذلك تأهيل العاملات بالمنازل للقيام بمهام التنظيف وإعداد الطعام وغيرها. إن خروج المرأة للعمل في الشارع أثبت بما لا يدع مساحة للشك أن المهام والأعمال المنزلية أمراً حيوياً لاستمرار الحياة واستقامتها وأنها أيضاً مهام جسيمة.
تفتح ستاليسبرج أيضاً، ملفاً خطيراً ألا وهو ملف رعاية المسنين، فرعاية المسنين من المهام التي كانت المرأة تقوم بها بشكل رئيسي على مدار العصور، لكن الآن مع خروج المرأة بكثافة واضطرار الكثير من النساء للعمل من أجل ضمان وضع اقتصادي آمن وثابت لها، أصبح هناك حاجة في المجتمعات إلى إنشاء دور للمسنين لإيوائهم بها، حيث لا يوجد من يقوم على رعايتهم الصحية ومصاحبتهم في هرمهم، وبذلك ظهرت حاجات اجتماعية مُلحة لتوفير الحضانات ودور المسنين وتأهيل أفراد غالباً ما يكونوا من النساء للعمل بها وهذا يُعد بنداً إضافياً على اقتصاد الدولة وكذلك اقتصاد الأُسر.
لا أستطيع بأي حال من الأحوال أن أعارض لين ستاليسبرج في طرحها بكتاب " أنا حرة" فهي تدعم فكرتها بقرائن لا يمكن لأي منا أن يشكك فيها، فبالفعل خروج المرأة بكثافة إلى العمل خلق خللاً اجتماعياً كبيراً على جميع المستويات، كما وضع المرأة في مأزق ضيق الوقت والإرهاق والإصابة بالأمراض المبكرة نتيجة العبئ الضخم الواقع على كاهلها بين العمل ومهام المنزل ورعاية الأطفال، لكن هل الحل هو أن نطالب بعودة المرأة إلى المنزل؟
بالطبع الإجابة لا؛ فليست كل النساء في كل المراحل العمرية، يقع على عاتقهن أعباءً منزلية ورعاية مسنين، وليست كل النساء يرغبن في الزواج والإنجاب، كما أن هناك نساء نابهات ولديهن مشروعات يرغبن في تنفيذها وتحقيق ذواتهن من خلالها تماماً مثل الرجل، إضافة إلى السؤال الأهم: كيف أضمن للمرأة عائداً اقتصادياً وضماناً اجتماعياً يقيها من أي احتياجات حالية أو مستقبلية؟ وكيف أضمن أن لا يعود المجتمع الذكوري إلى سيرته من تهميش المرأة والإقلال من قيمتها ودورها اجتماعياً؟
بالطبع لا يمكن أن أترك تأمين وضع المرأة الاقتصادي على عاتق زوجها بشكل غير ملزم قانوناً، والنتائج الكارثية تمشي بيننا في كل وقت على الأقل بالنسبة للمجتمع المصري التي تعاني فيه المرأة من فقدها لأبسط حقوقها الشرعية، مثل الحصول على ميراثها، أو اختيار زوجها، فكيف أطالبها بأن تتوقف عن العمل والاكتفاء برعاية الزوج والأبناء لتفاجأ بأنها في الشارع بلا عائل؟

ربما الأمر الذي تطرحه لين في كتابها مناسباً الآن للطرح في أوروبا وعلى الأخص بلدها النرويج، حيث تمتلك النساء حرية القرار بالفعل وهناك قوانين تُظلل المرأة بحمايتها، كما أن المجتمع منفتحاً ولا يعتبر الرجل نفسه وصياً على أنفاس المرأة، وبالتالي أصبح مناسباً الآن الحديث عن " الاعتراف بالأعمال المنزلية كأعمال تستحق أن تدفع عليها الدولة أجراً للمرأة وتشملها بقوانين الضمان الاجتماعي". لكن بالنسبة لنا هنا فمازال لدينا طريقاً طويلاً جداً للوصول إلى هذه النقطة. 

الأربعاء، 10 مايو، 2017

تجسيد النزاع حول هوية الله على مسرح الطليعة في "يوم أن قتلوا الغناء"





  • "يوم أن قتلوا الغناء" مسرحية تناقش النزاع على تحديد هوية الله بين القسوة والمحبة.. وتطرح أفكاراً فلسفية عميقة دون الوقوع في فخ التثاقف
  • شباب المسرحية يقودون الحياة الدرامية المصرية بأفكار جريئة وأداء إبداعي
  • المسرحية تؤكد أن مصر لا تعدم النص الجيد و تضع مسرح الفضائيات في مأزق



لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نفكر للحظة بأن هناك مشكلة يعاني منها المسرح المصري الآن، وتحديداً بعد مشاهدة مسرحية "يوم أن قتلوا الغناء"، فهي تعبير صادق عن أن المسرحيين المصريين لم يتوقفوا عن تفريخ أجيال جديدة متميزة تحمل الراية لتمضي بها قُدماً دون أن تنطفئ شعلة المسرح. عندما قررت مشاهدة المسرحية لم أكن أتخيل مشاهدة معالجة درامية للصراع على ماهية الإله بهذه الحنكة والعمق وكذلك البساطة والبلاغة في توصيل الفكرة في نفس الوقت، فلقد قدم الكاتب محمود جمال نصاً درامياً مسرحياً محكماً لا ينقصه عنصر التشويق رغم طرح أفكار فلسفية عميقة.
استخدم جمال أسطورة الخلق في نسج أحداث المسرحية، وإن وفق فيها بين ما وردت عليه في الكٌتب السماوية وبين محاولات المفكرين المسيحيين المعاصرين  في الغرب لربطها بنظرية التطور، حيث آدم ليس أول إنسان على الأرض ولكنه أول المفكرين والباحثين عن المعرفة، ليستخدم بعد ذلك الصراع بين هابيل وقابيل في نسج حكايته مع دمجها بسفينة نوح والطوفان وكذلك مزمار داوود. فسيلبا الأخ الأول و يمثل الجشع والعنف في تفسير علاقة الإنسان بربه (قابيل)، بينما مدى الأخ الثاني ويمثل الحب والسلام في تفسير علاقة الإنسان بربه (هابيل)، لكن بالطبع يتمكن سيلبا من حُكم الأرض وفرض قوانينه على الناس بالحديد والنار، بينما ينشر مدى الحب والحرية بين الناس على هامش قوانين سيلبا فيتعرض للملاحقة والقتل هو وأتباعه.
استطاع محمود جمال أن يُجسد رمزية السفينة التي يبنيها "مدى" – سفينة نوح - لتعبر عن فكرة الحرية التي يحاول الإنسان تحقيقها بالفرار من نير سيلبا وأدوات قتله، ليعشق الله في مُطلقه دون كبت أو قوانين سادية تجعله يقع تحت وطئ قسوة الاختيار بين السعادة وبين محاولة إرضاء الإله بسجن المشاعر خوفاً من القتل على الأرض والنار في الآخرة، ذلك الصراع الدائم والمستمر الذي يتنازع عليه الناس منذ بداية التاريخ، ليبقى الوصول إلى الحرية المطلقة في عشق الله هدفاً يطارده الفلاسفة ويحاول الناس بلوغه. لكن المؤلف قرر أن ينتصر للسفينة فجسدها واقعاً حقيقياً، حيث تنتهي المسرحية بهطول المطر وبداية الفيضان وصعود المؤمنين بأفكار مدى على السفينة ليرحلوا بحريتهم بعيداً عن أرض الطغيان والظلم. كنت أتمنى أن تنتهي المسرحية بالإبقاء على رمزية فكرة السفينة للدلالة على سعي الإنسان المتصل لبلوغ السلام والحرية والسعادة، دون تحويلها إلى واقع مجسد تم تَحقُقه، فالصراع الدامي بين القتلة باسم الله والسلطان لم ينته من الوجود منذ فجر التاريخ وحتى الآن، ويبقى المفكرين الباحثين عن الله في كُليته المُحبة، معرضون للقتل دون فناء أفكارهم التي تعمل دوماً على تطوير الحياة والإنسان.
استخدم الكاتب المرأة كرمز لنشر فكرة الحب والعطاء في الحياة وكذلك كرمز للشجاعة والإقدام لتحقيق السلام على الأرض من خلال شخصية أم آريوس، التي تُغني لابنها الطفل رغم قوانين سيلبا بتحريم الغناء وقتل كل من تسول له نفسه بممارسته، حيث تغني الأم لطفلها وتتعرض للقتل، ثم يُنتزع آريوس لتحويله إلى أداة قتل دامية باسم الإله، كذلك من خلال شخصية الفتاة كورمن التي لا تخاف جبروت وطغيان آريوس الشاب وتواجهه بشجاعة لتزرع داخله الشك في معتقدات إله سيلبا المُنتقم، وقد لعبت الدورين الممثلة هند عبد الحليم ببراعة فهي تمتلك قوة أداء مسرحية هائلة كما أنها توظف إمكاناتها الغنائية في خدمة الدور ببراعة، ناهيك عن مشاعرها الجياشة التي تنفذ إلى القلب مباشرة باندماجها الكٌلي في أداء دورها، فتلمح دموعها من على مقعدك بين المشاهدين ويهتز وجدانك بتهدج صوتها الدافئ الشجاع.
تضفير الكاتب لقصة الخلق بسفينة نوح بمزمار داوود – مدى أول من عزف على بوصة مجوفة وعرف الله بالموسيقى في المسرحية - مع اللعب على الميثولوجيا اليونانية التي جسدت بداية تَعَرُف الإنسان على القوى العليا التي تتحكم فيه دون إرادته، من خلال الصراع بين الآلهة والإنسان وما حَكَمها من غيرة مشوبة بالكراهية من قبل الآلهة في مواجهة الإنسان، يقابلها خضوع البشر وتحدي بعضهم للآلهة، كان موفقاً جداً في الإسقاط على الواقع الذي نعيشه الآن من تنامي وصعود القوى الظلامية التي تضع منهجاً قاسياً للحياة كمانيفستوا للعلاقة بالله وقتل كل من لا يستجيب، في مواجهة أفكار العدالة والحرية والمساواة بين الجميع على اختلافهم.
اعتمد مهندس الديكور دكتور محمد سعد على القطع المتحركة على جانبي المسرح ومن أعلى لتغيير المشاهد بين المعبد وقصر سيلبا والسوق والسفينة، مع استخدام قطع بسيطة على الخشبة نفسها يتم تغييرها بالفصل بين المشاهد بإظلام خشبة المسرح ومقاعد المشاهدين، فجاءت موظفة جيداً لخدمة الأحداث الدرامية. كذلك كانت موسيقى أحمد نبيل متناغمة مع الأحداث وبسيطة دون تعقيد، أما المخرج تامر كرم فقد استطاع شغل الفضاء المسرحي في بعض المشاهد، لكنه وقع في خطأ ترك مساحات فارغة في مشاهد أخرى دون إظلامها مع تركيز الضوء على الممثلين في المشهد رغم ثباتهم في منطقة واحدة، لكنه لم يغفل ذلك في مشاهد أخرى.
بالطبع كان تجسيد الفنان الكبير ياسر صادق لدور مدى متميزاً جداً، ولا يقل عنه في ذلك الممثل الفنان الكبير علاء قوقة في تجسيد دور سيلبا، أما الفنان الكبير حمادة شوشة فجاء تجسيده لدور الكاهن مشابهاً تماماً لدوره في مسرحية " المحاكمة" التي تُعرض على المسرح القومي الآن، ربما لأن الدورين متماثلين. يبقى الإشارة إلى مجموعة الممثلين الشباب والذين كانوا شُعلة الدهشة في هذه المسرحية، فمحمد ناصر الذي لعب دور "إفراط" يتميز بالخفة في الحركة وإجادته للغناء والرقص ببراعة أيضاً فكان ممثلاً شاملاً بحق. ميرنا الأمين أيضاً كانت مدهشة في أداء دور لوسيلا وبرقصها المتميز وإن كنت أتمنى أن تفقد القليل من الوزن ليظهر أداءها الراقص أكثر خفة، أما طارق صبري الذي لعب دور آريوس فتمكن بقوة في تجسيد الكُره والجهامة ثم الشك والندم انتهاءً بالانتصار للحب والحرية.
ولا أستثني بأي حال من الأحوال أي ممثل شارك في هذا العرض ولو بجملة واحدة، فكلهم بلا مبالغة ممثلين مسرحيين ناضجين ومكتملين، يستطيع كل واحد منهم أن يتحمل وحده مسؤلية عرضاً كاملاً، كما يؤكدون أن مصر لا تعدم الموهبة ولا تغرق في السطحية التافهة التي يتبناها مسرح الفضائيات.
"يوم أن قتلوا الغناء" مسرحية يجب أن تُشاهدوها وهي لا تُعرض في مكان بعيد، فأينما كان الحي الذي تقطنه في القاهرة يمكنك الخروج من باب مترو العتبة مباشرة إلى بوابة مسرح الطليعة، والتذكرة الواحدة بثلاثين جنيهاً فقط، ستشتري بها فكرة ومُتعة، فيالها من صفقة رابحة.


نشر المقال في جريدة القاهرة  عدد 9 مايو 2017