السبت، 20 مايو، 2017

حرية المرأة أم مساواتها بالرجل؟ سؤال يفتح ملفات شائكة في كتاب ( أنا حرة )



هل أنا حرة؟ هذا ليس سؤالاً ولكنه عنوان لكتاب من تأليف الكاتبة والناشطة النسوية النرويجية لين ستالسبيرج، ترجمته إلى العربية كل من شرين عبد الوهاب وأمل رواش ومن إصدار دار صفافة.
الكتاب يقدم رؤية مغايرة لمفهوم حرية المرأة، وربما لا تكون مغايرة بقدر ما تضع كل أوراق اللعبة مكشوفة على الطاولة بشكل يجعلنا نرى حقيقة وضع المرأة داخل المجتمع ودورها الواقعي لبنائه ومفهوم حريتها بشكل أوسع من المطروح منذ بدايات حركات تحرير المرأة التي تزيد عن مائة عام في العالم كله.
تعلم الكاتبة جيداً أن طرحها سيؤدي إلى هجوم الجمعيات النسائية المعاصرة عليها، بل والمسؤولين داخل حكومتها بما فيهم من نساء يتقلدن مناصب رفيعة، لكنها مع ذلك فضلت أن تواجه وتُجبر المجتمع على النظر بعقلانية وموضوعية للأمر من أجل إنقاذ المجتمعات الإنسانية من التشظي والتشرذم.
ببساطة شديدة تتساءل لين: من أي شئ سيحررونني؟ وإلى أين سيأخذونني؟ وهل حصلت الآن على التحرر؟ أهذا هو المجتمع المثالي الذي كان مستهدفاً؟ أم وأب يعملان بدوام كامل بينما يبقى الأطفال في روضة الأطفال من ثماني إلى تسع ساعات؟ أم أن المستهدف كان شيئاً مختلفاً؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو؟
كما أنها تقول في مقدمة كتابها: لعلنا نسينا توجيه النقد الاجتماعي عندما كنا نناضل من أجل المساواة، أو أننا نسينا أن نسأل ماذا كنا نريد من وراء كل تلك المساواة. وأقول ببساطة إن تحرير المرأة ربما يكون قد تم التضحية به على مذبح المساواة بين الجنسين.
في ذكاء شديد تطرح الكاتبة النرويجية ستالسبيرج تلك الشعرة الفارقة بين المساواة والحرية، فلا شك أن حركات تحرير المرأة في بداياتها كان لها ما يبررها من تهميش وعزل للمرأة، بل وتضييق على حرياتها في تحديد ما ترغب به في الحياة بالفعل، إضافة إلى الوصاية الذكورية على عقلها وجسدها وحرمانها من أبسط حقوقها كالامتلاك والميراث والحصول على قسط وافر من التعليم تُحدد هي أبعاده واتجاهاته. بالتأكيد كان وضع المرأة في العالم أجمع مزرياً للغاية وعندما خرجت النساء للمطالبة بحقوقهن الإنسانية وقعن في فخ ذكوري يدعي أنهن أقل في المهارات والكفاءة والقوة ... إلخ بما يجعلهن بالفعل (وفقاً لعالم الرجل) يقعن في الصف الثاني بعد الرجال وأنهن مخلوقات لخدمته، لذلك كان من الطبيعي أن يكون التوجه نحو الحرية عنيفاً ومجحفا ومنكراً حتى لطبيعة المرأة نفسها.
كان التوجه في بدايات القرن العشرين مثلما عبرت الكاتبة والمفكرة الفرنسية سيمون دو بفوار، أنه على المرأة إن قررت الحصول على حريتها أن تكون مثل الرجال وتؤدي نفس أدائهم في الحياة وتعمل بنفس الأعمال التي يقومون بها وبالتالي يمكنها أن تثبت أنها جديرة بالمساواة والحرية. كان منهج دو بوفوار والحركات النسائية المعاصرة لها واضحاً بأنه؛ على المرأة أن تتخلى عن صفاتها الطبيعية كي تستحق الحرية والمساواة بالرجل، وهو اتجاه لو تعلمون ضد المرأة نفسها ويثبت نظرية الرجل بأن المرأة كائن ضعيف ولا يليق إلا لمهام خدمة الرجل كمواطن درجة ثانية.
وتوضح لين أن الحركات النسائية في السبعينات أدركت أهمية وجود المرأة في المنزل لأنها كأم يقع على عاتقها رعاية الأطفال والاعتناء بالمنزل، حيث أثبتت الدراسات أن الرجال لا يتمتعون بالمرونة والمهارة الكافية للقيام بتلك المهام، فخرجت الدعاوي النسائية لتؤكد أن المرأة باستطاعتها أن تجمع بين العمل في الشارع والعمل في المنزل وهنا نشأت مشكلة "ضيق الوقت"، التي تُركز عليها لين في كتابها وتتناولها بالنقاش من جميع جوانبها.
كيف يمكن للمرأة أن تكون حرة وهي مقيدة بأغلال العمل ومتطلباته ساعات طويلة وكذلك رعاية المنزل وشؤونه بما فيه الأطفال؟ تجيب لين على السؤال بطرح نقاط عدة أهمها معضلة الضمان الاجتماعي الذي توفره الدولة للعاملين والعاملات فقط، ما أجبر كثيراً من النساء على الخروج للعمل في وظائف تافهة ذات مرتبات هزيلة فقط للحفاظ على الضمان الاجتماعي الذي سيعينهن على الحياة في شيخوختهن بما يشمله من معاش شهري وتأمين صحي وغيره، كما أن هناك نساء كثيرات اضطررن للعمل بنظام الدوام الجزئي حتى يتوفر لهن مساحة من الوقت لرعاية أطفالهن والقيام بالأعمال المنزلية. وتوضح لين من خلال العديد من الدراسات التي أجريت على شرائح مختلفة من الذكور، أنهم غير قادرين على الأعمال المنزلية وإن استطاعوا القيام بها فإنهم يقومون بها في الوقت الذي يحددونه هم وليس الوقت المحدد لهم.
أمر آخر تطرحه الكاتبة، ألا وهو الأطفال الذي يعانون بسبب ضيق الوقت الذي يقع تحت أسره أبيهم وأمهم، فهم مضطرون للاستيقاظ مبكراً جداً حتى تضعهم أمهاتهم في الحضانات للحاق بموعد عملهن، وكثيراً ما يتعرضون لنسيان أحد والديهما المرور عليهم لاصطحابهم إلى المنزل أو التعرض لأمراض كثيرة نتيجة للإهمال أو الاختلاط بأطفال مصابين بعدوى ما، وكل ذلك لأن ذويهم مضطرون لوضعهم في حضانات.
مسألة الحضانات التي أصبحت المطالبة بزيادة عددها ومد عدد ساعات عملها من أهم متطلبات المرأة، وكذلك تأهيل العاملات بالمنازل للقيام بمهام التنظيف وإعداد الطعام وغيرها. إن خروج المرأة للعمل في الشارع أثبت بما لا يدع مساحة للشك أن المهام والأعمال المنزلية أمراً حيوياً لاستمرار الحياة واستقامتها وأنها أيضاً مهام جسيمة.
تفتح ستاليسبرج أيضاً، ملفاً خطيراً ألا وهو ملف رعاية المسنين، فرعاية المسنين من المهام التي كانت المرأة تقوم بها بشكل رئيسي على مدار العصور، لكن الآن مع خروج المرأة بكثافة واضطرار الكثير من النساء للعمل من أجل ضمان وضع اقتصادي آمن وثابت لها، أصبح هناك حاجة في المجتمعات إلى إنشاء دور للمسنين لإيوائهم بها، حيث لا يوجد من يقوم على رعايتهم الصحية ومصاحبتهم في هرمهم، وبذلك ظهرت حاجات اجتماعية مُلحة لتوفير الحضانات ودور المسنين وتأهيل أفراد غالباً ما يكونوا من النساء للعمل بها وهذا يُعد بنداً إضافياً على اقتصاد الدولة وكذلك اقتصاد الأُسر.
لا أستطيع بأي حال من الأحوال أن أعارض لين ستاليسبرج في طرحها بكتاب " أنا حرة" فهي تدعم فكرتها بقرائن لا يمكن لأي منا أن يشكك فيها، فبالفعل خروج المرأة بكثافة إلى العمل خلق خللاً اجتماعياً كبيراً على جميع المستويات، كما وضع المرأة في مأزق ضيق الوقت والإرهاق والإصابة بالأمراض المبكرة نتيجة العبئ الضخم الواقع على كاهلها بين العمل ومهام المنزل ورعاية الأطفال، لكن هل الحل هو أن نطالب بعودة المرأة إلى المنزل؟
بالطبع الإجابة لا؛ فليست كل النساء في كل المراحل العمرية، يقع على عاتقهن أعباءً منزلية ورعاية مسنين، وليست كل النساء يرغبن في الزواج والإنجاب، كما أن هناك نساء نابهات ولديهن مشروعات يرغبن في تنفيذها وتحقيق ذواتهن من خلالها تماماً مثل الرجل، إضافة إلى السؤال الأهم: كيف أضمن للمرأة عائداً اقتصادياً وضماناً اجتماعياً يقيها من أي احتياجات حالية أو مستقبلية؟ وكيف أضمن أن لا يعود المجتمع الذكوري إلى سيرته من تهميش المرأة والإقلال من قيمتها ودورها اجتماعياً؟
بالطبع لا يمكن أن أترك تأمين وضع المرأة الاقتصادي على عاتق زوجها بشكل غير ملزم قانوناً، والنتائج الكارثية تمشي بيننا في كل وقت على الأقل بالنسبة للمجتمع المصري التي تعاني فيه المرأة من فقدها لأبسط حقوقها الشرعية، مثل الحصول على ميراثها، أو اختيار زوجها، فكيف أطالبها بأن تتوقف عن العمل والاكتفاء برعاية الزوج والأبناء لتفاجأ بأنها في الشارع بلا عائل؟

ربما الأمر الذي تطرحه لين في كتابها مناسباً الآن للطرح في أوروبا وعلى الأخص بلدها النرويج، حيث تمتلك النساء حرية القرار بالفعل وهناك قوانين تُظلل المرأة بحمايتها، كما أن المجتمع منفتحاً ولا يعتبر الرجل نفسه وصياً على أنفاس المرأة، وبالتالي أصبح مناسباً الآن الحديث عن " الاعتراف بالأعمال المنزلية كأعمال تستحق أن تدفع عليها الدولة أجراً للمرأة وتشملها بقوانين الضمان الاجتماعي". لكن بالنسبة لنا هنا فمازال لدينا طريقاً طويلاً جداً للوصول إلى هذه النقطة. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق