الأربعاء، 2 أغسطس، 2017

"أحلام من أبي" .... سؤال الهوية الذي لا يكتوي بجمره سوى من يكبشه


ربما لا يشعر بحرق جمر النار سوى من يكبشها بكفيه كما يقولون، ولهذا ربما كان استيعابي ورؤيتي لكتاب " أحلام من أبي – قصة عرق وإرث" للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما؛ مغايراً لرؤية كثيرين قدموا مراجعات للكتاب الذي صدر أول مرة عام 1994، قبل أن يظهر اسم أوباماً كنجم من نجوم السياسة الأمريكية.




لقد تجسدت أمامي كل الآلام التي صاحبت رحلتي الطويلة مع محاولاتي المستميتة للبحث عن هويتي، فمن أنا؟ هو السؤال المؤرق لكل البشرية، لكن التحدي لدى من عاش تجربة الغياب التام للأب مختلف تماماً، وربما من عاش مثلي أيضاً في مدينة لا تشبهه ومعروف بين الجميع أنه فقط يسكنها لكنه ليس من أهلها، يضفي على تشتت الهوية بعداً آخر أكثر إيلاماً، فأنت دائما ما تقع تحت ضغط سؤالين: من هذا الرجل الذي أحمل اسمه وملامحه؟ ولماذا أتيت هنا؟
نعيش مع باراك أوباما خلال 500 صفحة في الترجمة التي قدمتها كل من هبة نجيب السيد مغربي وإيمان عبد الغني نجم ونشرها مركز كلمة بأبوظبي، رحلة صادقة وتفصيلية سردها أوباما ببراعة أدبية تضعة في مصاف الأدباء العالميين، جمع فيها بين سؤال الهوية خاصته وسؤال الهوية العالمي والخاص باحتلال الرجل الأبيض للعالم وفرضه لونه وملامحة وثقافته لتكون هي الأفضل دون التفكير في أفضليتها تلك على أساليب أخرى كانت موجودة وذابت في هوية الأبيض الرأسمالية الليبرالية.
لا يغيب عن القارئ نبرة التمرد والرفض لكل ما هو أبيض لدى أوباما، فهو من البداية أثناء سرده لتفاصيل طفولته أفرد لملاحظاته الخاصة بفرق اللون بينه وبين أمه وجده وجدته لأمه، وكذلك ما تابعه في مجلات ملقاة في السفارة الأمريكية بأندونيسيا لإعلانات تفتيح البشرة لتحصل النساء على اللون الأبيض باعتباره العلامة الأهم من علامات الجمال والجاذبية، ناهيك عن ألمه الخاص بخوف جدته من متابعة شاب لها في الشارع، كانت كل أسباب ارتيابها تكمن في لون بشرته الأسود. كل ذلك وهو لا يعرف الرجل الذي نقل إليه هذا اللون سوى من خلال صورة معلقة بمنزل جدته تجمعه بأمه أثناء زواجهما.
لم يقتصر سؤال الهوية أو العرق الذي ينتمي إليه عند هذه الحدود، فهو المولود على تخوم البيض ويحمل ملامح السود، لا يدري إلى أي العالمين تكمن ماهيته، حيث تختل موازينه في كلا العالمين ولا يشعر بالانتماء الكامل لأي منهما، فالتفوق الأبيض يطعنه في لونه بينما يكمن داخل دمائه، والعزلة السوداء تطعنه في قلبه بينما يحملها على جسده.
كانت لرحلة أوباما مع أمه إلى أندونيسيا ليعيش معها وزوجها الثاني، تأثيراً كبيراً في تكوين شخصيته، حيث تعلم كيف يمكن أن تتحايل على الحياة وأنت لست بأمريكي، وهذا المجهود الكبير الذي يمكن لطفل وشاب ورجل أن يبذله طالما لا يحمل الباسبور الأمريكي حتى لو كان يعيش خارج الحدود الأمريكية، فأعلام الولايات المتحدة ترفرف فوق حدود بلاد العالم وتتحكم بها وبأهلها، فتفرض عليهم أنماطاً من العيش لا تشبههم، وتجبرهم على مخاتلة المبادئ الأمريكية أو الخضوع لها بالكامل حتى يتمكنوا من كسب قوتهم اليومي ولا يتعرضون للرفض أو النبذ أو حتى السجن والقتل، حيث حكام تلك البلاد يخضعون لأمريكا بشكل أو بآخر ويقمعون أي محاولة لمواجهتها ورفضها.
كانت حياة أوباما بأندونيسيا بمثابة جرس تنبيه له كي يقدر كونه أمريكيا على هذه الأرض وعندما أعادته أمه ليكمل دراسته بأمريكا، حيث لم تكن ترضى عن المستوى التعليمي في أندونيسيا، رفض العودة إليها مرة أخرى وأصر على أن يستمر في إقامته مع جده وجدته في هاواي. لكن حياته في الولايات المتحدة لم تكن مثالية بالشكل الذي تخيله، فهو أسود اللون، وهذه غربة أخرى داخل ما يعتقد أنه الوطن، فهو يتجاهل تماماً والده وكينيا التي ينتمي إليها بالعرق أيضاً لأنه لا يعرف شيئاً عنها ولا يعرف شيئاً عن أبيه.
مرحلة أخرى ينتقل إليها أوباما في كتابه الممتع " أحلام من أبي"، ألا وهي مرحلة المراهقة التي حملت إليه أول لقاء له بأبيه، فهذا الرجل الذي كانت أمه وعائلتها يصفونه بالألمعية والذكاء، بدا له متواضع جداً و نحيف للغاية، بينما لم يستطع أن يتفاعل معه وأحاديثه إليه، فكان بمثابة عار لطم وجهه فجأة وهو يحاول أن ينتمي لشئ، لكن والده استطاع أن يجلب له الفخر والإعجاب عندما ذهب إلى مدرسته ليلقي على طلاب فصله محاضرة عن كينيا والقبيلة التي ينتمي إليها (لوو) وعن وظيفته أيضاً، لكن ذلك لم يمح إحساس الغربة تجاه أبيه ولم يشعر أنه بإمكانه أن يجلس إليه ليتجاذب معه أطراف الحديث.
وكما جاء كما ذهب، ليعود باراك وحيداً في طاحونة حياته غير المحددة فمن أنا وما الذي أتى بي هنا؟ يظلا السؤالان الجوهريان.
في المرحلة الثانوية يتعمد باراك أوباما أن ينخرط في تجمعات السود ويبتعد تماماً عن المجتمع الأبيض، لكن ذلك لم يجعله يقبض على هويته المنشودة، فمجتمعات الأمريكان من أصول أفريقية تعيش فكرة القهر والاستعباد الأبيض كجزء أصيل من الهوية، ولا يتخلص من هذا الإحساس إلا من يعتزل حياة السود وينتمي بالكامل إلى عالم الرجل الأبيض الرأسمالي بكل قوانينه المجحفة حتى لأصحاب البشرة السمراء مثله. ظل أوباما في حالة التخبط بين العالمين، فهو من ناحية لا ينتمي لمجتمع الأمريكيين من أصول أفريقية حيث أن والده قدم إلى الولايات المتحدة للدراسة بهارفارد ثم عاد مرة أخرى، ووالدته أمريكية بيضاء، ومن ناحية أخرى هو يواجه حكماً مؤبداً بالحياة بينهم بسبب لون بشرته.
ذلك النزاع النفسي الذي عاشه أوباما طوال مرحلة دراسته الثانوية، جعله لا يدري ما الذي يريده فعلاً في الحياة وما الذي يمكنه أن يفعله، فأجل فكرة الدراسة بالجامعة وقرر الانخراط في العمل الاجتماعي داخل أحياء السود، وبالفعل يبدأ في عمله هذا ويحقق إنجازات كثيرة تُحسب له، لكنه يتعرض خلال الفترة لكثير من المتناقضات داخل مجتمعات السود نفسها، فهم يقسمون أنفسهم وفقاً للأحياء والكنائس وهم أيضاً يهدفون إلى الخروج منها للعيش مع الرجل الأبيض كنوع من الارتقاء ولا يبقى سوى التعيس الذي لا ينوي فعل شئ في حياته سوى التذمر والتشدق بكراهية الرجل الأبيض وقوانينه.
في المرحلة التالية لحياة أوباما وقبل أن يلتحق بجامعة هارفارد مثل أبيه، يقرر القيام برحلة إلى كينيا للوقوف على جذوره بنفسه ومحاولة البحث عن أبيه الذي كان قد توفى بالفعل، في باقي إخوته وعماته وأجداده، تلك الرحلة التي أقحمت أوباما في مستوى آخر من أساليب العيش، ومستوى آخر من توغل الرجل الأبيض وسيطرته على أفريقيا وفقدان الكينيين لهويتهم وعاداتهم وتقاليدهم أمام قانون الرجل الأبيض ذو الأفضلية المهيمنة على العالم.

"أحلام من أبي" كتاب ممتع بحق يأخذك بنعومة إلى قسوة العالم المتناقض ويطعنك في هويتك التي تشعر أنك بشكل أو بآخر تخليت عنها أيضاً من أجل تبني ثقافة وهوية الرجل الأبيض، الذي تؤمن داخلك أنه المسيطر وذو الأفضلية في جميع أنحاء العالم، لكنك عندما تتكلم بصوت مسموع لا تفعل سوى أن تلعنه بينما تمضي قدماً وأنت لا تهدف إلا إلى أن يقبلك في عالمه حتى وأنت تعيش على أرض وطنك. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق