الخميس، 15 يونيو، 2017

"ابن الإيه" مسرحية غنائية مبهجة تقدم رؤية معاصرة لرواية "تشارلز ديكنز"

التنوع في الإنتاج المسرحي شئ مطلوب لمقابلة الذائقة المختلفة للجمهور، وهذا ما يقوم به البيت الفني للمسرح، فمع عدد من المسرحيات الدرامية التي تخاطب العقل هناك مسرحيات أخرى تقدم قيمة بسيطة من خلال عرض غنائي مبهج، وهذا ما تقدمه مسرحية ابن الإيه التي تُعرض على مسرح "أوبرا ملك" في شارع نجيب الريحاني بمنطقة "وسط البلد".
وتعد رواية "أوليفر تويست" هي الرواية الثانية للأديب الإنجليزي الشهير تشارلز ديكنز، حيث انتهى من كتابتها عام 1837، ومنذ ذلك الوقت والرواية تلقى استحساناً وإقبالاً جماهيرياً عريضاً، حتى بدأ إنتاجها للسينما في القرن العشرين، فكان الفيلم الذي أنتجته إنجلترا عام 1968 من إخراج كارول ريد، ثم أنتجت هوليوود الرواية عام 1982 من إخراج ريتشارد سلابكزنسكي، وعام 2005 من إخراج رومان بولانسكي. أما في مصر فالاهتمام بالرواية لم ينعدم حيث استلهم أنور وجدي القصة في إنتاجه لفيلم "ياسمين" عام 1950، مع الطفلة فيروز وبطولة مديحة يسري و زكي رستم.
شخصية أوليفر تويست كانت مثار اهتمام منتجي أفلام ومسلسلات الكرتون أيضاً، كما تم تقديم عدداً من الكتابات المُعدلة للرواية في مجلات وكُتب "الكوميكس" على مدار عقود القرن العشرين وحتى الآن، لدرجة أن هناك منتجات لألعاب تجسد شخصية أوليفر تُباع في محلات لعب الأطفال على مدار العالم.
كل ما سبق يوحي بالمدى الواسع لتأثير حكاية رواية أوليفر تويست على المٌتلقين أياً كانت جنسياتهم، ربما لما تطرحه من قيم إنسانية عالية تخص الأيتام واللقطاء وكيفية تحسين ظروف حياتهم في المجتمع، وربما هذا ما دفع كل من المخرج محمد عشري والكاتب المسرحي سامح عثمان لإعادة إنتاج هذه الرواية للمسرح المصري، وإن كانا قد قدما رؤية معاصرة فيها تحدي لقيم المجتمع البالية.

في البداية يجب أن ألفت النظر إلى الرؤية الموسيقية المتميزة التي قدمها الموسيقار محمد حسني للعمل، فهو كعادته لا يركن إلى المألوف في ألحانه، فمع مقدمة موسيقية تجمع بين الإثارة الدرامية والتيمة الشرقية الشجية يأخذ الحضور بقوة ناعمة لأحداث المسرحية، ليكمل منهجه المبهج والمُؤسي في كل حوارات المسرحية الغنائية، إضافة إلى ذكاء شديد في التعامل مع المشاهد التي تحتاج إلى صمت الموسيقى تماماً ليترك المشاهد في حالة توهة باحثاً عن مخرج للمأزق الدرامي.
نأتي إلى النص والذي تميز بكثير من الفاعلية التي ترجمها المخرج بذكاء على المسرح، حيث شخصية شرحبيل كبير المشردين الملازمة لجابر "أوليفر تويست" منذ لحظة وفاة أمه وهي توصيه به وتُسلمة سلسلة تدل على هويته. كذلك استخدام لقب "ابن الإيه" للتدليل على كل الأطفال اللقطاء الذين يزدريهم المجتمع لذنب لم يقترفوه، فهم فاقدون للهوية وكذلك الاعتراف المجتمعي، ما يضعهم في خانة المعذبين دائماً وأبداً.
استخدام شخصية موازية لجابر الطفل، تُجسد جابر الشاب الكبير الذي يعبر عن كل رغباته من خلاله وكأنه يتمنى أن يكون رجلاً ناضجاً ليقف أمام العالم بقوة ويواجههم بعوراتهم ويتخذ قرارات مصيرية تُنقذه من حاله المزري. هذا الاستخدام الذي كان أشبه بالحُلم حيث يجلس جابر الطفل ليشاهد جابر الرجل وهو يحقق كل أمانيه ويُعلن رفضه بجسارة لزيف المجتمع وازدواجية معاييره، بين إظهار التعاطف مع المشردين ورفضهم لهم في نفس الوقت.


ومن خلال شخصية شرحبيل الذي يلعب دور الراوي أيضاً بالمسرحية، وشخصية جابر الشاب، ينتصر سامح عثمان للفكر الجديد الذي يحاول التأصيل له من خلال هذه المسرحية، حيث يرفض جابر أن يعود إلى جده بعد أن يطرده كمشرد، ثم يفتح له ذراعيه بعد اكتشافه أنه ابن ابنته التي اختفت منذ سنين، وبذلك تُرفض ازدواجية المجتمع في محاولة لتقديم فكرة عصرية جديدة، ألا وهي : " الاعتراف بالإنسان وحقه في الحياة مهما كانت هويته".
استطاع المخرج أن يختار ممثلين متميزين ومناسبين تماماً للأدوار التي لعبوها سواء كان ذلك من بين صفوف الكبار أو الأطفال، فكل الممثلين بهذه المسرحية أثبتوا موهبة رائعة في الأداء التمثيلي المُغنَى، حتى لو لم يكونوا مغنيين محترفين، فلقد كان أدائهم الصوتي مناسباً تماماً وسليماً دون نشاز يؤثر على المتابعة للحوار والأحداث، كما أنه أعطى لنجم " the voice kids" يوسف فرج والذي لعب دور جابر، مساحة جيدة لاستعراض مواهبه الغنائية وتقديم طرباً مبهجاً للمشاهدين.

اعتمد أيضاً مهندس الديكور حسن البلاسي، المرونة والبساطة في تصميمه لديكور المسرحية، فقد استخدم قطعاً قليلة ومتحركة بشكل نافذ لتغيير الديكور وفقاً للمكان المخصص لكل مشهد، فكان معبراً عن الشارع والملجأ وبيت الحانوتي ومنزل عباس الأحمر " الحرامي"، والحانة والمحكمة وكذلك منزل حافظ بك الثري، أما الهندسة الصوتية للمسرحية فأعتقد أنها تحتاج إلى مراجعة وضبط للأجهزة المستخدمة، فكثيراً ما صَعُبَ علينا متابعة الحوار لعدم وصول الصوت بوضوح، كذلك ساهمت الصفارات التي تخرج فجأة من "المايكات" في فقدنا للتركيز ومتعة المتابعة.

يبقى في النهاية أن أؤكد أن مسرحية "ابن الإيه" الغنائية، تُعد عرضاً عائلياً بامتياز، فهي تُجسد مُتعة للكبار والأطفال معاً، لما تحتوي عليه من غناء ورقص يشارك في أدائه مجموعة كبيرة من الأطفال الموهوبين الذين يُضفون بهجة كبيرة للعرض.
نُشٍرَ المقال في جريدة القاهرة الثقافية بتاريخ 13 يونيو 2017  

الثلاثاء، 6 يونيو، 2017

موسم إعلاني فاشل وصلصة هارفست تفوز بسباق رمضان 2017


الآن وبعد أن اتضحت الخريطة الإعلانية لشهر رمضان الكريم، والذي يُعد موسماً درامياً وإعلانياً أيضاً. تتسابق فيه الشركات لتقديم إعلانات مميزة لجذب المشاهد وبالتالي تحفيزه على التعامل مع منتجها أو خدمتها، حيث يحقق هذا الشهر في مصر والبلاد العربية أكثر نسبة مشاهدة مقارنة بباقي شهور العام، نستطيع أن نقول أن الموسم الإعلاني فاشل بنسبة كبيرة وحقق نسبة نفور عالية بين الناس لغياب الرسالة أو المضمون الإعلاني في حكايات لا علاقة لها بالمنتج أو تستخدم أسلوب خاطئ في مخاطبة الجمهور خاصة مع الإعلانات الخاصة بالتبرع والصدقات، وسوف أسوق هنا بعض الأمثلة.
حققت إعلانات بيت الزكاة ومستشفى الحروق ومستشفى بهية أعلى نسبة إخفاق في توجيه رسائلها للمشاهدين، ما أثار حفيظة الناس وانطلقوا في استهجان الإعلانات على صفحاتهم الخاصة بالفيسبوك، فمع كل الاحترام للمثلة دلال عبد العزيز التي تبرعت بتصوير إعلان توصيل المياه إلى بيوت الفقراء في القرى، والتي لم تفعل سوى تأدية ما طُلبَ منها، إلا أن الإعلان جاء فاشلاً بكل ما في الكلمة من معنى، حيث أثار سؤالين :
هل لا تمتلك دلال عبد العزيز ألفين جنيه لتعطيهما لتلك المرأة المسكينة لتوصيل المياه إلى بيتها بدلاً من أن تقول لها "معلش"؟
أليس توصيل المياه النظيفة إلى بيوت القرويين وكل مواطني الدولة مهمة الحكومة؟
أما إعلان مستشفى بهية فجاء وكأنه يضع مسدساً في رأس كل امرأة فالصياغة جاءت مهددة بشكل كبير حتى لو كانت فعلاً نسبة المعرضات للمرض اللعين تصل إلى امرأة من بين ثمانية نساء، فلقد كانت هناك أساليب أخرى تحفز الجمهور على التبرع خاصة وأن المستشفى فعلاً تقدم خدمة مهمة وممتازة للكشف على النساء جميعاً بلا تمييز ومجاناً.
إعلان مستشفى الحروق الذي استخدم أغنية الأطفال الشهيرة ماما زمانها جاية والراسخة في وجدان كل مصري بكافة المعاني الحُلوة، ليحكي حكاية فتاة جميلة ومرحة ومبهجة تتعرض للحرق على يدي أمها؟! ما هذا العبث ولماذا؟ إضافة إلى إعلان آخر يظهر الشعب المصري على أنه جاهل ولا يمتلك رحمة في قلبه ويرفض التعامل مع المصابين بحروق.
هذه الإعلانات الثلاثة تربعت على عرش الفشل في موسم رمضان باستخدامها رسائل إعلانية منفرة وتستعدي المشاهد بدلا من أن تستقطبه رغم عدالة قضيتها.
نأتي الآن إلى إعلانات شركات الاتصالات، حيث استسهلت شركة فودافون ولم تحاول البحث عن محتوى جديد بدلاً من إعادة استهلاك المحتوي الذي تم مضغه وهضمه آلاف المرات خلال السنوات الخمس الماضية، وهو اللعب على الحنين ودفئ العائلة، وكأنهم امتلكوا الخلطة السحرية (تيمة الحنين + نجوم كبار = نجاح) مع عدم وضوح للرسالة الإعلانية التي يرغبون في توصيلها للجمهور، هذا إضافة إلى المشهد التحريضي ضد الأطفال المفطرين أو المفطرين بشكل عام، من خلال نظرة الاستعلاء لأبناء غادة عادل إلى طفل يمسك بصاندويتش ويأكل وهو مرعوب.
شركة أورانج للأسف قدمت إعلان "دمه تقيل" وبلا مضمون واضح حيث دراما عبيطة مكتوبة خصيصاً فيما يبدو لمحمد هنيدي الذي فقد بالفعل قدرته على إضحاك الناس وإمتاعهم، فجاء فاشلاً تماماً، لتبقى إعلانات شركة اتصالات هي الأنجح، حيث التركيز على الخدمات التي تقدمها في رسالة سريعة ومكثفة وقوية.
نأتي إلى مستشفى 500500 أو المعهد القومي للأورام الجديد، والذي بدأ الشهر بإعلان قديم لخالد الجندي، حيث يخرج بوجهه الشحيم اللحيم المُنَعم ويطلب من الناس أن يتصدقوا للمستشفى فيكون رد الفعل الوحيد هو :" ما تتصدق أنت بنصف ثروتك على الأقل يا أخي ولا إنت شيخ وداعية على الفاضي؟". بعد ذلك جاء الـ  teaser  الخاص بزين البطل والشجاع والقدوة، والذي أثار ردَ فعل ساخر بين الجماهير " يا ترى زين قلبه واجعه ولا مشلول ولا أخرس ولا عنده سرطان؟" لم يلعب التيزر دوره المطلوب منه في النهاية فجاء الكشف عن شخصية زين بعد ذلك باهتاً، لكن منذ يومين أطلقت المستشفى إعلاناً مبهجاً جداً للفنانين وهم يلاعبون أطفال السرطان "شفاهم الله"، بمضمون مهم ألا وهو " حاولوا أن تدخلوا الفرحة على قلوب هؤلاء الصغار الذين يحاربون مرضاً خطيراً"، فنجح الإعلان في الوصول لقلوب الناس.
إعلانات مستشفى مجدي يعقوب للقلب نجحت في توصيل رسالتها، سواء كانت بإثارة تعاطفنا مع الأم التي تعلن أن فرحتها أن ترى ابنها صحيحاً معافياً بعد أن تأتي أكثر من أم لتحكي طرائف لأبنائها أدخلت الفرحة إلى قلبها، أو بجعل الناس تشعر أنها حققت هدفاً خيرياً هاماً بأن توجه فتاة صغيرة أتم الله عليها الشفاء من مرض القلب، شكرها ومحبتها لشرائح مختلفة من المجتمع.
وفي ظل قلة إعلانات المشاريع العقارية مقارنة بالعام الماضي، ما يوحي بوجود كساد في عالم العقارات، تأتي إعلانات موسى كوست وماوتن فيو ونيوبليس على قمة الإعلانات العقارية، وفي حين تأتي إعلانات موسى كوست عادية، لا يتمكن الزوجان عمرو يوسف وكندا علوش في نيوبليس من خطف الأنظار بل على العكس يثيرا سخرية الناس بأنهما يتربحا من زواجهما بالاشتراك في إعلانات نيوبوليس وفودافون، ليبقى ماجد الكدواني وأحمد عز متربعين على قمة إعلانات العقارات بسلسلة إعلانات ماوتن فيو، وإن كان ماجد الكدواني هو النجم الحقيقي لهذه الإعلانات بخفة ظله وحضوره المرح.
إعلانات بنك مصر "طلعت حرب راجع" و إيجي بنك "محدش بيعملك حساب"، جاءت موفقة جداً واستطاعت أن تجذب نظر المشاهد ليفهم رسالتها ببساطة، كذلك فإن ليلى علوي كانت مفتاحاً رئيسيا لدخول بوتجاز يونيفرسال في قلوب الجميع بسرعة، فهي بحق فاكهة الشاشة العربية أينما حلت.

يبقى في النهاية أن نضع التاج أو نمنح الجائزة الأولى لإعلان صلصة هارفست، فرغم أن المنتج مجرد صلصة إلا أن الإعلان جعلها أهم شئ في الوجود وبدونها لا يمكن الحياة. فكرة الإعلان والنص والتصوير والإخراج جاءوا متميزين بشكل يستحق 10 من 10 فهو إعلان يُدَرس ويمكننا ببساطة أن نقول : هكذا تكون الإعلانات كما يقول الكتاب بالحرف. 

الثلاثاء، 23 مايو، 2017

"واحدة حلوة" ... مونودراما موجعة حولت النص الإيطالي إلى مأساة مصرية أصيلة

لم أكن أتخيل أنني عندما سأذهب إلى مشاهدة عرض المونودراما "واحدة حلوة" بقاعة صلاح عبد الصبور داخل مسرح الطليعة بالعتبة، أنني شأشاهد عرضاً مصرياً صميماً وموجعاً إلى هذا الحد، فكما هو مكتوب على أفيشات العرض أنه مأخوذ عن نص " امرأة وحيدة" للأديب والمسرحي الإيطالي داريو فو وفرانكاراما، لكن وفقاً لما شاهدته؛ استطاع المخرج أكرم مصطفى أن يقدم معالجة نصية متميزة للمسرحية الأصلية، تجعلك تشعر أنك تتعامل مع نص مكتوب من قلب المجتمع المصري، ومعبر بما لا يدع أي مساحة للشك عن دواخل المرأة المصرية وأزماتها العاطفية والنفسية تجاه مجتمعها ومحيطها الأسري.


لم يغير أكرم في الديكور الخاص بالمسرحية الأصلية "امرأة وحيدة"، حيث صالة منزل متوسط الحال تتوسطه طاولة مكوى عليها ملابس جاهزة للكوي وعلى الجانب يوجد راديو يصدح بالغناء وهناك أربعة منافذ موزعة على جوانب الصالة تُمثل باب المطبخ وغرفة الأطفال وغرفة الأخ العاجز للزوج ثم باب المنزل، ويتصدر صالة المنزل، نافذة وهمية تطل على جارة متخيلة وهي النافذة التي تُعتبر المنفذ إلى الجمهور في صالة المسرح والذي يتابع من خلالها أحداث المونودراما التي تجسدها تلك المرأة الوحيدة أو "الست الحلوة".



أثناء العرض تداخلك مشاعرَ مضطربة، فهل تضحك أم تبكي على تلك المرأة التي ربما تُجسد حال أغلب نساء مصر، والذين يعيشون نفس تضارب المشاعر والأحاسيس ويضيعون بين ما يشعرون به في داخلهن وبين ما ينكره عليهن المجتمع وبين ما هو مفروض عليهن من المحيط الذي يعيشون فيه. حالة من البلبلة في المشاعر التي تداهمك طوال المسرحية، فتجد نفسك تتأهب للذهاب إلى تلك السيدة لتغمرها بين ذراعيك وتربت على كتفها ربما لتقول لها "معلش"، أو تقدم لها نصيحة بما يجب أن تفعله كي تفر بسعادتها وحياتها إلى عالم أفضل من ذلك الواقع القاتل الذي تعيشه، لكنك في النهاية لا تملك سوى أن تتسمر في مقعدك لتكمل الفرجة على الملهاة المأساة التي تُجسدها أمامك ببراعة الممثلة الفاتنة شكلاً وأداءً مروة عيد.

لا يمكن بأي حال من الأحوال، إنكار جرأة المعالجة النصية للمونودراما الصعبة "واحدة حلوة"، وهي في النهاية جرأة محمودة نتمنى أن تتحلى بها كافة النصوص التي تعالج مواضيع المرأة في مصر، فنحن بحاجة فعلياً لتغيير هذا الواقع المرير الذي اعتاد الجميع أن يواجهه بدفن رأسه في الرمال، لكن واقع الأمر يصرخ بأنه لم تعد هناك رفاهية لتكملة مسيرة الصمت حيث أصبحت أزمة المرأة في عالمنا أشبه بالقنبلة التي شارفت على الانفجار في وجه المجتمع كله.


النص يتناول أزمات المرأة المُعنفة في محيطها المجتمعي والتي تواجه كراهية مستترة، واستخداماً رديئاً لجسدها وتجاهلاً صارخاً لرغباتها ومشاعرها وتوازنها النفسي، حيث نجد "صباح" بطلة العرض الوحيدة والتي جسدت دورها ببراعة فائقة مروة عيد، امرأة تعيش وحدة من نوع خاص فهي زوجة لرجل اعتاد أن يُغلق عليها باب البيت بالمفتاح بمجرد أن يخرج حارماً إياها من ابنها الكبير الذي يقيم عند عمته، بينما هي مسجونة في المنزل بين متطلبات فتاتها الرضيعة وأخو زوجها المُقعد إثر حادث أفقده النطق وفقد أيضاً أطرافه فيما عدا ذراع واحدة يستخدمها في التحرش بصباح كلما اقتربت لتقدم له خدمة.
الأبواب في المنزل تُجسد المتاهة التي تعيش فيها صباح، فهي مشتتة بين الأبواب الأربعة التي تتعاون على الإمعان في إرهاقها وسحب الحياة من جسدها، حتى باب المنزل الذي كان مصدر أمل لها، غدر بها في نهاية المسرحية لتتأكد أنها وحدها في هذا الكون وأنها ليست أكثر من مجرد شئ للاستخدام وليست كائناً حياً له عقل وروح.
الشباك الذي يُعد نافذة صباح إلى العالم حتى تجد من تُحدثه عن أخبارها وحياتها ومشاعرها، وتشعر معه بأنها موجودة تدُب في أوصالها الحياة، يكاد يكون مُتخيل حيث لا إثبات على كونه حقيقي، وأن الجارة الجديدة التي عَثُرَت عليها ذات يوم قد تكون مجرد وهم ابتدعته صباح كي تحكي مكنونات دواخلها التي تفتك بها بطيئاً، بينما يحاصرها زوجها بعنفه وشكه ومكالماته المُهاجمة المهينة دوماً.


الهاتف الذي يرن جرسه طوال العرض لتقطع صباح حديثها مع الجارة، يُعبر عن اكتمال خيوط الحصار المحكم حول تلك المرأة المحكُوم عليها بالوحدة المُذلة، فهو يعبر عن أن كل أساليب التواصل مع مفردات المجتمع لا تؤدي إلا إلى الاستخدام والتشييئ للمرأة في مجتمعنا، بينما عليها أن تصمد ولا تقع في شرك أي صياد آخر غير زوجها.
الزوج والعشيق في مونودراما " واحدة حلوة" يُجسدان أحد أهم أركان الاستخدام للمرأة، فالتي تهرب من استخدام الزوج لابد وأن تقع في براثن استخدام العشيق، حيث لا مهرب في النهاية من الموت على مِذبح الذكر الذي لا يرى في المرأة سوى قطعة لحم وخادمة.

لا يمكن أن أنهي مقالي دون التطرق للفنانة مروة عيد، المشهود لها بالبراعة دائماً، لكنها في هذه المونودراما أخذت فن التمثيل إلى أبعاد أخرى من الصعب الوصول إليها، فلقد تماهت تماماً مع الدور لدرجة شعرت فيها بالإشفاق عليها، فكيف سيمكنها أن تمارس حياتها الطبيعية بعد هذا التجسيد الكُلي لدور صباح؟ فأنت تبكي معها وتضحك بهيستريا معها، ويصيبك القلق والأرق معها، ولا تتركك مروة تعود إلى منزلك سليماً كما أتيت قبل بدء المشاهدة، فهي تترك بأدائها الفائق نُكتة سوداء في جبهتك تسألك: لماذا تركت صباح وحيدة ولم تحاول إنقاذها؟ 

نُشٍرَ المقال في جريدة القاهرة عدد 23 مايو 2011 

السبت، 20 مايو، 2017

حرية المرأة أم مساواتها بالرجل؟ سؤال يفتح ملفات شائكة في كتاب ( أنا حرة )



هل أنا حرة؟ هذا ليس سؤالاً ولكنه عنوان لكتاب من تأليف الكاتبة والناشطة النسوية النرويجية لين ستالسبيرج، ترجمته إلى العربية كل من شرين عبد الوهاب وأمل رواش ومن إصدار دار صفافة.
الكتاب يقدم رؤية مغايرة لمفهوم حرية المرأة، وربما لا تكون مغايرة بقدر ما تضع كل أوراق اللعبة مكشوفة على الطاولة بشكل يجعلنا نرى حقيقة وضع المرأة داخل المجتمع ودورها الواقعي لبنائه ومفهوم حريتها بشكل أوسع من المطروح منذ بدايات حركات تحرير المرأة التي تزيد عن مائة عام في العالم كله.
تعلم الكاتبة جيداً أن طرحها سيؤدي إلى هجوم الجمعيات النسائية المعاصرة عليها، بل والمسؤولين داخل حكومتها بما فيهم من نساء يتقلدن مناصب رفيعة، لكنها مع ذلك فضلت أن تواجه وتُجبر المجتمع على النظر بعقلانية وموضوعية للأمر من أجل إنقاذ المجتمعات الإنسانية من التشظي والتشرذم.
ببساطة شديدة تتساءل لين: من أي شئ سيحررونني؟ وإلى أين سيأخذونني؟ وهل حصلت الآن على التحرر؟ أهذا هو المجتمع المثالي الذي كان مستهدفاً؟ أم وأب يعملان بدوام كامل بينما يبقى الأطفال في روضة الأطفال من ثماني إلى تسع ساعات؟ أم أن المستهدف كان شيئاً مختلفاً؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو؟
كما أنها تقول في مقدمة كتابها: لعلنا نسينا توجيه النقد الاجتماعي عندما كنا نناضل من أجل المساواة، أو أننا نسينا أن نسأل ماذا كنا نريد من وراء كل تلك المساواة. وأقول ببساطة إن تحرير المرأة ربما يكون قد تم التضحية به على مذبح المساواة بين الجنسين.
في ذكاء شديد تطرح الكاتبة النرويجية ستالسبيرج تلك الشعرة الفارقة بين المساواة والحرية، فلا شك أن حركات تحرير المرأة في بداياتها كان لها ما يبررها من تهميش وعزل للمرأة، بل وتضييق على حرياتها في تحديد ما ترغب به في الحياة بالفعل، إضافة إلى الوصاية الذكورية على عقلها وجسدها وحرمانها من أبسط حقوقها كالامتلاك والميراث والحصول على قسط وافر من التعليم تُحدد هي أبعاده واتجاهاته. بالتأكيد كان وضع المرأة في العالم أجمع مزرياً للغاية وعندما خرجت النساء للمطالبة بحقوقهن الإنسانية وقعن في فخ ذكوري يدعي أنهن أقل في المهارات والكفاءة والقوة ... إلخ بما يجعلهن بالفعل (وفقاً لعالم الرجل) يقعن في الصف الثاني بعد الرجال وأنهن مخلوقات لخدمته، لذلك كان من الطبيعي أن يكون التوجه نحو الحرية عنيفاً ومجحفا ومنكراً حتى لطبيعة المرأة نفسها.
كان التوجه في بدايات القرن العشرين مثلما عبرت الكاتبة والمفكرة الفرنسية سيمون دو بفوار، أنه على المرأة إن قررت الحصول على حريتها أن تكون مثل الرجال وتؤدي نفس أدائهم في الحياة وتعمل بنفس الأعمال التي يقومون بها وبالتالي يمكنها أن تثبت أنها جديرة بالمساواة والحرية. كان منهج دو بوفوار والحركات النسائية المعاصرة لها واضحاً بأنه؛ على المرأة أن تتخلى عن صفاتها الطبيعية كي تستحق الحرية والمساواة بالرجل، وهو اتجاه لو تعلمون ضد المرأة نفسها ويثبت نظرية الرجل بأن المرأة كائن ضعيف ولا يليق إلا لمهام خدمة الرجل كمواطن درجة ثانية.
وتوضح لين أن الحركات النسائية في السبعينات أدركت أهمية وجود المرأة في المنزل لأنها كأم يقع على عاتقها رعاية الأطفال والاعتناء بالمنزل، حيث أثبتت الدراسات أن الرجال لا يتمتعون بالمرونة والمهارة الكافية للقيام بتلك المهام، فخرجت الدعاوي النسائية لتؤكد أن المرأة باستطاعتها أن تجمع بين العمل في الشارع والعمل في المنزل وهنا نشأت مشكلة "ضيق الوقت"، التي تُركز عليها لين في كتابها وتتناولها بالنقاش من جميع جوانبها.
كيف يمكن للمرأة أن تكون حرة وهي مقيدة بأغلال العمل ومتطلباته ساعات طويلة وكذلك رعاية المنزل وشؤونه بما فيه الأطفال؟ تجيب لين على السؤال بطرح نقاط عدة أهمها معضلة الضمان الاجتماعي الذي توفره الدولة للعاملين والعاملات فقط، ما أجبر كثيراً من النساء على الخروج للعمل في وظائف تافهة ذات مرتبات هزيلة فقط للحفاظ على الضمان الاجتماعي الذي سيعينهن على الحياة في شيخوختهن بما يشمله من معاش شهري وتأمين صحي وغيره، كما أن هناك نساء كثيرات اضطررن للعمل بنظام الدوام الجزئي حتى يتوفر لهن مساحة من الوقت لرعاية أطفالهن والقيام بالأعمال المنزلية. وتوضح لين من خلال العديد من الدراسات التي أجريت على شرائح مختلفة من الذكور، أنهم غير قادرين على الأعمال المنزلية وإن استطاعوا القيام بها فإنهم يقومون بها في الوقت الذي يحددونه هم وليس الوقت المحدد لهم.
أمر آخر تطرحه الكاتبة، ألا وهو الأطفال الذي يعانون بسبب ضيق الوقت الذي يقع تحت أسره أبيهم وأمهم، فهم مضطرون للاستيقاظ مبكراً جداً حتى تضعهم أمهاتهم في الحضانات للحاق بموعد عملهن، وكثيراً ما يتعرضون لنسيان أحد والديهما المرور عليهم لاصطحابهم إلى المنزل أو التعرض لأمراض كثيرة نتيجة للإهمال أو الاختلاط بأطفال مصابين بعدوى ما، وكل ذلك لأن ذويهم مضطرون لوضعهم في حضانات.
مسألة الحضانات التي أصبحت المطالبة بزيادة عددها ومد عدد ساعات عملها من أهم متطلبات المرأة، وكذلك تأهيل العاملات بالمنازل للقيام بمهام التنظيف وإعداد الطعام وغيرها. إن خروج المرأة للعمل في الشارع أثبت بما لا يدع مساحة للشك أن المهام والأعمال المنزلية أمراً حيوياً لاستمرار الحياة واستقامتها وأنها أيضاً مهام جسيمة.
تفتح ستاليسبرج أيضاً، ملفاً خطيراً ألا وهو ملف رعاية المسنين، فرعاية المسنين من المهام التي كانت المرأة تقوم بها بشكل رئيسي على مدار العصور، لكن الآن مع خروج المرأة بكثافة واضطرار الكثير من النساء للعمل من أجل ضمان وضع اقتصادي آمن وثابت لها، أصبح هناك حاجة في المجتمعات إلى إنشاء دور للمسنين لإيوائهم بها، حيث لا يوجد من يقوم على رعايتهم الصحية ومصاحبتهم في هرمهم، وبذلك ظهرت حاجات اجتماعية مُلحة لتوفير الحضانات ودور المسنين وتأهيل أفراد غالباً ما يكونوا من النساء للعمل بها وهذا يُعد بنداً إضافياً على اقتصاد الدولة وكذلك اقتصاد الأُسر.
لا أستطيع بأي حال من الأحوال أن أعارض لين ستاليسبرج في طرحها بكتاب " أنا حرة" فهي تدعم فكرتها بقرائن لا يمكن لأي منا أن يشكك فيها، فبالفعل خروج المرأة بكثافة إلى العمل خلق خللاً اجتماعياً كبيراً على جميع المستويات، كما وضع المرأة في مأزق ضيق الوقت والإرهاق والإصابة بالأمراض المبكرة نتيجة العبئ الضخم الواقع على كاهلها بين العمل ومهام المنزل ورعاية الأطفال، لكن هل الحل هو أن نطالب بعودة المرأة إلى المنزل؟
بالطبع الإجابة لا؛ فليست كل النساء في كل المراحل العمرية، يقع على عاتقهن أعباءً منزلية ورعاية مسنين، وليست كل النساء يرغبن في الزواج والإنجاب، كما أن هناك نساء نابهات ولديهن مشروعات يرغبن في تنفيذها وتحقيق ذواتهن من خلالها تماماً مثل الرجل، إضافة إلى السؤال الأهم: كيف أضمن للمرأة عائداً اقتصادياً وضماناً اجتماعياً يقيها من أي احتياجات حالية أو مستقبلية؟ وكيف أضمن أن لا يعود المجتمع الذكوري إلى سيرته من تهميش المرأة والإقلال من قيمتها ودورها اجتماعياً؟
بالطبع لا يمكن أن أترك تأمين وضع المرأة الاقتصادي على عاتق زوجها بشكل غير ملزم قانوناً، والنتائج الكارثية تمشي بيننا في كل وقت على الأقل بالنسبة للمجتمع المصري التي تعاني فيه المرأة من فقدها لأبسط حقوقها الشرعية، مثل الحصول على ميراثها، أو اختيار زوجها، فكيف أطالبها بأن تتوقف عن العمل والاكتفاء برعاية الزوج والأبناء لتفاجأ بأنها في الشارع بلا عائل؟

ربما الأمر الذي تطرحه لين في كتابها مناسباً الآن للطرح في أوروبا وعلى الأخص بلدها النرويج، حيث تمتلك النساء حرية القرار بالفعل وهناك قوانين تُظلل المرأة بحمايتها، كما أن المجتمع منفتحاً ولا يعتبر الرجل نفسه وصياً على أنفاس المرأة، وبالتالي أصبح مناسباً الآن الحديث عن " الاعتراف بالأعمال المنزلية كأعمال تستحق أن تدفع عليها الدولة أجراً للمرأة وتشملها بقوانين الضمان الاجتماعي". لكن بالنسبة لنا هنا فمازال لدينا طريقاً طويلاً جداً للوصول إلى هذه النقطة. 

الأربعاء، 10 مايو، 2017

تجسيد النزاع حول هوية الله على مسرح الطليعة في "يوم أن قتلوا الغناء"





  • "يوم أن قتلوا الغناء" مسرحية تناقش النزاع على تحديد هوية الله بين القسوة والمحبة.. وتطرح أفكاراً فلسفية عميقة دون الوقوع في فخ التثاقف
  • شباب المسرحية يقودون الحياة الدرامية المصرية بأفكار جريئة وأداء إبداعي
  • المسرحية تؤكد أن مصر لا تعدم النص الجيد و تضع مسرح الفضائيات في مأزق



لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نفكر للحظة بأن هناك مشكلة يعاني منها المسرح المصري الآن، وتحديداً بعد مشاهدة مسرحية "يوم أن قتلوا الغناء"، فهي تعبير صادق عن أن المسرحيين المصريين لم يتوقفوا عن تفريخ أجيال جديدة متميزة تحمل الراية لتمضي بها قُدماً دون أن تنطفئ شعلة المسرح. عندما قررت مشاهدة المسرحية لم أكن أتخيل مشاهدة معالجة درامية للصراع على ماهية الإله بهذه الحنكة والعمق وكذلك البساطة والبلاغة في توصيل الفكرة في نفس الوقت، فلقد قدم الكاتب محمود جمال نصاً درامياً مسرحياً محكماً لا ينقصه عنصر التشويق رغم طرح أفكار فلسفية عميقة.
استخدم جمال أسطورة الخلق في نسج أحداث المسرحية، وإن وفق فيها بين ما وردت عليه في الكٌتب السماوية وبين محاولات المفكرين المسيحيين المعاصرين  في الغرب لربطها بنظرية التطور، حيث آدم ليس أول إنسان على الأرض ولكنه أول المفكرين والباحثين عن المعرفة، ليستخدم بعد ذلك الصراع بين هابيل وقابيل في نسج حكايته مع دمجها بسفينة نوح والطوفان وكذلك مزمار داوود. فسيلبا الأخ الأول و يمثل الجشع والعنف في تفسير علاقة الإنسان بربه (قابيل)، بينما مدى الأخ الثاني ويمثل الحب والسلام في تفسير علاقة الإنسان بربه (هابيل)، لكن بالطبع يتمكن سيلبا من حُكم الأرض وفرض قوانينه على الناس بالحديد والنار، بينما ينشر مدى الحب والحرية بين الناس على هامش قوانين سيلبا فيتعرض للملاحقة والقتل هو وأتباعه.
استطاع محمود جمال أن يُجسد رمزية السفينة التي يبنيها "مدى" – سفينة نوح - لتعبر عن فكرة الحرية التي يحاول الإنسان تحقيقها بالفرار من نير سيلبا وأدوات قتله، ليعشق الله في مُطلقه دون كبت أو قوانين سادية تجعله يقع تحت وطئ قسوة الاختيار بين السعادة وبين محاولة إرضاء الإله بسجن المشاعر خوفاً من القتل على الأرض والنار في الآخرة، ذلك الصراع الدائم والمستمر الذي يتنازع عليه الناس منذ بداية التاريخ، ليبقى الوصول إلى الحرية المطلقة في عشق الله هدفاً يطارده الفلاسفة ويحاول الناس بلوغه. لكن المؤلف قرر أن ينتصر للسفينة فجسدها واقعاً حقيقياً، حيث تنتهي المسرحية بهطول المطر وبداية الفيضان وصعود المؤمنين بأفكار مدى على السفينة ليرحلوا بحريتهم بعيداً عن أرض الطغيان والظلم. كنت أتمنى أن تنتهي المسرحية بالإبقاء على رمزية فكرة السفينة للدلالة على سعي الإنسان المتصل لبلوغ السلام والحرية والسعادة، دون تحويلها إلى واقع مجسد تم تَحقُقه، فالصراع الدامي بين القتلة باسم الله والسلطان لم ينته من الوجود منذ فجر التاريخ وحتى الآن، ويبقى المفكرين الباحثين عن الله في كُليته المُحبة، معرضون للقتل دون فناء أفكارهم التي تعمل دوماً على تطوير الحياة والإنسان.
استخدم الكاتب المرأة كرمز لنشر فكرة الحب والعطاء في الحياة وكذلك كرمز للشجاعة والإقدام لتحقيق السلام على الأرض من خلال شخصية أم آريوس، التي تُغني لابنها الطفل رغم قوانين سيلبا بتحريم الغناء وقتل كل من تسول له نفسه بممارسته، حيث تغني الأم لطفلها وتتعرض للقتل، ثم يُنتزع آريوس لتحويله إلى أداة قتل دامية باسم الإله، كذلك من خلال شخصية الفتاة كورمن التي لا تخاف جبروت وطغيان آريوس الشاب وتواجهه بشجاعة لتزرع داخله الشك في معتقدات إله سيلبا المُنتقم، وقد لعبت الدورين الممثلة هند عبد الحليم ببراعة فهي تمتلك قوة أداء مسرحية هائلة كما أنها توظف إمكاناتها الغنائية في خدمة الدور ببراعة، ناهيك عن مشاعرها الجياشة التي تنفذ إلى القلب مباشرة باندماجها الكٌلي في أداء دورها، فتلمح دموعها من على مقعدك بين المشاهدين ويهتز وجدانك بتهدج صوتها الدافئ الشجاع.
تضفير الكاتب لقصة الخلق بسفينة نوح بمزمار داوود – مدى أول من عزف على بوصة مجوفة وعرف الله بالموسيقى في المسرحية - مع اللعب على الميثولوجيا اليونانية التي جسدت بداية تَعَرُف الإنسان على القوى العليا التي تتحكم فيه دون إرادته، من خلال الصراع بين الآلهة والإنسان وما حَكَمها من غيرة مشوبة بالكراهية من قبل الآلهة في مواجهة الإنسان، يقابلها خضوع البشر وتحدي بعضهم للآلهة، كان موفقاً جداً في الإسقاط على الواقع الذي نعيشه الآن من تنامي وصعود القوى الظلامية التي تضع منهجاً قاسياً للحياة كمانيفستوا للعلاقة بالله وقتل كل من لا يستجيب، في مواجهة أفكار العدالة والحرية والمساواة بين الجميع على اختلافهم.
اعتمد مهندس الديكور دكتور محمد سعد على القطع المتحركة على جانبي المسرح ومن أعلى لتغيير المشاهد بين المعبد وقصر سيلبا والسوق والسفينة، مع استخدام قطع بسيطة على الخشبة نفسها يتم تغييرها بالفصل بين المشاهد بإظلام خشبة المسرح ومقاعد المشاهدين، فجاءت موظفة جيداً لخدمة الأحداث الدرامية. كذلك كانت موسيقى أحمد نبيل متناغمة مع الأحداث وبسيطة دون تعقيد، أما المخرج تامر كرم فقد استطاع شغل الفضاء المسرحي في بعض المشاهد، لكنه وقع في خطأ ترك مساحات فارغة في مشاهد أخرى دون إظلامها مع تركيز الضوء على الممثلين في المشهد رغم ثباتهم في منطقة واحدة، لكنه لم يغفل ذلك في مشاهد أخرى.
بالطبع كان تجسيد الفنان الكبير ياسر صادق لدور مدى متميزاً جداً، ولا يقل عنه في ذلك الممثل الفنان الكبير علاء قوقة في تجسيد دور سيلبا، أما الفنان الكبير حمادة شوشة فجاء تجسيده لدور الكاهن مشابهاً تماماً لدوره في مسرحية " المحاكمة" التي تُعرض على المسرح القومي الآن، ربما لأن الدورين متماثلين. يبقى الإشارة إلى مجموعة الممثلين الشباب والذين كانوا شُعلة الدهشة في هذه المسرحية، فمحمد ناصر الذي لعب دور "إفراط" يتميز بالخفة في الحركة وإجادته للغناء والرقص ببراعة أيضاً فكان ممثلاً شاملاً بحق. ميرنا الأمين أيضاً كانت مدهشة في أداء دور لوسيلا وبرقصها المتميز وإن كنت أتمنى أن تفقد القليل من الوزن ليظهر أداءها الراقص أكثر خفة، أما طارق صبري الذي لعب دور آريوس فتمكن بقوة في تجسيد الكُره والجهامة ثم الشك والندم انتهاءً بالانتصار للحب والحرية.
ولا أستثني بأي حال من الأحوال أي ممثل شارك في هذا العرض ولو بجملة واحدة، فكلهم بلا مبالغة ممثلين مسرحيين ناضجين ومكتملين، يستطيع كل واحد منهم أن يتحمل وحده مسؤلية عرضاً كاملاً، كما يؤكدون أن مصر لا تعدم الموهبة ولا تغرق في السطحية التافهة التي يتبناها مسرح الفضائيات.
"يوم أن قتلوا الغناء" مسرحية يجب أن تُشاهدوها وهي لا تُعرض في مكان بعيد، فأينما كان الحي الذي تقطنه في القاهرة يمكنك الخروج من باب مترو العتبة مباشرة إلى بوابة مسرح الطليعة، والتذكرة الواحدة بثلاثين جنيهاً فقط، ستشتري بها فكرة ومُتعة، فيالها من صفقة رابحة.


نشر المقال في جريدة القاهرة  عدد 9 مايو 2017 

السبت، 22 أبريل، 2017

حتى ينتهي النفط .. دراسة شائكة عن واقع العمالة المصرية في الخليج

دون ترتيب مسبق وجدت نفسي في حفل توقيع كتاب " حتى ينتهي النفط .. الهجرة والأحلام في ضواحي الخليج"، ولأنني كنت من المهاجرين إلى الخليج لفترة طويلة اهتممت كثيراً بالعنوان ما شجعني على البقاء في الحفل وسماع تقديم المُؤلف "صامولي شيلكه" لكتابه مع الناشر محمد البعلي صاحب دار نشر "صفصافة". ربما يكون الكاتب قد لخص محتوى كتابه في اللقاء، لكنني عندما شرعت في قراءته راودتني كل تلك المشاعر المتضاربة أثناء إقامتي الطويلة في الإمارات، ذلك النزاع الخفي بين الرغبة في الحياة فعلاً، والاستسلام لأسلوب الحياة الأشبه ببرامج تلفزيون الواقع، أوكما أطلق عليها "توفيق" أحد أبطال الكتاب الذين استخدمهم شيلكة في دراسته لوضع العمالة المصرية في الخليج: "ترومان شو".
نحن بالفعل نمثل الحياة في دول الخليج، ونرضاها لأنفسنا صاغرين على أمل تحقيق الهدف الأسمى؛ ألا وهو الثراء وإحداث النقلة الاقتصادية والاجتماعية التي لن نستطيع أبداً تحقيقها على أرض مصر، الوطن الذي يحتوي على كل تفاصيل الحياة الحقيقية لكنه لا يقدم معها الإمكانية على العيش، ما يجعل الهجرة سواء مؤقتة للعمل في الخليج أو دائمة إلى أوروبا ودول المهجر المعاصرة، مشروع في حد ذاته حيث لا مشروع آخر يمكن أن تتيسر له سبل النجاح في بلادنا.
يصدر صامولي شيلكه كتابه برباعية جاهين :
إقلع غماك يا تور، وارفض تلف
إكسر تروس الساقية .. واشتم وتف
قال: بس خطوة كمان .. وخطوة كمان
يا أوصل نهاية السكة، يا البير يجف
عجبي
ربما كانت هذه الرباعية أكثر شئ معبر عن الدراسة التي يقدمها شيلكة في كتابه، حيث العمالة البسيطة في الخليج تعيش في ضيق وحياة مؤجلة طوال الوقت من أجل صناعة حياة في بلدهم، لا ينعمون بها أبداً ورغم واقع الحال المزري لمستوى الحياة التي يعيشونها في الخليج، إلا أنهم دائماً ما يقولون لأنفسهم ومن حولهم :" عام واحد آخر ونعود"، ولكن هذا العام يجر أعواماً لا تنتهي ما يجعل آخرين للاعتراف بالواقع ليبدلوا القول إلى " لن نرحل حتى آخر قطرة نفط".
يختار شيلكة قرية "نزلة الريس" شمالي مصر لعمل دراسته، حيث أن رجال القرية بنسبة عالية يجرون بعضهم بعضاً للعمل في الخليج كأفراد أمن برواتب زهيدة، تبقى في النهاية أفضل من واقعهم داخل بلادهم التي لا تقدم شيئاً مهما عملوا وكدحوا. يتنقل مؤلف الكتاب مع الشخصيات التي اختارها للدراسة بين قريتهم وبين موقع عملهم الذي هاجروا إليه في قطر، ليرصد تطور حالتهم من بداية الحلم وحتى تحطمه على صخرة الواقع ثم الرضوخ للأمر الواقع حيث أن العودة  إلى مصر لا تفتح أي باب باتجاه تحقيق أي حلم، وتحديداً الزواج وفتح بيت، والذي يتحدث شيلكه عن كونه من أهم الأهداف التي يسعى لتحقيقها المواطن المصري مهما كلفه هذا الحلم من تضحيات وضياع لأيام العمر دون الوصول إلى مرحلة الراحة التي يعملون من أجلها جُل عمرهم.
يقدم صامولي من خلال شخصياته مفاهيم اجتماعية تم رصدها من قبل العلماء المتخصصين عن الخليج، مثل مفهوم (الهايبر واقع) الذي يمثل شكل من أشكال المحاكاة للحياة، محاكاة مُقنعة لدرجة أن الحياة الأصلية تبدو إلى جوارها أقل واقعية، فيقول: " هناك شئ من الوجاهة في مفهوم الهايبر واقع. لو كان توفيق يعرف المفهوم ربما كان ليستخدمه. كما لو كان يعرف بأفكار الباحث الجوغرافي المصري ياسر الشيشتاوي، كان ليوافق معه أن مشروعات "البرستيج" في مدن الخليج هي استعراض أو "فرجة" بالمعنى أنها تحول الناس إلى متفرجين ومستهلكين في حالة شديدة من الاغتراب. وربما ليوافق تماماً – على مقولة الشيشتاوي بأن تلك مشروعات " يصبح الزيف فضيلة .. ونموذجاً".
من خلال (عمرو وتوفيق) يستعرض المؤلف وصاحب هذه الدراسة رحلة المغترب المصري الذي يضطر لقبول أعمال بسيطة بعائد قليل مثل "رجال الأمن" للبنوك والشركات، فهي مهنة مملة ولا تحتاج إلى أي مقومات حيث أنهم لا يقومون بوظيفة حقيقية فدول الخليج على الأغلب تتمتع بدرجة عالية من الأمن نظراً لأن تعداد السكان الأصليين قليل ومساحتها أيضاً صغيرة، إضافة إلى تعمد حُكَّام هذه البلاد إلى تنويع الجنسيات العاملة لديهم من البلاد الفقيرة، بحيث لا يمكن أن يحدث أي نوع من التكتل للاعتراض على أي وضع غير آدمي أو إحداث شغب.
راتب رجل الأمن لا يزيد بأي حال من الأحوال عن 1500 ريال قطري والعمل يمتد ليشمل أيام الأسبوع كله لإثنى عشر ساعة يومياً، وبالتالي لا يوجد أي شئ آخر في الحياة سوى النوم والعمل، أما الرفاهية والجمال الأسطوري والسلع المُغرية في المولات فهي ليست لهم، بل للمواطنين من أهل البلد والمغتربين الذين يعملون في مهن مميزة تُدر دخلاً كبيراً، أما هم فلا يوجد لديهم سوى الفُرجة من بعيد.
يستعرض أيضاً شيلكة تأثير الزحف نحو بلاد الخليج ثم العودة إلى مصر في النهاية على أسلوب الحياة في القرى والمدن المصرية، حيث السعي الدؤوب لامتلاك السلع المعمرة وتبوير الأراضي الزراعي والبناء عليها وأجيال كاملة تنشأ بعيداً عن آبائها وتصدير المفهوم الخليجي للإسلام والشعور بالضآلة أمام أي شئ غير مصري، وتحول مفهوم المعمار في المدن الجديدة إلى المفهوم الخليجي أيضاً.
الكتاب ممتع جداً وأرشحه بقوة للقراءة، حيث أنه يتبنى أسلوب سردي قصصي رشيق يجعل التفاعل معه ومع المفهوم الذي يتناولة بالدراسة يسيراً ويساعد على فهم واقع العلاقة بين مصر ودول الخليج، أو بمعنى أصح " العمالة المصرية والخليج"، من جذب وطرد وبُغض مصحوب بالاحتياج الدائم نظراً لعدم توفر بدائل على الأرض المصرية للحلم .. أي حلم.

أمنية طلعت 

الثلاثاء، 18 أبريل، 2017

صاحب الجسد الأثيني والصوت الجسور المتهدج .... غزل صريح في مفاتن نجم بوليوود الأسطوري "ريتك روشان"

أعلم تماماً السمعة الخاصة بأفلام بوليوود لدى المثقفين العرب، فمن يواظب على مشاهدة تلك الأفلام هو تافه ومصنف ضمن المراهقين أو ربات البيوت المكبوتات واللائي يحلمن ببطل من الأساطير التي لا يمكن أن تتحقق على الأرض، ولذلك فإن الانطباع الشائع عن مشاهدي الأفلام الهندية هو أنهم من الطبقات الشعبية أو بالمصطلح المصري السينمائي القديم "جمهور الترسو"، ولهذا يمتنع المثقفون عن متابعة إنتاج بوليوود وإن تعاطوا مشاهدتها فإنهم يفعلون ذلك في الخفاء وبسرية تامة.
لكل ما سبق فأنا أعلن بمنتهى الارتياح والأريحية بأنني واحدة من جمهور الترسو وأفتخر، فلطالما كانت أفلام بوليود تمثل الإنتاج نمرة واحد بالنسبة لي وبعدها تأتي باقي الأفلام سواء كانت أفلام هوليوود أو إنتاج أوروبي أو عربي أو مصري .... الأفلام الهندية بالنسبة لي كالماء والهواء وربما وصل الأمر إلى الإدمان فلابد لي من تعاطي جرعتي البوليوودية يومياً وإلا أصابني العُصاب. 


لن أدافع عن أهمية وعمق وعظمة إنتاج بوليوود فلك الحق تماماً أن تطلق علي النكات أو أن تستهين بثقافتي وقدراتي العقلية، فهذا لا يهم، ولكن هل من الممكن أن تسمحوا لي بأن أكتب مقالاً غزلياً في نجم بوليوود صاحب العيون الخضراء ريتك روشان؟ 





دعوني أحدثكم عنه، ولكنني ببساطة لن أخبركم متى وُلد وأين ترعرع وكم جائزة اقتنص، فقط سأحدثكم عن هذا الرجل الذي يماثلني في العمر فأعطاني أكبر حُجة لأطلق العنان لمراهقتي المتأخرة وأضعه على طاولة فتى الأحلام، حيث لا يوجد ما يجعلني أشعر بصعوبة الوصول إليه مثلما حدث لي وأنا مراهقة عندما عرفت أن أميتاب باتشان في عمر أبي فكانت الحسرة التي صاحبتني إلى أن قابلته في دبي وأجريت معه حواراً لصالح الجريدة التي كنت أعمل بها، ولم أتمكن من أن أخفي عليه حقيقة صدمتي حيث كنت أدخر مالاً من مصروفي اليومي للسفر إليه والزواج منه، لكنه ابتسم ابتسامة أبوية وكأنه اعتاد سماع تلك الحكاية من المراهقات وأخبرني أنني جميلة وأستحق شاباً في مثل عمري.
الآن لا يقف عائق العمر بيني وبين ريتك روشان ومن حقي أن أضع خطة محكمة لخطف الرجل والسفر به إلى جزيرة منعزلة بعيداً عن أي صخب حضاري حديث لأقوم معه بمغامرة في الأدغال وينقذني من بين يدي الوحوش، ثم أرقص معه رقصة منعشة على جبال الهيمالايا بين كهنة المعابد البوذية فتحل علينا الحكمة والاستنارة تحت أشعة الشمس الاستوائية الحارقة التي أعشقها. 


هل شاهدتم فيلم "بانج بانج" الذي لعب بطولته مع الممثلة رائقة الجمال كاترينا كييف وإخراج سيد هارت راج أناند؟ الفيلم يُعرض كثيراً على القنوات المتخصصة في تقديم سينما بولييود وأشاهده إلى النهاية في كل مرة عرض له دون ملل وبنفس الدهشة التي شاهدته فيها في المرة الأولى. حكاية الفيلم بسيطة جداً ولا تمت إلى الواقع بصلة، لكن ما لنا بالواقع فهو بالفعل مرير ومُتعب، فلنغيب عن الوعي قليلاً مع تلك الفتاة التي تعاني من حياتها المملة كموظفة استقبال في أحد البنوك وتعيش مع جدتها التي تحلم بيوم زواجها وتدفعها إلى البحث عن عريس مناسب، فتدخل على واحد من مواقع التزويج وتسجل بياناتها وتأتيها الاستجابة من أحدهم فتذهب لمقابلته، لكنها تقع في حبائل الفتى راجفير "ريتك روشان"، الغامض الذي يقلب حياتها رأساً على عقب وتجوب معه العالم دون أن تدري كيف؟ في مغامرة للحفاظ على جوهرة هندية تاريخية "كوهينور" تم سرقتها من المتحف البريطاني لإثارة الأزمات بين الهند وإنجلترا.
ريتك روشان بنغمة صوته التي تجمع بين القوة الذكورية والتهدج الأنثوي المعبأ بعطر رجل أسطوري، مع ابتسامته التي تُفرج عن أشعة الشمس الطالة من بين أسنانه، يغيبها عن واقعها تماماً وتنسى عالمها الممل وحياتها الروتينية لتسبح معه في تيار من القوة والجمال الأثيني. روشان بجسده الذي يُفصل لكل عضلة تظهر كنحت يوناني بديع يتحرك ويضحك ويغني ويلفها بذراعه ليقفز من طائرة أو من فوق جبل ولا يغيب عنها أبداً حيث تجده كلما التفتت لتبحث عن مُعين ... وكل هذا وهي لا تدري ما الذي يحدث ولماذا؟. 



في فيلم " زينداجي نا ميلجي دوبارا" أو نحن "نعيش الحياة مرة واحدة"، والذي تدور أحداثه في أسبانيا، نعيش مع ريتك روشان أحداث فيلم "كوميدي دراما" لا تحتوي على أي نوع من الأساطير غير الواقعية، هي حكاية بسيطة لثلاثة أصدقاء يقررون السفر في رحلة لتوديع العزوبية مع صديقهم الذي يتأهل للزواج من حبيبته، فيجدوا أنفسهم في رحلة لمواجهة مخاوفهم التي أغلقوا عليها منذ زمن داخل اللاوعي، يلعب ريتك دور "أرجون" الفتى الذي عانى من الفقر كثيراً وهو طفل فقرر أن يعمل في عالم المال والأعمال دون توقف حتى يصبح غنياً قبل أن يبلغ سن الأربعين، ما حوله إلى إنسان آلي لا يعرف كيف يعيش متع الحياة أو حتى يحافظ على خطيبته التي تتركه لأنها لا تريد ان تعيش تلك الحياة الجهمة. يسافر ريتك في رحلة توديع عزوبية صديقه ليتحول مائة وثمانين درجة على يد "ليلا" المرشدة السياحية الهندية والتي تلعب دورها كاترينا كييف أيضاً.
الفيلم كله مبهج ومبهر وملهم ولكن دعكوا من كل هذا ولتركزوا معي في أهم أغنية فيه وهي " سينيوريتا" والتي يغنيها الأصدقاء الثلاثة مع راقصة الفلامنكو. هنا يبرز وهج روشان وهو يتحرك على الإيقاع الأسباني للأغنية، فهو راقص محترف بحق وليس مجرد ممثل يعرف الرقص مثل أغلب نجوم بولييود، الإيحاءات الإغوائية التي لا يتوقف عن تقديمها بانسيابية جسده الأثيني النادر وكرة النار التي يرسلها إلى كل المشاهدات عندما يرتفع طرف قميصه قليلاً ليُظهر في لقطة خاطفة سحر عضلات بطنه المنحوتة بإزميل حفر دقيق. 


في الدراما التاريخية "جودا أكبر" من إنتاج عام 2008 لعب ريتك روشان دور إمبراطور الإمبراطورية المغولية الإسلامية جلال الدين أكبر أمام الممثلة الفاتنة أشواريا راي التي قدمت دور الأميرة الراجبوتية الهندوسية جودا باي، وبغض النظر عن الأحداث التي بإمكانكم التعرف عليها بمشاهدة الفيلم المتاح حتى على يوتيوب، فإنكم بالتأكيد ستقعون في أسر سحر ريتك الذي يقدم دور الإمبراطور في مزيج مدهش لرجل يحمل القوة والعظمة المطلقة مع خيط رفيع من السذاجة والنعومة التي لا تستحق سوى الغمر بكامل الجوارح الأنثوية. 


وقد يرى الرائي أن ريتك روشان مجرد جسد جميل لممثل غير قدير يعتمد على روعة جسده المفتول وإتقانه الرائع للرقص، لكن الحقيقة غير ذلك فهذا القطعة الفنية الفاتنة يمتلك أدوات الإبداع التمثيلي بما لا يستطيع أحد أن يشكك لحظة في ذلك، وهو ما نراه بوضوح في فيلمه المُوجع "جوزاريش" من إنتاج عام 2010 ، والذي مثل فيه ريتك دور ساحر تعرض لحادث مُدَبر أدى إلى إصابته بالشلل الرباعي ما أقعده تماماً عن الحركة لتخدمه امرأة فقيرة لعبت دورها آشواريا راي. لا يتحرك ريتك بالفيلم ولا يمثل سوى بعينيه وبصوته المتهدج العميق، فيأخذك إلى منطقة حزن خفية داخلك لتسأل معه كل الأسئلة التي يطرحها وأهمها: لماذا نعيش؟ وماذا يعني الحب؟. 

ريتك روشان ممثل بدرجة إمبراطور حقيقي، فهو يمتلك كل شئ يضعه على عرش السينما العالمية بلا جدال .... وهو فاتن النساء بدرجة أسطورة تمشي وتتحرك بيننا على كوكب الأرض.

أمنية طلعت 

الخميس، 13 أبريل، 2017

مطبخ أمنية - زبدة الفول السوداني في نص ساعة في البيت ... أرخص وصحية أكتر


الفول السوداني من أهم مصادر البروتين النباتي وكمان بيحتوي على فيتامبنات ومعادن مضادة للأكسدة وبيقلل من الكوليسترول المضر في الجسم وبيساعد على زيادة الخصوبة وبيحمي البشرة لأنه بيحتوي على فيتامين E وكمان فيتامينات B المركبة المفيدة جداً لتقوية الأعصاب. من الآخر الفول السوداني المتحمص من غير أي إضافات زي الملح والزيت مفيد جداً وعشان كدة ساندويتشات زبدة الفول السوداني مفضلة كطريقة لأكل هذا المخلوق النباتي الجميل. بس المشكلة إن برطمانات زبدة الفول السوداني الجاهزة واللي بتتباع في السوبرماركت بتكون مليانة زيوت ومواد حافظة خطيرة على الجسم وعشان كدة انا هقولكم على طريقة لطيفة جداً تعملوا بيها زبدة الفول السوداني في البيت هتكون آمنة صحياً وكمان أرخص كتير من المنتجات الجاهزة .... يلا بينا

 1- بعد شراء الفول السوداني المحمص غير المملح بنقشرة ونحطه داخل مطحنة الخلاط
 2- نضيف عليه شوية سمسم عشان يكون بديل للزيت وبيعطي طعم حلو جداً
 3- بنطحنه لمدة 5 دقائق غير متواصلة يعني كل شوية نقفل ونرجع نشغل المطحنة
 


4- بيكون شكله كدة بعد انتهاء الطحن 

5- نعبيه في البرطمان ونحطه في التلاجة لحين استخدامه 

وبالهنا والشفا :) 

الجمعة، 7 أبريل، 2017

"سكر برة" فيلم مصنوع خصيصاً لربات البيوت

"سكر برة" فيلم بسيط للغاية لا يحتاج إلى أي نوع من أنواع النقد والتحليل، فهو ببساطة فيلم "تيك أواي". ولا يعني استخدامي لهذا الوصف أي محاولة للتقليل من قيمة العمل، فهو في النهاية فيلم أُنتج بميزانية قليلة جداً، ولم يعمد صناعه من البداية إلى تقديم أي نوع من الإبهار أو العُمق أو حتى قضية للمناقشة والتفكير، فهو بدقة: "فيلم ظريف لطيف للتسلية".
لا أستطيع أن أدعوك إلى النزول من منزلك خصيصاً من أجل الذهاب لمشاهدة الفيلم، ولكنك ببساطة إذا تواجدت في أحد المراكز التجارية الكبيرة وشعرت بالملل ورغبت في الضحك قليلاً دون ابتذال، يمكنك أن تشاهد "سكر برة"، أما إذا لم تتوفر لك تلك اللحظات فلا تتعجل لمشاهدته لأنك لن يفوتك شئ ويمكنك انتظار عرضه على شاشات القنوات الفضائية والذي اتوقع أنه سيكون قريباً، فالفيلم مصنوع خصيصاً لتسلية المشاهدين في المنازل. وفي الحقيقة لا أدري لماذا تم تصنيف الفيلم بـ " تحت الإشراف العائلي"، فما هي المشاهد التي تحتاج إلى إشراف عائلي بالتحديد؟ .. الفيلم عائلي بامتياز ويكاد يُصنف كأحد الأفلام الصالحة للعرض للأطفال في فترة المراهقة الأولى لأنني أتخيل أن الشباب المراهقين لن يجدوا شيئاً يثير شهيتهم في قصة أو أسلوب عرض "سكر برة"، ويمكن لأي أم أن تصطحب أطفالها وتذهب لمشاهدته في فترات العرض الصباحية دون التخوف من أي شئ.
عمد محمد الدرة المؤلف إلى تقديم توليفة سهلة لقصة الفيلم مع تغليفها ببعض شعارات برامج التوك شو مثل "الشغل مش عيب" و "مش لازم تشتغل في تخصص دراستك"، بالإضافة إلى استعارات من شعارات  أفلام ثورة 1952  مثل "كلنا سواسية ولا فرق بين بنت الوزير وبنت الغفير" و"ننسى أصلنا البشواتي وننخرط في العمل والحياة مع العامة"،  وذلك من خلال مجموعة من أصدقاء الجامعة الذين التقوا بعد سنين من تخرجهم في حفل زواج أحد أصدقائهم، ليبدأ كل واحد في ممارسة أكاذيبه على أصدقائه كما اعتادوا فابنة البواب وبائعة الباذنجان المقلي تدعي أنها من عائلة غنية وتجوب أوروبا وأمريكا مع أهلها، وابنة الأرستقراطيين القدامى لم يعد أهلها يمتلكون شيئاً لكنها مازالت تدعي الغنى وتمارس تعاليها على الآخرين من طبقات الشعب العادية والفتاة البدينة تدعي أنها طورت من مهنة ومحل أبيها العطار لتصدر منتجاته إلى الخارج، وابن السفير لا أدري لماذا ولا كيف أصبح وحيداً فقيراً لكنه يكذب بشأن واقع حاله، فقط ابن الفلاحين والذي يلعب دوره خالد عليش هو الواقعي الذي لم ينكر أصله الفقير والبسيط وبنى نفسه بنفسه حتى أصبح مديراً لفندق في الأقصر، ومن خلال هذا اللقاء يذكر أن هناك مسابقة كبيرة لوظائف مطلوبة في الفندق وبمرتبات مجزية، ليداعب كل واحد فيهم حلم العمل فيه ليغير واقع حاله بعد أن وصل به الكذب والادعاء إلى أسوأ حال يمكن أن يتخيله، لتتوالى الأحداث بعد ذلك ونصل إلى اللحظة التي ينجح فيها الجميع ويتكاتفون من أجل بناء أنفسهم ووطنهم.
رغم أن حال السياحة في مصر ليس على مايرام إلا أن المؤلف حصر الكفاح من أجل الحصول على لقمة العيش والتفوق والعمل على بناء الوطن محصوراً داخل العمل في قطاع السياحة، ما جعلني أشعر للحظات أنني أشاهد فيلماً من إنتاج التسعينات، أما المخرج فقد تضامن بقوة مع القصة التسعينية ولم يبذل مجهوداً في إخراج شيئ مختلف أو مميز عنها أيضاً، ونفس الشئ قام به الممثلون فلم يكن هناك أداءً مميزاً يمكن الإشارة إليه سوى الممثل الشاب إبرام سمير الذي قام بدور " سيد فرخة" بأسلوب عفوي لا يعمد إلى أي ابتذال فكان هو وحده مصدر الضحكة في "سكر برة" لذا يمكنني التنبؤ له بنجاح كبير في مجال الكوميديا لأن هذا الأسلوب من الأداء الكوميدي لم يعد متوفراً بعد وفاة كثيرين كان آخرهم فؤاد خليل.
في ظل قلة الإنتاج السينمائي المصري لا يمكنني أن أتساءل عن أسباب إنتاج فيلم مثل "سكر برة" لا يقدم أي شئ جديد على الإطلاق، وأعتقد انه سيتمكن من جمع تكاليف إنتاجه الفقيرة أصلاً وبالتالي سيتحول في ظرف أسبوعين إلى فيلم يُقدم في فترات الظهيرة لربات البيوت على شاشات التلفزيون وهو السبب الحقيقي لإخراج هذه الأسبرينة السينمائية السريعة على ما أعتقد.

الثلاثاء، 4 أبريل، 2017

"قواعد العشق الأربعون" سيمفونية مسرحية لم تقع في أسر الرواية

أن تحول رواية ضخمة إلى عرض مسرحي يُعرض في ساعتين أمر صعب للغاية، فما بالك لو كانت تلك الرواية من أعلى الروايات مبيعاً منذ ما يقارب الأربعة أعوام ومازالت ضمن الروايات الأكثر إقبالاً على القراءة؟ هذا ما قامت به الدراماتورج رشا عبد المنعم مع رواية ( قواعد العشق الأربعون) للروائية التركية الشهيرة إليف شافاك بصحبة اثنين من الكتاب الشباب المتميزين وهما ياسمين إمام شغف وخيري الفخراني، فلم يقعوا في أسر الرواية وخرجت المسرحية مستقلة ومتفردة في ذاتها.
العمل المسرحي "قواعد العشق الأربعون" والذي بدأ عرضه على مسرح السلام، يعد مغامرة بحق وكما قال المخرج عادل حسان أنه عرض احتاج إلى عامين من الكتابة وإعادة الكتابة أكثر من مرة حتى وصل إلى الشكل النهائي الذي تم تقديمه في حضور وزير الثقافة حلمي النمنم الثلاثاء الماضي ولفيف من المسرحيين والكتاب، فأن تُقدم على خشبة المسرح، فكرة الرواية القائمة على تجسيد ماهية العشق الإلهي الحر من أي قيد في مقابل القوالب الثابتة والإجابات الجاهزة في السبيل إلى الله والتي تُجمد العقل والقلب وتحولنا إلى أعداء متواجهين، فهذا أمر يحتاج إلى مجهود كبير حتى تصل إلى نص يُقدم الفكرة ومتعة المشاهدة دون ملل في نفس الوقت إلى الجمهور.
مما لا شك فيه أن المسرحية استطاعت ان تقدم المعادلة الصعبة، حيث لخصت الفكرة بشكل عبقري خطف أنفاس المشاهدين ضمن مزيج من الصوفية والمحاورات العقلية والغناء والموسيقى، فقد تم تقسيم المسرح بشكل ضج بالحركة في كل جزء من أجزائه ولم يكن المشاهد في حاجة إلى أن ينتظر تغيير ديكور المسرح بين مشهد وآخر ولا أن يرى مشهداً يشمل خشبة المسرح ككل، فقد قام مصطفى حامد مصمم الديكور بتقسيم المسرح  بشكل عرضي حيث بناء من طابقين مقسم إلى غرف متعددة تُجسد منزل جلال الدين الرومي في الخلفية ومساحة مفتوحة تمثل الشارع والمسجد والماخور والحانة، بينما لعبت الإضاءة البطولة في نقل الجمهور من مشهد إلى آخر باستخدام بقعات الضوء التي تتحرك بين المشاهد في سلاسة، لينتهي مشهد وننتقل إلى آخر من خلال بقعة الضوء أو من خلال إضاءة غرفة وإظلام باقي الغرف أو إضاءة عرفتين وإظلام الباقي، وبذلك نتحول من مشهد لآخر بشكل أشبه بمشاهد السينما أو الدراما التلفزيونية. ساعد ذلك بشكل كبير على أن يكون إيقاع المسرحية سريعاً دون إخلال بالمعنى المراد تقديمه أو إخلال بدسامة الحوار الذي قدم أفكاراً ومحاورات عميقة دون أي نوع من انواع الخطابة المسرحية المطولة أو المملة، وبالطبع لعب إبراهيم الفرن مدير الإضاءة والمخرج عادل حسان دوري البطولة في هذا الصدد كي تخرج المشاهد المتقطعة بسرعة ملحوظة في شكل شيق وأنيق في ذات الوقت.
جاءت الملابس التي صممتها مها عبد الرحمن أيضاً لتكمل الحوار المتناغم بين النص والإخراج والديكور والإضاءة، حيث ظهر رداء صاحبة الماخور مناسباً للشخصية اللعوب دون الحاجة إلى أن يكون كاشفاً لجسدها، بينما ساعدت الملابس بشكل كبير في توضيح تحول شخصية وردة العاهرة التي تابت على يد شمس الدين التبريزي وهربت من الماخور لتقيم في منزل جلال الدين الرومي، كذلك عبرت ملابس كيميا حبيبة شمس الدين التبريزي عن شخصيتها البريئة وأحلامها المشتتة بين رغبتها في الوصول إلى الله بمعزل عن الدنيويات وبين رغبتها في أن يكتمل لقائها بشمس وتكوين أسرة عادية معه، وفي نهاية العرض خرجت الملابس لتوحي بهذا الارتقاء الذي أحدثه التبريزي في نفوس الجميع بعد رقصة السماء التي يدورون فيها للغياب عن كل ما هو أرضي بغية الوصول إلى الخالق.
ربما كان أكثر ما جذب انتباهي عدم اعتماد المخرج التركيز على راقصي المولوية بدورانهم، حيث كان الأمر متوقعاً أن تُخلى خشبة المسرح تماماً لهم لتقديم عرض أو اثنين، لكن هذا لم يحدث وكسر عادل حسان ما هو متوقع فجاء رقص المولوية مكملاً للمشاهد ودون ضجة في جانبي المسرح أو داخل غرفتين من منزل الرومي، بحيث يصاحب دورانهم المشاهد المختلفة كخلفية صامتة أو كمصاحبة هادئة للغناء الصوفي الذي كان العرض غنياً به.
خرج أداء بهاء ثروت لدور شمس التبريزي مميزاً حيث لم يعتمد الأسلوب الخطابي في تقديمه للدور رغم احتماله لهذا، بل جاء أداؤه صافياً ومعبراً عن صوفية التبريزي وهيامه على وجهه في سبيل الوصول إلى حقيقة الله في ذاته، كذلك كان أداء هدى عبدالعزيز لدور صاحبة الماخور مميزاً ومعبراً بقوة عن الشخصية رغم قلة عدد المشاهد الخاصة به واستطاعت أن تفوز بضحكات الجمهور دون ابتذال، استطاع أيضاً هشام علي بمشهديه الذي جسد فيهما دور الشيخ التقليدي الذي يردد كببغاء ما حفظه من نصائح دينية دون تفكير بينما لا يشغل باله سوى بالمكاسب المادية، أن يجذب انتباه الجمهور إليه والتجاوب معه، وعزف أبطال العرض من الممثلين في النهاية سيمفونية جذابة نجحت في الوصول إلى جميع الحضور.
في النهاية لا نستطيع أن نغفل موسيقى العرض، والتي تعد البطل الرئيسي له، فلقد كان عرض " قواعد العشق الأربعون" موسيقياً بحق، حيث كانت موسيقى الدكتور محمد حسني تضح بالحياة حتى لتشعر أنها تتحرك بانسيابية بين أجساد الممثلين وتتعاشق مع كلماتهم، فحملت الكثير من المحبة الإلهية والهروب الإنساني الحزين وبلغت قمة جمالها في مشهد النهاية الذي جسد لوحة فن تشكيلي خاطفة للأبصار وملخصة لكل العشق الإلهي الحر الذي يهدف إليه النص الأصلي للرواية ونجح في نقله لقلوب العشاق على مقاعد الجمهور النص المسرحي المأخوذ عنه.




المقال منشور في جريدة القاهرة المصرية بتاريخ 4 ابريل 2017