السبت، 23 فبراير 2019

أدرينالين .. مونودراما تُعري سرطانات العرب انطلاقاً من جسد المرأة





التساؤل الدائم في عالم المسرح عن كيفية استخدام الجسد كأداة فاعلة للتعبير، يفتح أمامنا كثيراً من الأجوبة التي قد تكون بنسبة عالية غير مقنعة لنا، فنحن شعوب اعتادت أن توصد الأبواب أمام أجسادها نظراً لانطلاقنا من ثقافة تدين الجسد طوال الوقت وتحقر منه في سبيل تمجيد الروح والإعلاء من شأنها، لكن ثقافتنا تعامت ربما عن قصد وربما دون إرادة حقيقية منها، عن أن السبيل الوحيد لتحرير الروح لا يتأتى بمعزل عن تحرير الجسد، هذا التحرير الذي لا يفهمه كثيرون سوى بأنه الممارسة غير المقدسة او الشرعية للجنس، وهو من أكبر الأخطاء التي ننسجن داخلها، فتحرير الجسد لا علاقة له بالجنس غير الشرعي، ولكنه نوع من أنواع المزج بين الروح والجسد كي يعبر بفعالية عن متطلبات الروح. ولهذا طرق عدة منها ممارسة اليوجا والتأمل وهو ما اتبعته الفنانة الأردنية أسماء مصطفى وبدى جلياً في عرضها "أدرينالين" الذي فازت به بجائزة الإخراج من مهرجان أيام القاهرة للمونودراما.


يدخل المشاهدون إلى العرض وأسماء مصطفى نائمة وسط أدواتها المسرحية في مركز خشبة المسرح، متخذة وضع الجنين في الرحم وهي تحتضن ساقيها في حالة من التأمل استعداداً لبدء عرضها، الذي يستمر لمدة عشرة دقائق تقريباً في حالة مزج بين الموسيقى والأداء الحركي الذي يعتمد بصورة كبيرة على حركات اليوجا والتي أثبتت أسماء أنها تتقنها إلى حد بعيد، كما تمكنت من توظيفها بشكل فعال للتعبير عن حالة سجن الجسد وتعهيره الذي نولد ليُزرع داخلنا وكيف سارت في طريق عتقه من نير التكبيل والكبت حتى تصل إلى نقطة السرد والذي تبدأه بالقول "عشرة دقائق"، وربما تعني عشرة دقائق من التأمل في مقابل باقي دقائق العرض الذي أخذتنا من خلاله في رحلة من التوتر الذي يصاحب الكشف عن مكنونات صدورنا جميعاً وربما مكنونات صدور النساء بشكل خاص، فلقد قالت أسماء ما نحاول طوال الوقت السكوت عنه بتنهيدة ورمشة جفن بطيئة أثقلها اليأس من أي تغيير منظور في وقت قريب.


انطلقت أسماء من سرطان الثدي، هذا الوحش الذي يترصد أبواب جميع نساء الأرض في صمت مباغت، تتحسس كل امرأة صدرها كل يوم رعباً وهي تنظر قريناتها يتساقطن الواحدة بعد الأخرى في لج هذا الطوفان الهادر، لكننا مع أسماء نكتشف أن هذا الشبح أقل ما يمكن مواجهته في مقابل سرطانات أكثر توحشاً في عالمنا العربي المنقسم والمتشظي في مواجهة مسائل العادات والتقاليد والدين، وحالة من الفرقة التي تسرطن أيامنا ونحن نعيش جميعاً دون استثناء في حالة انتظار للدمار الشامل الذي نراه قادماً لكننا منعقدي الأذرع عاجزين عن فعل شئ لدرئه.


المرأة وفقاً لرؤية أسماء في "أدرينالين"، هي الأكثر حملاً لنتائج هذه السرطانات الفادحة، نرى ذلك من خلال تعبيرها عن تنميط المرأة منذ لحظة تكونها في رحم أمها، فهي مجرد جسد للذة، وينقسم جسمها إلى تكوينات بيولوجية ذات وظائف تخدم متعة الرجل وحده، نلحظ ذلك في قولها " حيث قيل لها يوماً؛ ذكريات المرأة في ثدييها"، ثم تذكر حبها الأول وحينما كانت تنظر في عيني حبيبها بينما عينيه تركز على ثدييها، ومن ثم زواجها وتعرض البطلة إلى مرض سرطان الثدي الذي تمسك منه الخيط لتكشف عن كل السرطانات الإيدولوجية والسياسية داخل المجتمع العربي، لتصل إلى لحظة الكشف والوصول إلى الاجتراء على هدم الكرسي برمزيته إلى السلطة الأبوية الذكورية.


سارت أسماء مصفى في نصها عبر مسارات سردية مختلفة ترمز بها إلى آلام المرأة من خلال مونولوجات لنساء يعانين قهر المجتمع الذكوري، بداية من الفنانة التي تُجرم لفنها، ثم الأم التي يهرب ابنها من بلاده بسبب ويلات الحروب والبطالة فيموت بين أمواج البحر، إلى الزوجة التي يهجرها زوجها باسم النضال من أجل الوطن ثم النضال من أجل الدين حتى يفجر نفسه طلباً لحوريات الجنة فلا يتبقى منه سوى حذائه في رمزية شديدة البلاغة لدنو مطلبه في مقابل الحياة التي دأبت على تقديمها له بينما كان يرفضها في عنجهية ذكورية، وهي تنصاع وتفقد رحيق حياتها يوماً بعد يوم، دلالة على القهر الذي تدفع ثمنه المرأة من أجل حروب يقحمها فيها عالم الرجال.
يتعرض مشاهد "أدينالين"، إلى مجموعة من المنولوجات التي تتعدد فيها الأصوات السردية، فيجد نفسه متورطاً في الهموم الذاتية التي تطرحها الممثلة، لتسحبه بعد ذلك إلى الهم العام ويبدأ داخلة النقد الاجتماعي والسياسي، وهو ما نجحت فيه أسماء من خلال نصها شديد الدقة والرهافة، والمكتوب بأنامل أنثوية ذكية تستطيع التسرب بعذوبة مؤلمة إلى النفوس لتقبض عليها في مهارة ولا تحررها حتى بعد انتهاء العرض، حين تعود الفنانة إلى وضعها الجنيني كما بدأت، وكأنها تطالب بحياة جديدة تختلف عن ما مضى.


استطاعت الفنانة أسماء مصطفى أن تعبر في بلاغة عن كافة أشكال المشاعر التي تطلبها النص، فكانت تنتقل باحترافية بين الدهشة والغضب والاندهاش والحزن والتوتر، كما تمكنت من أدوات تعبيرها الراقصة التي تتسارع وتيرتها وتتباطئ مع نوعية السرديات الدرامية، كما نجحت في تقديم لغة جسد جديدة على المسرح العربي ومنها رقصة البوتو الاحتجاجية، وقد أعجبني بشكل خاص مشهد تحريكها للغربال بما فيه من أصداف في محاكاة بارعة لصوت البحر في مشهد الابن المهاجر.


لعب الديكور والإضاءة دوراً كبيراً في نجاح هذه العرض، حيث تمكنت الإضاءة من تعميق المعاني المطروحة بالنص، أما بساطة الديكور والذي انحضر في كرسي يرتدي قميصاً وقناعاً معبرة به عن السلطة الذكورية الحاكمة للعالم، والحذاء المتبقي من الزوج وغربال الصدف الذي لعب دور البحر، كذلك الملابس البيضاء التي بدأت صادمة لوعي الجمهور متمثلة في بنطال قصير وضيق وضمادات ملفوفة على الصدر ثم ردائين أبيضين آخرين ترتديهما على البنطال القصير والضمادات، في تعبير عن ثنائية الميلاد والموت حيث نبدأ بلفافة بيضاء عقب الولادة وننتهي بكفن أبيض.
"أردينالين" موندراما شديدة الجرأة، تمتلك الكثير من أدوات الكشف والمواجهة وتعبر ببلاغة عن رحلة تحرير الجسد بإعادته إلى تكوينه الأولى في اتصاله بمفردات الكون من حوله، وهو ما يعد مغامرة أولى في منطقتنا تُحسب للفنانة الأردنية أسماء مصطفى.

نشر المقال في جريدة القاهرة بتاريخ 19 فبراير 2019


الثلاثاء، 19 فبراير 2019

"أيام صفراء" .. تحفة مسرحية تتألق فيها مأساة إنسانية موجعة



ملحمة إنسانية راقية وموجعة في نفس الوقت، يلعب النص فيها دوراً أساسياً فبدون النص لا يوجد مسرح، والكاتبة السويسرية من أصل يوجوسلافي دانييلا يانيتش كتبت "أيام صفراء" من واقع تجربة حقيقية عاصرتها بنفسها وهي طفلة أثناء حرب البوسنة والهرسك وانقلاب أهل الوطن الواحد على بعضهم البعض في حرب عرقية ودينية مزقت بلادهم وأدمت معالم إنسانيتهم وربما بترت كل قيمة عرفوها، ولذلك خرج النص مأساوياً صادقاً تتجلى فيه روح البشرية المغدورة بألعاب الساسة الكبار، الذين لا يأبهون لإراقة الدماء في سبيل تحقيق أطماعهم السلطوية.
تأخذك مسرحية "أيام صفراء" في نسختها العربية والتي ترجمتها نيفين فايق وأعدها درامياً عمر توفيق، من أول مشهد لها لتخوض تجربة مؤسية، ربما تردك إن لم أبالغ إلى الملاحم التاريخية التي تحكي صراع الإنسان مع ذاته ومع القوى العليا، في محاولة للبحث عن هوية خالصة له، لكنه في النهاية يصطدم بواقع أي صراع، ألا وهو الدمار حتى لو كنت أنت المنتصر.


سباق قيمي يدور بين الشخصيات الثلاث بالمسرحية ( الزوجة وأخوها وزوجها)، فالزوجة والزوج ينتميان لفصيلين عرقيين أو دينيين مختلفين، حيث لم يوضح النص ماهية هذا الاختلاف لأنه في النهاية لا يهم، فالفكرة في الأساس قائمة على الصراع بين المختلفين أياً كان سبب اختلافهم، ويقف الأخ بين اخته وزوجها، فهو نموذج للمتطرف المتعصب لهويته الضيقه ويصر على إبراز هذا الاختلاف أمام أخته، بينما تصر هي على أنه بإمكان الجميع أن يعيشوا سوياً كما اعتادوا منذ الأزل وأن الحب الصادق يذيب أي خلاف، بينما يقف الزوج نفس موقف زوجته ولكنه يرى أن أي خلاف يمكن حله بالنقاش والديموقراطية، وهو ما يسخر منه الأخ بلغة حادة موضحاً الفروق المادية والاجتماعية بين فصيليهما والفصيل الثالث وهم "الحمر"، وهنا نلحظ أن الكاتبة لم تعط أسماءً حقيقية لأي من شخوص أو مفردات نصها، فنحن نتعامل مع فصيلين يمثلهما الزوج والأخ وفصيل ثالث يحكمهما أعطته اسم الحمر، ربما لما في هذا اللون من دلالة دموية أو رمزية الطغيان، بينما أبطال المسرحية لا نعلم لهم أسماء فهم ينادون بعضهم البعض بصفاتهم داخل النص، والكاتبة تعمد من خلال ذلك إلى تعميم القضية التي تناقشها فهي قضية عالمية لا علاقة لها بمكان محدد.
أضفى المخرج أشرف سند على النص رؤية شديدة التميز، فلقد غلفه بإطار على هيئة مباراة بين فريقين حيث نشاهد مبارايات بين الفصيلين تتخلل المشاهد عند نقاط الصراع في الحوار بين الأطراف، ينساق لها الأخ الذي تعصف بذاته الفوارق بين الفصائل المتعددة داخل المجتمع، ورغم تأكيد الأخت/الزوجة لأخيها انها مجرد مباريات لا يعني الفوز أو الهزيمة فيها أي شئ، إلا أن الأخ يؤكد على أن الهزيمة موجعة وأنه لابد لفريقه/فصيله أن ينتصر. يقدم المخرج أيضاً شخصية صامتة على الأحداث وهي شخصية ملاك الموت التي قدمتها الراقصة سارة عاشور في عذوبة مفرطة، فنجدها تجسد مشاعر الأسى والحزن على ما ينتج من موت ودمار بسبب الشجار والحرب، في رقصات تسيل بهدوء موجع بين الأحداث خاصة تلك الأحداث التي تشارك فيها الزوجة وكأنها تجسد ضميرها الداخلي الذي يقف عاجزاً بين كل هذا الخراب الذي يطال أخيها وزوجها ومدينتها التي تذوي في مواجهة التطرف.


تحمل المسرحية كثيراً من الرموز ذات الدلالات الإنسانية الكونية، ففي المشهد الذي يجمع بين الأخ والزوج أثناء الهدنة وانسحاب الحُمر، يجلس الرجلان ليلتقطا أنفاسهما، فيتعجب الأخ من الزوج الذي يصر على ارتداء حذاء رياضي بينما يحتفظ بالحذاء العسكري داخل حقيبته رغم أنه حذاء قوي، ويبرر الزوج ذلك بأن الحذاء الرياضي أكثر خفة في الحركة، بعد ذلك وعندما يعود الزوج إلى زوجته نلاحظ أنه ارتدى الحذاء العسكري، دلالة على أن الحرب بين فصيله والفصيل الآخر الذي تنتمي له زوجته وأخيها قد أنهت ما تبقى لديه من إنسانية لتتعسكر روحه تماماً أمام أي ملمح لمدنية. كذلك عندما عاد الزوج إلى منزله وقد فقد عينه اليمنى فسأل زوجته إن كانت تصلي في غيابه وإلى أي رب كانت تصلي؟ فأجابته: "كان خوفي من أن يجدوك أكبر من قدرتي على الصلاة"، ويحمل هذا المشهد بلاغة شديدة الدلالة على شلل الإنسان في الخوف حتى عن التواصل مع الله، فالخوف يغرس اليأس واليأس يمنع العيون عن رؤية الخالق، نلاحظ أيضاً السخرية من المؤسسات الدولية التي من المفترض أنها تقف حائلاً بين الشعوب واندلاع الحروب، فيتم وصفها في المسرحية بـ "وكالات القدر التريحية".


يدير أشرف سند فضائه المسرحي باحترافية يغلفها عمق فهمه لرهافة النص الذي بين يديه، ويكسبه الكثير من الحيوية، فهو يقسم خشبة المسرح إلى نصفين عرضيين، النصف الأول الذي يواجه الجمهور يمثل منزل الأسرة والمطعم الذي يلتقي فيه الزوج والأخ ثم مخبئهما أثناء الهدنة من الحرب، والجزء الخلفي يجسد ملعب المباريات ثم ساحة الحرب، ويفصل بينهما بشباك مثل شباك مباريات كرة القدم، كذلك يضيف مذياعاً "راديو" على الأحداث كنوع من تخفيف حدة مأساوية الأحداث ليسخر من تناول الإعلام السطحي لعمق ما يحدث بالفعل على الأرض. واستطاع مع مصمم الديكور فادي فوكيه أن يقدم رؤية مرنة لقطع الديكور المستخدمة والتي يمكن تشكيلها بسهولة لتجسد مقاعداً في منزل أو فراشاً أو طاولات في مطعم أو خندقاً في حرب، فأدت دورها بكفاءة لخدمة الأحداث دون أن تزحم الخشبة أو تحدث جلبة بتغييرها أو تحويلها.

ولا يمكن إغفال دقة اختيار الممثلين الذين لعبوا بطولة هذه القطعة المسرحية الفاتنة، فالفنانة رباب طارق استطاعت برهافة الفراشات المحترقة من أجل الضوء، أن تجسد دور الزوجة الممزقة بين زوجها وأخيها ووطنها وهي تشهد كل معالم الكون الذي تعرفه وهو يذبل ويفنى، فلقد استطاعت هذه الفنانة بديعة الطلة والموهبة أن تريق الدمع من عيني في كل مرة أشاهد فيها العرض، كما تمكن الفنان رامي الطمباري بصوته القوي الرصين وقدراته الأدائية المميزة والمعهودة أن يجسد دور الأخ المتطرف الذي لا يستطيع إنكار إنسانيته في مواقف بعينها، فينقذ زوج أخته رغم انتمائه إلى الفصيل الآخر ورغم اعتراضه على زواجهما، أما عابد عناني فقد نجح بقوة في تجسيد شخصية الزوج على اختلاف دفقاتها الشعورية والتي تتصاعد وتزداد حدة مع تأجج الصراع بالمسرحية ووصوله إلى القمة، فهو هذا الشخص الهادئ الرومانسي الذي يؤمن بالاختلاف بين البشر وأهمية الحوار الديموقراطي لحل أي نزاع، ثم هو هذا الزوج الذي يُجبر على ترك معشوقته/ زوجته لينغمس في حرب لا يؤمن بجدواها، ثم هو هذا المحارب الذي يقبض على إنسانيته رغم ثقل وطئ المعركة فيحرص على إطعام كلبة فقدت ذويها في الحرب ويحلم بذراعي زوجته، ثم هو هذا الرجل الذي فقد قدرته على تحديد المعاني فيفقد بصيرته ويقتل زوجته.


"أيام صفراء"، مسرحية شديدة الأهمية تؤكد حرص مركز الهناجر على اختيار العروض التي يقوم بانتاجها أو المشاركة في إنتاجها، وإن كانت تستحق المد في أيام عروضها، فخمسة عشر يوماً أقل مما تستحق هذه المسرحية، التي أتمنى أن يشاهدها الجميع لما لها من قيمة تنعكس على ما نعيشة في مصر ووطننا العربي الآن من مواجهة للتطرف والإرهاب.


نُنشر المقال بجريدة القاهرة تاريخ 12 فبراير 2019 

الاثنين، 4 فبراير 2019

"مفتاح شهرة" تسرد سير المهمشين وتؤكد الثقة في المسرح المستقل




نحن لا نتشابه ولا ينبغي لنا أن نكون، ولكن لا يعني عدم تشابهنا أن هناك مواصفات محددة وواحدة للحصول على فرصة لتحقيق الذات في الحياة، وهو ما لا يحدث للأسف على أرض الواقع، ما يجعل هناك دائماً خطاً مجروراً بطول صفحة الدنيا يرقد خلفه ما نعرفهم باسم المهمشين. ربما يكون هذا هو المعنى الذي تقدمه مسرحية "مفتاح شهرة" التي كتبتها وأخرجتها ومثلت بطولتها الفنانة المتميزة دعاء محمد حمزة وهي مديرة فرقة اللعبة المسرحية التي أنتجت العرض أيضاً، كما لعب دور البطولة أمامها الفنان عماد إسماعيل وزوجها في نفس الوقت، ما أضفى على العرض روحاً عائلية دافئة غمرت المشاهدين الذين ملأوا مقاعد مسرح الهناجر.



تأخذك المسرحية في عباءتها قبل حتى أن تطأ قدمك صالة المسرح، فلقد فوجئنا ونحن نجلس في انتظار فتح باب القاعة بامرأة ترتدي فستان زفاف متسخ من الصدر بلون أحمر وتحمل في يدها كوباً من الشاي وفي اليد الآخر موبايل بينما تتشاجر مع رجل يرتدي بدلة زفاف قديمة وكوميدية، وتتهمه بأنه أضاع عليهما النقود التي كان من المفترض أن يحصلا عليها لقاء مشهد زفاف يؤديانه ككومبارس في فيلم سينما، بينما يرد عليها الاتهام بأنها امرأة لا ترقى لمستوى العمل في فن التمثيل. تقف مشدوهاً أمام الاثنين وأنت لا تدري إن كان الأمر حقيقياً أم أنهما يمثلان، وتظل تتخبط في حيرتك حتى تحسم المرأة الأمر بأن تدعو المشاهدين للدخول إلى قاعة المسرح، فلا تملك سوى أن تبتسم وأنت في داخلك تعترف بأنك قد بلعت الطعم.


المسرحية عبارة عن مشهد واحد متصل، لكنه يحوي داخلة العديد من المشاهد التي برعت دعاء محمد حمزة في كتابتها وإخراجها، ولعب الديكور والملابس دوراً كبيراً في أخذ المشاهدين في غمار اللعبة التي رسمتها باحتراف. فنحن أمام اثنين من الكومبارس السينمائي يفسدان مشهدهما وعندما يُطردا من موقع التصوير، يدخلان إلى غرفة الملابس ليُغلق الباب عليهما بالمفتاح من الخارج، ولا يجدان شيئاً ليفعلاه سوى الشئ الوحيد الذي أضاعا عمرهما جرياً ورائه بلا جدوى .. التمثيل.


أحلام مجهضة لفتاة فقيرة لم تكن تحلم سوى بأن تمثل فقط، لكن فقرها وانتمائها لطبقة المهمشين لم يمنحها سوى دور الكومبارس لتترقى بمجهودها وتصبح كومبارس متكلم بدلاً من صامت، والمفارقة العجيبة أن اسمها "شهرة"، حيث منحها أحد النجوم الكبار هذا الاسم عندما أعجبه مثابرتها وأدائها المتميز ككومبارس، وعلى الجانب الآخر يقف "مفتاح" الذي كان يعمل موظفاً مرموقاً في الدولة ولديه شقة وراتب مستقر، لكنه يعشق التمثيل وتضيع أيام حياته في مسارح الثقافة الجماهيرية "الأقاليم"، حتى يقرر الذهاب للقاهرة ليشق طريقه في عالم السينما والفيديو، فيصطدم بحقيقة الصراع داخل هذا العالم ولا يستطيع سوى أن يكون كومبارس. كومبارس يحفظ السيناريو كاملاً من أجل أن يقدم جملته الوحيدة بروح ومعنى يتماشى مع السياق العام للقصة، وهنا يحدث الصراع بين مفتاح وشهرة، أو بين الاعتراف بالواقع والعيش في الأحلام.


استطاعت نشوى معتوق مصممة الملابس والديكور أن تمنح العرض بلاغة في التعبير عن الروح الخاصة به، فلقد قسمت جوانب فضائها المسرحي ليعبر عن غرفة ملابس سينمائية، ذات بعد أسطوري، فالملابس في هذه الغرفة تشمل الأزياء الخاصة بأفلام مصرية تاريخية غيرت من مجرى الضمير الإبداعي وأحدثت تحولاً في الإنتاج السينمائي، ونشاهد ذلك في الجزء الخاص بإعادة تمثيل مشاهد من هذه الأفلام بواسطة الشخصيتين؛ مفتاح وشهرة، الذين يستغلا فرصة عزلهما عن العالم الخارجي ليفعلا الشئ الوحيد الذي يحباه، ألا وهو التمثيل، لتبدأ اللعبة بينهما، بتبديل الملابس كحدث داخل الدراما، ومن ثم أداء شخصية جديدة، وقد تمكنت مصممة الملابس والمنفذة لها وللديكور ليلى عمرو حسني، أن يقدما ملابساً موحية وعملية بحيث تعبر عن الشخصية بصدق وفي نفس الوقت من السهل تغييرها وتبديلها بسرعة.


الموسيقى أيضاً جاءت معبرة عن روح العرض، فاتسمت بالتنوع وفقاً للحدث الذي يجري على الخشبة، فمن الشعور بالغضب في اللقاء الأول بين البطلين إلى التعارف ثم الوقوع في نوستالجيا بداية تعلقهما بالفن، فالمعاناة التي يواجهانها ككومبارس مهمشين، ثم تحقيق الحلم في فضاء أٌغلق عليهما وحدهما وتمثيل كل الأدوار التي يحبانها. استطاع المؤلف الموسيقي حازم شاهين أن يقفز بموسيقاه برشاقة بين كل هذه المشاعر والأحوال الإنسانية، فأضافت الموسيقى لقيمة العرض بقوة.
"مفتاح شهرة" مسرحية تعبر عن الواقع المسرحي للفرق المستقلة في مصر، والذي يحقق التوازن بين إنتاج القطاع الخاص وإنتاج القطاع العام، بتقديم نكهة مسرحية مختلفة ومميزة عن السائد أو المتعارف عليه.


الجمعة، 1 فبراير 2019

"المعجنة" مسرحية تطرح سؤال الهوية بين الجد والهزل




السؤال الحرج الذي يواجه المصريون الآن وربما يحرجهم أيضاً، هل نحن شعب عظيم بما تفرضه الحضارة الفرعونية التي تعد أم الحضارات القديمة وأول شعاع مدنية شهدته الأرض، أم نحن ننتمي إلى دولة غارقة في الأزمات الاقتصادية، وشعبها يفتقد إلى الكثير كي يواكب العصر ويتقدم نحو المستقبل؟


هذا الطرح الذي يتأرجح بينه المصريون حيث عنجهية البعض بأننا أبناء أم الدنيا، ومحاولة البعض الآخر بالقفز على الحاضر والمطالبة بمستقبل باهر دون تكلفة دفع الثمن والذي هو بالتأكيد ثمن قاسي، هو ما يحاول الدكتور سامح مهران مؤلف مسرحية "المعجنة" مناقشته من خلال دراما مسرحيته، التي يستند فيها إلى تيمة "البخيل" لموليير، حيث الأب الغني الذي يعمل على تراكم ثروته في الوقت الذي تعاني أسرته من تقتيره عليهم ومعاملته القاسية لهم، وهو ما نلاحظه بشدة في الفصل الأول من المسرحية، فالأب عبده الذي يلعب دوره النجم المسرحي ناصر شاهين يمعن في قسوته على أفراد أسرته، وهم ابنته "حكاية" التي لعبت دورها أسماء عمرو، وابنه "مفتاح" الذي لعب دوره مروان عزب، وزوجته أو طليقته "إنشراح" التي لعبت دورها هايدي عبد الخالق.



يتراكم الصراع في الفصل الأول بين الأب وأفراد عائلته، حيث يعيش الابن والابنة حياة السخرة لوالدهما ويعملون لديه دون أي مكاسب مادية، فقط يحصلون على الطعام والسكن في منزله العتيق والكبير، بينما تراود كل واحد منهما أحلام الحب والزواج والاستقلال عن والدهما البخيل، في حين هربت أمهما من المنزل لتتزوج بآخر يتمتع بالكرم والحنان. يتصاعد الصراع حتى ينتهي الفصل الأول على زواج الأب من فتاة أحلام ابنه ويطرده وأخته التي ضبطها مع حبيبها من المنزل.


يفتقد الفصل الأول للتكثيف الدرامي الذي يوصل الفكرة بوضوح للمتلقي، ويجد المشاهد نفسه تائهاً بين حوارات مطولة وشجارات مفتعلة كثيرة، وغناء في غير محله، إضافة إلى مط لبعض المشاهد مثل مشهد اكتشاف الأب وابنه لعشيق "حكاية" في غرفتها، وبدلاً من أن ينتهي المشهد على هذه الصدمة نجد انفسنا غارقين في أغنية يصاحبها بعض الرقصات ويؤديها الثلاثي "الأب والابن والابنة"، هذا عدا وصلات الشجار المتصلة والطويلة بين زوجة الأب وطليقته التي تحاول استعادة المنزل لابنيهما، وهو ما لا يخدم الدراما وتواصل الجمهور مع خيوطها.


في الفصل الثاني، يتجاوز المؤلف هذه المشاكل الدرامية ويأخذنا مباشرة وبذكاء إلى الهدف الذي يسعى إليه من مسرحيته، فنشاهد الصراع بين الماضي والحاضر والمستقبل، حيث الأب الذي توفى فجأة يعود إلى عائلته التي تجتمع مع أحد المشايخ لاستحضار روحه حتى يدلهم على مكان ثروته، ولكن الأب يعود في زي فرعوني ويتحدث معهم عن أهمية البيت الذي يسكنونه ويبدأ في استدراج الابنة "حكاية" للماضي بتزيينه لها، فتذهب معه بينما تحاول أسرتها استعادتها إلى الحاضر، وذلك من خلال حوار رشيق ومؤثر.

يستخدم سامح مهران أسلوب الاسقاط على الأحداث المعاصرة، فنجده مثلاً يشير إلى تهاون المصريين في حقوقهم على مدار عقود طويلة حتى وصلوا إلى مرحلة الانفجار أثناء ثورة يناير 2011 ما أفقدهم كل شئ واستيقظوا مصدومين على واقع اختياراتهم الخاطئة، من خلال مونولوج طويل للزوجة أوالأم "انشراح" وهي تحاول إثناء ابنتها عن المغادرة للماضي مع روح الفرعون "الأب" التي ظهرت لهم، وذلك دون أن تذكر أي شئ بشكل صريح.


نفس الشئ نلاحظه في رقصة "الابنة" حكاية مع فرعون وهي تتحدث عن احتياجاتها الطبيعية كفتاة ترغب فقط في عريس وفستان أبيض، وذلك للاسقاط على المطالب العادلة للحياة التي يتوق إليها المصريون ويرغبون في تحقيقها بأي طريقة ودون أي تخطيط أو عمل ممنهج.


المخرج أحمد رجب استطاع أن يدير خشبة مسرحه بذكاء، فهو يلعب بفضاء المسرح من خلال الممثلين ومجاميع الكومبارس والراقصين، بحيث تنشغل عين المشاهد بالحركة التي تملأ فراغ الخشبة، بينما نجده يستخدم إمكانيات المسرح القومي بذكاء، فنجد روح الأب أو الفرعون تخرج لنا من أسفل من خلال مصعد داخلي، كما يدير الجدل القائم بين جميع أفراد المسرحية عند تحضير روح الأب، بتكوين تابلوهات منفصلة من الممثلين وبذلك نشاهد ثلاث حوارات على جانبي ومنتصف خشبة المسرح بينما نسمع الحوار القائم بين الأخ والأخت فقط. هذا إضافة إلى استخدامه للمؤثرات الضوئية للمزج بين الحاضر والمستقبل في التابلوه الغنائي الذي يحكي فيه الفرعون "الأب" عن قيمة البيت الذي يعيشون فيه، فنرى على جدران البيت فيلما لمصر القديمة وقيمتها كبلد تاريخي عتيق مع تعجب الأبناء وعدم مبالاتهم، فهم يرغبون فقط في المال.


جاء اختيار المخرج للفنانين الذين لعبوا بطولة المسرحية موفقاً أيضاً، حيث استطاع النجم ناصر شاهين أن يلعب دور الأب البخيل والفرعون بتميز ملحوظ، فمزج بين الجد والهزل والكراهية والتعاطف الذين تحتوي عليهم الشخصية ببراعة، وتميز بمرونة كبيرة على المسرح، فالشخصية تحتاج إلى مجهود بدني كبير وهو ما بذله شاهين بتلقائية ملحوظة لا تظاهر فيها، كذلك جاء غناؤه موفقاً، وبالطبع قدراته العالية على الأداء الكوميدي وهو ما يعد أمراً طبيعياً بالنسبة له.


كانت أسماء عمرو التي لعبت دور الابنة "حكاية" اكتشافاً مذهلاً بالنسبة لي، فهذه الفتاة المعجونة بالفن، تستدرج الدمع من عينيك وهي تمثل مشهداً تراجيدياً وتُغرقك في الضحك وهي تمثل مشهداً كوميدياً وتستحوذ على بصرك وهي ترقص برشاقة المحترفين. كذلك كانت هايدي عبد الخالق التي برعت في لعب دور السيدة الشعبية الممزقة بين ابنيها وحياتها مع زوجها وابنته التي هربت إليهما من عذاب زوجها الأول والذي أضاع ثلاثين عاماً من عمرها. كما جاء أداء محمد العزايزي لدور الشيخ مبهجاً فهو فنان كوميدي بالفطرة يزرع الابتسامة ببساطة ودون مجهود كبير.

أما الديكور والملابس والإضاءة فقد قام بها فارس واحد في "المعجنة" وهو صبحي السيد، الذي قدم ديكوراً ذكياً جداً فنجده يقسم خشبة المسرح إلى غرفة علوية يؤدي إليها سلمان أحدهما ثابت والآخر متحرك، كان مدعاة لتساؤلي حتى جاء مشهد هجوم جنود الفرعون على المنزل وخطفهم لحكاية للصعود بها إلى غرفة الأب والتي تحولت إلى مقبرة فرعون بعد ذلك، كذلك نجده قدم تكوينات داخلية لحائط المنزل مثل غرفتي نوم الابن والابنة والمطبخ والحمام على اليمين وباب المنزل  على يسار السلم، بينما هناك أريكة واحدة على يسار الخشبة، ليترك المقدمة فارغة وبالتالي يمكن تحريك بعض القطع المسرحية عليها بسلاسة ووفقاً لأحداث المسرحية. الملابس أيضاً تمتعت بالرشاقة والقدرة على التحول وفقاً للحدث وخاصة ملابس "حكاية" التي تحولت من شعبية إلى فرعونية ببعض الإكسسوارات البسيطة التي تم إضافتها أثناء الأحداث. كذلك ساعدت الإضاء بتنوعها وتدرجها من المبهر إلى الخافت على تعميق الحدث والإفصاح عن مضمونه بجداره.

"المعجنة" مسرحية تستحق المشاهدة، فهي مغامرة مسرحية يلعبها القائمون عليها باحتراف.


تم نشر المقال في جريدة القاهرة عدد 29 يناير 2019 

الأربعاء، 9 يناير 2019

مسرحية "مترو" .. فكرة جيدة خرجت مبتسرة




من الصعب جداً الإشادة بعمل مسرحي فقط لأن الممثلين كانوا متميزين، ولكن هذه حقيقة لا يمكن إغفالها مع مسرحية "مترو" التي يعرضها مسرح أوبرا ملك، والتي يستحق ممثلوها إشادة خاصة، فلولا أدائهم المبهج ما استطاع أحد الاستمرار في مشاهدتها إلى نهايتها، ولذلك أحب أن أذكر أسمائهم وهم أحمد خالد وشريهان قطب وخالد شرشابي وأحمد عمار وسلمى عصمت ومصطفي رضا.
أما المسرحية نفسها، فهي في حقيقة الأمر مجرد فكرة جيدة لم تكتمل في شكلها النهائي كعرض مسرحي، فالنص والذي يلعب على تيمة "الانتظار"، مثل المسرحية الأشهر والنموذج "في انتظار جودو" لصمويل بيكيت التي تدور حول شخصيات معدمة ومهمشة ومنعزلة، تعيش طوال الوقت في انتظار شخص اسمه جودو، يؤمنون تماماً بأنه سيغير حياتهم للأفضل عندما يأتي، ولكنه لا يأتي أبداً، فيصبح هو المستحيل الذي يعيشونه. يستبدل مؤلف المسرحية محمد فضل شخصية جودو بالمترو، حيث أن أحداث المسرحية كلها تدور داخل ديكور لمحطة مترو مجهولة، لا اسم لها ولا تحتوي على منفذ يساعد على الخروج منها، حيث يجد شاب وفتاة أنفسهما محاصرين داخل هذا المحطة في انتظار المترو أن يأتي ليتحركوا ولكنه لا يأتي وتضيع تذكرتيهما، فيتعمق لديهما الإحساس بالعزلة والضياع.


إلى هنا ولا يوجد ما يعيب المسرحية، ولكن للأسف الشديد، لم يستطع المؤلف ان يصعد بالدراما التي رسم خيوطها الأولى ونجده يقع في منزلق الخطابات الأشبه بمحاضرات التنمية البشرية، فهو بالتأكيد حاول أن يكسر فكرة الانتظار بتقديم دعوة للتفاؤل والمضي قدماً في الحياة رغم صعوباتها، ولكن بدلاً من أن يقدم لنا هذه الفكرة في حبكة درامية متصاعدة، قدمها في حوارات واضحة ومباشرة وتكاد تصل إلى شكل فن المقال الصحفي ذو التوجيه المباشر، وهو ما لم يعد مقبولاً منذ زمن طويل حتى في الموضوعات الصحفية والتناولات الإعلامية للقضايا اليومية، فما بالكم بالفن والمسرح بالتحديد.


نجد المؤلف أيضاً يركن إلى الحلول الجاهزة في أسباب حزن وانعزال الشاب والفتاة اللذان تجمعهما الأقدار في محطة المترو التائهة في دوامة الزمن، فيكرر نفس المشاكل التي تم استهلاكها مراراً في جميع القوالب الفنية منذ عشرين عاماً، فلابد وأن الشاب يعمل في مهنة أجبرته الحياة عليها وأن المجتمع قهره ضمنياً كي يبتعد عن أحلامه وينخرط داخل ماكينة الرأسمالية الطاحنة، وأنه بالتأكيد لا يربح المال الكافي كي يحقق أدنى متطلباته الإنسانية وهي أن يحب ويتزوج، أما الفتاة فهي بالتأكيد تتعرض للتحرش والمجتمع يضغط عليها من أجل الدخول في قالبه التقليدي وهو الزواج والإنجاب، والغريب أنه يجعل حل مشكلتها في مسرحيته هو أن تقع في الحب ولكن بالطبع تحب الفتى الذي لا يملك شيئاً ومطحون مثلها.



يلجأ المؤلف أيضاً بدون مبرر درامي إلى دوامة نوستالجيا الثمانينيات التي وقعت مصر كلها في حفرتها منذ ما يقرب من عشرة سنوات، وبدأها محمود جمال حديني في مسرحيته الناجحة والشهيرة "1980 وأنت طالع"، وربما لما حققته هذه المسرحية من نجاح مبهر، جرى كثيرون وراء الفكرة فشاهدناها مراراً وتكراراً مع إسعاد يونس في برنامجها "صاحبة السعادة"، وأنشأ كثيرون صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" لتقديم نفس المحتوى، ويبدو أن نظرية شريط الكاسيت الذي نقوم بلفه بالقلم معلقة في الأذهان لأنها مكررة في كل محتوى تم تقديمه عن نوستالجيا الثمانينيات، والتي يقدمونها على أنها حقبة مزدهرة في مصر، في حين كانت حقبة تمثل بداية تصاعد الجماعات الدينية المتطرفة وسيطرتها على الشارع المصري وبداية اختفاء معالم المدنية والتطور، إضافة إلى الإنتاج الفني الهابط سواء كان في السينما أو المسرح فيما عدا القليل من الأعمال التي ارتبطت بأسماء مخرجين ومؤلفين كبار، هذا عدا بداية ضياع الهوية الثقافية المصرية والانفتاح على ثقافات الصحراء وانتشار المخدرات بين الشباب، وانتشار الفساد وغير ذلك الكثير، ما أدى بنا في النهاية إلى الوقوع في منزلق الثورات واشتعال ثورة 25 يناير، وكل هذا يجعل من حقبة الثمانينات مرحلة لا تشكل أي نوع من أنواع "الزمن الجميل" كما نحب أن نلقب بؤر النوستالجيا في ذاكرتنا.

في نهاية المسرحية تشعر بأن المؤلف والمخرج أحبا أن يطيلا في زمنها قليلاً، فقدما رقصة على أغنية "عهد الهوى" للمطربة الراحلة ليلى مراد وتألف حسين السيد وتلحين موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، حيث قُدمت الأغنية كاملة مع رقص الممثلين، وهو ما لم يكن له أي مبرر درامي وإن كانت الأغنية والرقص ممتعين جداً وأخرجونا من حالة الملل الذي تسبب فيه الحوار الخطابي.
جاء الديكور موفقاً بشكل كبير للتعبير عن محطة مترو مهجورة مع وضع "مانيكانات" على جوانب المسرح للتعبير عن أشخاص آخرين في حالة انتظار للمترو الذي لا يأتي أبداً، وإن كنت لا أدري لماذا تحول اثنين من هذه المانيكانات إلى شاب وفتاة فجأة وبدون مقدمات، لنجدهما بعد ذلك يكرران حكاية الشاب والفتاة الذين مثلا حالة الضياع في الانتظار وتنتهي معهما المسرحية، وكأنهم يرغبون في أن يقولوا أن حالة الانتظار تحدث دائماً وطوال الوقت وأن وصول المترو الذي ننتظره يحتاج لأن نتحرك نحن له، ولكن الأمر جاء بشكل باهت وأراهن أن أحداً من المشاهدين لاحظ الأمر أو فهم المغزى من ورائه.


الغريب أن المخرج عادل رأفت وهو صاحب فكرة المسرحية أيضاً، قال بعد انتهاء العرض أنها كانت مشروعاً، عمل عليه لمدة ست سنوات، وهو ما يدعو للتفكير، حيث أن ست سنوات مدة كافية جداً وربما أكثر من كافية حتى يخرج العمل المسرحي بشكل مكتمل على الأقل درامياً، وهو ما لم يحدث، فالمسرحية فكرة جيدة ولكنها خرجت للنور مبتسرة.


المقال منشور في جريدة القاهرة 7 يناير 2019 

الثلاثاء، 18 ديسمبر 2018

"صحينا يا سينا" مسرحية توعوية ترفع راية قيم المواطنة والتكاتف الشعبي





تلعب وزارة الثقافة الآن من خلال البيت الفني للمسرح دوراً هاماُ في رفع درجة الوعي لدى الشعب المصري بقيم بلادهم الأصيلة وحقيقة الدور الذي تلعبه الدولة من خلال الجيش المصري لحماية الحدود ودحر الإرهاب، وذلك في مواجهة المعلومات المغلوطة والمغرضة التي يتم إشاعتها عن طريق وسائل مختلفة مثل مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الإرهابية التي تدار من الخارج، فقد أخرج البيت الفني للمسرح عدداً من المسرحيات مثل ولاد البلد الذي يستمر في العرض منذ أكثر من عام في مختلف المحافظات المصرية، والآن مسرحية "صحينا يا سينا" التي تُعرض في قصر الأمير طاز بالسيدة زينب مجاناً للجمهور.
تنتمي مسرحية "صحينا يا سينا" إلى المسرح التوعوي الذي يعد من أكثر الأدوات تأثيراً في وعي الناس، لما للمسرح من تأثير كبير على الجمهور بسبب الاتصال المباشر بهم، وفي الحقيقة تعد هذه المسرحية وغيرها مما يندرج تحت "المسرح التوعوي" ضرورة ملحة في وقتنا الحالي لمواجهة الأفكار الهدامة التي تنال من الوطن، وذلك بتقديم مسرحيات ذات تيمة وطنية مباشرة تقدم معلومات حقيقية إضافة إلى زرع المشاعر الوطنية الإيجابية لدى المتلقين وربطهم بوطنهم في مواجهة أعدائهم.
من خلال قصة بسيطة ومؤثرة تقدم فرقة مسرح الساحة "حدوتة" أشبه بالسير الشعبية لأسرة مصرية بسيطة تنتمي بكل جوارحها للوطن ومبادئه الوطنية، ولكنها مثل كل الأسر المصرية لديها مجندين وضباط في الجيش المصري، وتعاني من فقد أحدهم على الحدود أثناء عمليات تطهير سيناء من الإرهاب، ورغم ذلك تعيش هذه الأسرة بحب وأمل كبير في الغد وإيمان حقيقي بأن هذا هو دورنا الحقيقي، أن نحمي بلادنا من أي هجمات مغرضة من أجل أن نقدم وطناً آمناً ومستقراً لأبنائنا من بعدنا، وربما هذا شئ يتميز به الشعب المصري بشكل كبير، ما يحمي مصر من الكوارث الكبيرة التي تشهدها البلاد من حولنا خاصة خلال السنوات السابقة.
في التيمة الرئيسية للمسرحية نشاهد قصة هذه الأسرة التي تغني وتستمتع بالموسيقى رغم كل الآلام، وهنا يربط المؤلف وكاتب الأغاني خميس عز العرب  بذكاء بين الوطن وقيمة الفن ودوره الرئيسي في إعلاء هذه القيمة، من خلال الأب الذي يغني أغاني في حب الوطن تشبه أغاني "المسحراتي"، وهو الشخصية الرمز لإحداث عملية اليقظة والمعرفة، بينما نشاهد ابنه الضابط مع المجندين وهم يحضرون إلى منزله كي يتناولوا وجبة السحور من أجل صيام رمضان وهم في طريقهم لتأدية عملية عسكرية هامة في سيناء، كذلك نشاهد الإبنة أو أخت الضابط التي تتأرجح بين مشاعر الحزن على زوجها الضابط الذي توفى في عملية عسكرية وبين الفخر بأن زوجها أدى دوره تجاه الوطن.
ببساطة أيضاً يقدم المؤلف التنوع المصري حيث المجند المسيحي يتناول السحور مع زملائه من المسلمين وكيف أنهم جميعاً متشربين بالثقافة القبطية والإسلامية التي تقوم ركائز الثقافة المصرية عليها، كذلك يقدم المجندين ليمثلوا مختلف الثقافات المصرية، فهناك الصعيدي وهناك سائق التوكتوك من الأحياء الشعبية في القاهرة وهناك الشاب المتعلم خريج الجامعة، وبذلك تكتمل الصورة التي تعبر عن النسيج الوطني المصري، حيث الجميع مستعدون لفداء وطنهم بحب وتفاني.
يلعب الموسيقار حاتم عزت دور الأب، وربما هذه هي المرة الأولى التي أكتشف فيها إمكانياته التمثيلية وقدرته الفطرية على إضحاك الناس برقة ونعومة الموسيقي، وكالعادة يقدم حاتم موسيقى مختلفة ومؤثرة تعبر عن كل سطر في المسرحية، حيث استطاع أن ينقل بموسيقاه وتلحينه للأغاني المشاعر الشعبية الوطنية على فطرتها وبساطتها فاستطاع أن يزرع البهجة بين أفراد الجمهور.
كذلك استطاع الفنان الكبير خالد محمود أن يؤدي دور الضابط المتفاني في خدمة وطنه وكذلك دور الابن والأخ العاشق والمخلص لأسرته ولكنه يقدم مصلحة الوطن على مصلحة أسرته رغم عشقه الشديد لهم. كذلك أدت راندا إبراهيم دور الابنة والأخت باحتراف كبير، فهذه الفنانة قادرة على الانتقال من حالة إلى أخرى بسرعة كبيرة، فهي تستدرج الدمع من المآقي في لمح البصر وتشيع البهجة في لمح البصر أيضاً.
المخرج عصام الشويخ استطاع أن يترجم بساطة القصة بقيمها العميقة بنفس المستوى، فنحن في منزل بدوي بسيط لكن ينطق برموز المحبة المصرية، فسجادة الصلاة معلقة والطعام يقدم في صحون من صاج على "طبلية" شعبية، إضافة إلى استخدامه شاشة بروجيكتور يقدم عليها أفلاماً تفصح عن خلفيات أهمية "سيناء" لمصر وكيف أن رؤساء مصر منذ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وحتى الرئيس عبد الفتاح السيسي حافظوا على الأرض وبذلوا من أجلها كل نفيس وغالي، هذا غير الفيلم الخاص بالمؤامرات الخارجية ضد المنطقة منذ غزو العراق وحتى الآن.
"صحينا يا سينا" مسرحية تستحق المشاهدة واتمنى أن تنال حظ "ولاد البلد"، فتجوب المحافظات المصرية لتوسيع رقعة الوصول إلى الجمهور المصري بمثل هذه الأفكار البناءة.

المقال منشور في جريدة القاهرة بتاريخ 11 ديسمبر 2018