الاثنين، 7 مايو 2018

نسوة أم نساء ... القيم الذكورية لا يدافع عنها الرجل وحدة

سيمون دي بوفوار 



أن تكوني امرأة فهذا لا يعني أنك مناصرة لحقوق المرأة في حياة عادلة ومساوية للرجل، فالإنسان لا يمتلك حرية اختيار نوعه الذي يولد عليه ولكنه بالتأكيد يمتلك حرية اختيار هويته ومجموعة الأفكار التي ينتمي إليها ويعبر عنها في أسلوب حياته، فكما قالت المفكرة النسوية الفرنسية سيمون دي بوفوار " لا يولد الإنسان امرأة .. بل يصبح كذلك"، وكانت تعني بمقولتها تلك، أن الإنسان سواء وُلد ذكراً أم أنثى فهو يولد متساوياً ومتعادلا حتى تبدأ المجتمعات في تشكيل منظومة أفكارهم فتُصنفهم إلى امرأة ورجل، بتخصيص مجموعة صفات ووظائف لكل واحد منهم حسب نوعه الجنسي وترفع من مكانة الرجل أمام المرأة، فتتبدد تلك المساواة التي وُلدا عليها.
يتحكم في عالمنا منذ آلاف السنين منظومة فكرية بطريركية أبوية، او بمعنى مبسط "ذكورية"، تميل إلى إعلاء قيم الذكورة على الأنوثة وتنسب كل صفات القوة والشجاعة والشهامة والإرادة والذكاء إلى الرجل، بينما تضع المرأة في مرتبة دنيا لا تصل حتى إلى المرتبة الثانية بعد الرجل، ففي بعض المجتمعات القديمة كان الحصان والجمل أهم للمجتمع من المرأة فبهما يغزو الرجل غزواته ويذهب في رحلاته التجارية، أما المرأة فلا فائدة لها سوى المتعة الجنسية والإنجاب كما حدد المجتمع وظيفتها.

ظلت هذه القيم تتوارث جيلاً بعد جيل، حتى بدأت الحركات النسوية في التَكون تحديداً بعد الثورة الصناعية وبداية الاعتماد على الآلة في الإنتاج والحروب، والاستغناء تدريجياً عن الإنسان أو تحديداً عن الرجل، فلقد تغيرت مواصفات العامل ولم تعد القوة البدنية مطلباً رئيسياً في العمل، ما فتح باب العمل للنساء.
هناك فرق كبير في المعنى الاصطلاحي بين "نسوية ونسائية"، فليس كل ما تقوم به المرأة أو تعبر عنه من أفكار نسوي، حيث أنه على مدار القرون الماضية وتحديداً المائة عام الأخيرة، شهدنا نساءً يدافعن عن التفوق الذكوري واستمرار القيم الذكورية في المجتمع بزرعها في أبنائهن ويؤكدن على أن المرأة حصلت على كافة حقوقها، معتبرين الحق في التعليم والعمل هما كل شئ عن الحقوق والمساواة، مع العلم أن نوع التعليم والعمل حتى عصرنا هذا محدد بالنسبة للمرأة، التي لا تستطيع اقتحام الكثير من المجالات بدعوى أنها لا تصلح لطبيعة المرأة.
هؤلاء النساء أبعد ما يكونوا عن النسوية، فهن لا يؤمنون بالمساواة التامة بين الرجل والمرأة ويعترفون بتفوق الذكر، ويستفيدون من السلطة الاجتماعية الذكورية لعرقلة تحركات النسويات سواء كانوا نساءً أم رجالا، فنعم الرجل يمكنه أن يكون نسوياً عندما ينتمي إلى قيم العدالة والمساواة بين الناس وعدم التفرقة بينهم على أساس النوع.

هؤلاء النساء يشكلن خطراً أكبر من أي خطر يمثله رجل على انتشار القيم النسوية، فالمجتمع يستخدمهن دليلاً على خطأ المنظومة الفكرية النسوية، إضافة إلى أنهن يحاربن النسويات بأسلحة ناعمة وخبيثة مثل تلويث السمعة ومداهنة الرجال بإثبات أنهن النساء الفاضلات التقيات، غير أنهن تدفعهن الغيرة دائماً من قوة النسويات وما يتمتعن به من حرية الحركة والتعبير واتخاذ القرار، إلى محاربتهن في أماكن العمل والدراسة والشارع بأساليب اضطهاد مختلفة، ليكن شوكة قاتلة في ظهر أي امرأة نسوية تحلم بالعدالة الاجتماعية لجميع البشر بغض النظر عن النوع الجنسي.
إن الحرب النسائية النسوية مستمرة منذ عقود طويلة، وهي غير عادلة أبداً، فالنساء الذكوريات مدعومات بسلطة المجتمع وسلطة الدين الذي تم تفسيره لصالح الرجل على مدار القرون، وبالتالي فهن يمتلكن اليد العليا في تبني المجتمع للمبادئ الجديدة، حيث يعرقلن أي خطوة مستقبلية في صالح المرأة طالما لا تتفق ومبادئهن الذكورية التي ينتمين إليها، ونستيطع أن نقول أنهم سلاح فعال ومنجز يستخدمه الذكوريون طوال الوقت لإجهاض الأفكار النسوية.
لا يعني ما سبق أبداً، ان نستسلم للذكوريات، بل علينا دائماً أن نؤمن بعدالة قضيتنا، فهي ليست قضية نوع جنسي بل قضية إنسانية كاملة يجب تغيير أفكارها نحو عالم أكثر اتساقاً وتوافقاً وتقبلاً لكل ما هو مختلف، وهذا يجعلنا نتحرر من فكرة أن المرأة حليفة المرأة، فقد يكون الرجل في حالات كثيرة أقوى حليف إذا ما انتمى إلى القيم النسوية وقد أثبت تاريخ الحركة النسوية ذلك دائماً.

 المقال تم نشره في جريدة القاهرة الثقافية 

الاثنين، 30 أبريل 2018

تحليل نقدي يكتبه محمد غنيم / الحب فى زمن الاغتراب.. قراءة فى رواية نسائى الجميلات لــ"أمنية طلعت"



لم يكن فراق هالة سهلا.. حتى الآن لم أتجاوز الأمر..



ما بين التناغم الهندسى المعمارى والاستقصاء الصحفى استطاعت "نساء" أمنية طلعت فى رواية "نسائى الجميلات" والصادرة عن دار روافد للطباعة والنشر، أن يحلقن بنا فوق سماء المدينة الساحرة التى لم يخلق مثلها فى البلاد، وبين حداثة الزمان وعبقرية المكان هبط بنا النسوة الجميلات لتدور أحداث الرواية في شوارع واسعة وداخل بنايات شاهقة تربط بين دبى والشارقة،  ضفرت فيها الكاتبة بين تخصص الهندسة بمنظوره البحت والإبداع الصحفى وذلك عبر أبطال روايتها الأربعة، بداية من أمل الصحفية ومنال الإعلامية المرموقة إلى هالة وسميرة المهندستين الماهرتين فى مجال الإنشاء.
فى الرواية رسمت أمنية طلعت لوحة تجريدية بأربعة ألوان متداخلة متجانسة لمجتمع النساء العربى، وأوضحت كيف تؤثر وتتأثر المرأة فيه ومنه، حيث لفظت مصر ولبنان وسوريا بناتها فجمعتهن الظروف فى دبى بعد صراع مع طواحين الهواء، ملتفات متكاتفات تحت شعار "الوليات المتحدة" المكون من المصريتين أمل وسميرة، الأولى تتعامل بعنف تجاه المجتمع الذكورى مكبلة بصدمات خيانة زوجها وتعدد علاقاته النسائية مرورا بوالدها وجدها لأمها، وبالرغم من ذلك فهى مكتملة الأنوثة مكتفية بعشيق لها، لكنها عاقبته بعد اختفائه فكانت تمارس الحب بين الرجال دون تمييز، أما الثانية فتعانى من مرض شلل الأطفال لذا فهى امرأة غير مكتملة الأركان الجسدية، رغم تمتعها بمهارات فردية تجعلها مميزة دوما فى عملها، لذا كان اختيار الكاتبة لشخصية سميرة رسالة للمجتمع العقيم الذى ينظر للمرأة المعاقة بعين عوراء دائما، وكأنها سلعة تباع بثمن بخس فى سوق النساء، أما العنصر اللبنانى فى الرواية فيظهر برفاهيته المفرطة فى شخصية منال المذيعة المشهورة إبنة رجل الأعمال المرموق فى الإمارات، تسكن القصور وتركب سيارتها الليكزس، وتكتمل اللوحة باللون الأخير المتمثل فى "هالة" التى تضفى البهجة دائما بدفء الحب الكامن والإخلاص الممتد لحبيبها "أحمد" حتى آخر أنفاسها.
بدأت الكاتبة أول مشاهد الرواية بالحب معبرة عن علاقة "أمل" بـ"عادل" - ص 8 -  وتنهيها أيضا بالحب وإخلاص "هالة" لـ "أحمد" - ص 268 - فى نفس لحظة احتضارها وكأن الحب هو شريان الحياة والخلاص منها أيضا،  فالقارئ على مدى صفحات الرواية يكتشف الحب بعد الحب حتى مشهدها الأخير، الذى جعل منه الراوى، موت هالة يوم زفافها وهي تتنفس حبها الأول، وكذالك طيران سميرة فرحا بحبها وحلم عمرها ممدوح، الذى لم ير شللها ونظر بعين كاملة لاكتشاف جمالها.

أمنية طلعت فى روايتها (نسائى الجميلات) وصفت حال المغتربات "فى مجتمع لا يعرف الناس بعضهم بعضاً، كلهم عابرون بلا توقف ولا ملامح مميزة" - ص204 - يعانين من ترهلات اجتماعية قديمة وموروثات بالية فى بلادهن، بلغة حكى بسيطة وفى المجمل بليغة فى بساطتها، تقنعك بشخصياتها دون أن تحول الشخصيات إلى دمى، بل جعلتها حية تعيش وتتعايش مع القارىء، عنوانها خادع نوعا ما، لأن الرجال فيها شخصيات روائية لا تقل جاذبية عن النساء، وتدفق الحكى وفتنة السرد تجعلك تحب الشخصيات حتى غير المرغوب منها، لأنها جميعا تنبض بالحياة ولذلك تظل معهم حتى السطر الأخير، وربما تحن إلى إليهم يوما ما، الصفحات تنمو ممتلئة بالأحداث التي تدور حول نفسها فى شوارع دبى انطلاقا من شارع الشيخ زايد حتى شارع جمال عبد الناصر فى الشارقة.
غلاف الرواية
لفتنى أكثر ما لفتنى فى هذه الرواية غلافها الذى تتوسطه لوحة بائسة لرمز الجمال فى العالم، وكأن الغلاف مقصود متفق عليه  بين المصمم والمؤلفة على أن يكون العبث بلوحة الموناليزة المقدسة فى عيون الناس، بعد أن جردت من رداء الكتف ممسكة سيجارة مشتعلة بين أصابعها، تستشعر الغموض في وجهها فلا تعرف إذا كانت سعيدة أم تعيسة، هنا ظهرت رمزية الغلاف معبرا عن المرأة المكبوتة مسلوبة الإرادة المجبرة على عادات وتقاليد مجتمع تعلوه طبقة من العفن.
البناء الروائى فى نسائى الجميلات
اعتمدت أمنية طلعت فى روايتها أن تخاطب القارئ عبر لسان الراوى عبر تقنية جديدة وكأنها كسرت تابوهات استخدام الراوى العليم فى السرد مُخلقة منه "راوى نسبى المعرفة" يصيب القارئ بالريبة والشك فيما يقرأ أحيانا، فيتمسك بخيوط الرواية أكثر "وأنه والحمد لله تعالى يعمل فى وزارة الأوقاف وحاصل على شهادة من الأزهر، لا أذكر بالتحديد تخصصها" - ص221 - "فأنا لا أتذكر إن كانت أسابيع فقط هى التى مرت أم شهور" - ص. 220- ، وإن كان الرواى مستفزا فى بعض الأحيان:" فلم يجدن سوى البكاء لإعلان فرحتهن ببعضهن البعض لينتهى المشهد بعناق تكونه ثمانى أذرع".،  "ألا يوجد من يسأل أين كنت أنا؟ سأجيب حتى لو لم يهتم أحدكم بالسؤال! كنت أبحث عن الكرات الضائعة من اللاعبين بين الحفر فى ملعب الجولف!" - ص267

الحوار فى الرواية وإن كان مطولا إلا أن الكاتبة امتازت ببراعة أن تخرج ثقافة ثلاث دول عبر كلماتها العامية فى الحديث ببراح وكأنها خبيرة بعلم اللهجات، فأنت لا تتوقع أبدا أن الكاتبة مصرية حين تستمع مستمتعا لحوار منال اللبنانية مع هالة السورية، حتى وإن كانت اللهجة الشامية تجمعهم إلا أن المؤلفة استطاعت بسلاسة أن تظهر الاختلاف، وكذلك حوار أمل مع سميرة تشعرك بمصريتك وشعبية شوارع القاهرة، وأن فى قلب دبى حوارات واقعية رشيقة مكنت القارئ بالاستمتاع حتى آخر كلمات الرواية.

الرواية بدأت بضمير الراوى العليم وانتهت بلسان "أمل" متخذة أسلوب السيرة الذاتية على  الرغم من عدم استخدامه طيلة الأحداث حتى انتهاء الرواية فى ص ٢٨٧ بصيغة السيرة الذاتية "أنا أمل..." نعم ببساطة ووضوح دون الدخول فى مقدمات طويلة" .. وإن كان تعدد الأصوات هو المقصود من المؤلفة إلا أنه يتطلب قارئ متقد الذهن، حيث تغير ضمير الراوى العليم فجأة فى ص ،٢٨٥ وبالتحديد فى الفقرة الثانية ليصبح بصوت "نسائى الجميلات" - "داخل فندق حياة ريجنسى حجزنا غرفة بعددنا"، وفى الفقرة نفسها يتغير الضمير أيضا فجأة "لكننى أستطيع أن أقول لكم إن هناك خطوط حزن عتيقة لم تتمكن حتى تلك الفرحة أن تمحوها" ص. 285 ومن ثم فى الصفحة المقابلة تكملة صيغة الراوى العليم.

الاختصار ملحوظ فى النصف الثانى من الرواية بدأ فى الفصل الثانى ص ١٧١، على الرغم من تمتع القارى بالاستفاضة وتفاصيل التفاصيل فى الجزء الأول.إلا أن الاختصارات جعلت القارئ يتشبث بكل كلمة وكأنه يبحث عن التفاصيل ويتساءل لماذا لم تكتب المؤلفة مشهد عملية إجهاض أمل ومضاعفات العملية وتفاصيلها، كذلك وجود اسم ممدوح لشخصيتين مختلفتين داخل الرواية وإن لم توجد دلالة على ذالك.
ثقافة المجتمع فى دبي
جانب آخر من الرواية يكمن فى تبادل الثقافات فالرواية تجعل من  "الراوى" شاهدًا على عصرنا يطل عليه من ناطحات السحاب فى دبى،  بمبانيها ومقاهيها ومطاعمها التى كانت تتقابل فيها "منال وأمل"، وبين "سميرة وهالة" في مطعم "أبو شقرة" بأكلاته المصرية الصميمة الموجود بشارع المكتوم، متبادلين العزومة فى مطعم "عروس دمشق " بشارع المرقبات. كل ذلك بين شوارع المدينة الجميلة الساحرة التي تنتج ثقافات متعددة لم تطرق إليها أحداث الرواية، وكذلك مخبوزات "بول" وروائح الخبز الطازج ص241.. فالزمن والمكان مثلا جزأين مهمين من هذه الرحلة الجميلة.
الجانب الاجتماعى فى الرواية
تعدد الشخصيات فى الرواية يجعلنا نعتقد أن أمنية طلعت لم تكتب رواية عن أربعة نساء فقط، بل أنها مدحت الرجل أيضا "وكيف أن الحياة لا تستقيم من دون رجل.. (رجل نعشقه .. رجل لقاؤه صلاة فى قدس الأقداس)" ص. 44، فالرواية مليئة بالشخصيات التى تتنفس وتعيش وتغضب وتغنى وتحب وتكره وتفكر وتكتئب وتفكر فى الانتحار وتتفاءل وتحمل وتجهض وترقص وتطبخ وتشرب الفودكا وتخلع الحجاب وتخون وتخلص وتعشق وتسافر وتذهب وتجىء وتنزوى وتغترب وتحلم وتتحسر وتنزف وتمارس الجنس وتسمع قرآن وتصلى وتموت.. عاشت الرواية حياة جميلة لشخصيات  تشابهت فى أشياء واختلفت فى أشياء أخرى، لكنها جميعا اتفقت والتفت حول الحب، وربما جاءت فكرة (النساء الأربعة) بحثا عن توازن ضائع فى المجتمع، وذلك لتمنحنا فكرة التعدد الفكرى والتنوع والتقبل فى مجتمع يعج بجنسيات متعددة كما أن التعدد يعطى مسافة للتشابه الجميل والمختلف فى الوقت نفسه، فهناك تشابه بين "هالة" السورية الدرزية و"سميرة" المصرية مشلولة القدم قوية الإرادة المهندسة البارعة، وهناك توافق أيضا بين كل من "منال" الإعلامية اللبنانية و "أمل" الصحفية المصرية هذا التشابه يوجد فى التسامح وتقبل الآخر ولكن لكل منهما دوافعه ومعطياته المختلفة التى نتجت من الأفكار التى عايشاها على المستوى الزمنى، وعلى هذا فقد صنع التوافق والاندماج والاختلاط الأنثوى مساحة من العمق فى الشخصيات لإتاحة الفرصة لتأمل النهايات مع اختفاء الآلام وتحقيق الأحلام بما يعكس صورة لتاريخ المرأة الاجتماعى.
إنسانية الرواية
أما الجانب الإنسانى فى الرواية فيكمن فى البحث عن الحب والإخلاص والتخلص من ترهلات المجتمع الذى يفتك بالمرأة ولا يترك لها متنفسًا، فـ"سميرة" كانت مستعدة للزواج بأى رجل حتى وإن كان عن طريق الانترنت لكى يرضى عنها المجتمع  و"أمل" ممتلئة بالكراهية  تجاه الرجال لأن الحب لم يتسلل إليها إلا عبر عشيقها "عادل" أما خيانات زوجها لها ووالدها لأمها فخلقت بغضها للرجال.. كذلك نجد الحاجة والعوز حتى وإن كان للرقص.. الثراء الفاحش الذى تعيش وتتمتع به "منال"، التدين الشكلى لــ "سميرة" بداية من إعجابها بصوت الشيخ وإسدالها الطويل وسجادة الصلاة التى تدارى بها سوءاتها المتمثلة فى يدها العوجاء منتهيا الأمر بخلعها للحجاب وسهراتها فى صالات الديسكو فرحا ورقصا بين يدى ممدوح الذى يطوق خصرها مكتشفا أنوثتها متغاضيا عن سوءاتها..  والعلاقة القوية بين الشخصيات رسمت وطن الرواية وجعلته حيًا ينبض بقلوب أهله. مراهنةً على الحب فى زمن الاغتراب لتخلق منه "موهبة".. وإذا كان الراوى عليما نسبيا أو مستفزا فى بعض الأحيان إلا أن تفوق الموهبة الروائية للكاتبة جعلتنى أعشق "هالة" وأحب "سميرة" وأتعاطف مع "أمل" وأعجب بـ "منال".. وفى الوقت نفسه أتوارى بعيدا إن شاهدت "رمزى" يعبر الطريق متدحرجا بكرشه المستدير أو ألمح "عادل" يظهر بعد اختفائه المتقطع.. وربما أتتبع نبضات قلب "أحمد" وهو يستمع لأغنيات شيرين محتضنا أصابع "هالة" النائمة فى يده.
الأغانى والموسيقى
تتفق أجيال الرواية فى الرؤى الثقافية ولكنها تختلف فى الذائقه الفنية، ومن بين تبدل الهموم وتطور الإيقاع فى أحداث الرواية فكان سماع الأغانى عامل مشترك بين أبطال الرواية، بينما استخدمت المؤلفة الأغنيات فى الرواية لكى تعرض للقارئ التغير الزمنى فى الأحداث بطريقة سهلة وبسيطة وبأسلوب مختلف مواكب للعصر، ومدى العلاقات الاجتماعية الطيبة بين شخصيات الرواية، فلا اختلاف يستحق الذكر بين ذائقة أى منهم بداية من "أمل" التى تعشق فيروز، عند سماعها تضخ الأوردة بنبض حبيبها حتى تصل إلى القلب وإن ذرفت العين دمعا" وضغطت بحركة انسيابية على زر تشغيل الراديو، فانساب صوت فيروز.. صباح ومسا شى ما بيتنسى أخذت الحب وتركت الأسى بس إنت إنت وبس " لم تستطع أن تتحكم فى الدموع التى سالت مغافلة إياها" ص.8

لا يملك القارىء لرواية أمنية طلعت إلا أن يتوقع مستمتعا بالموقع الذى تحتله الأغنية وكأنه وسيلة اتصال بين العشيقين، هالة السورية التى تربت على صوت فريد وفيروز "انسالت داخل أذنيها كلمات، لم تكن تتخيل أن يكتبها أحد ليعبر عن حالها وحدها دون باقى بنات الأرض.. أو هكذا كانت تعتقد! حبيته بينى وبين نفسى وماقولتلوش عـ اللى فى نفسى ماعرفش إيه بيحصللي لما بشوف عنيه" هكذا قالت شيرين فى ص 143.
وفى ديرة سيتى سنتر، وجهت هالة المسير نحو "فيرجن ميجا ستور" ومنه إلى الرف الذى يحمل الألبومات العربية الحديثة. أشرق وجهها عندما وقع ناظرها على ألبوم شيرين الجديد، وسحبت منه نسختين" 146 "ظلت هالة ساهمة فى صمت، لكنها وبيأس حقيقى أخرجت نسخته من ألبوم شيرين  طالبة من "أحمد" أن يستمع إلى أغنية "على بالى" لأنها تحكى قصتها هى شخصيا" ص148
على الرغم من أن الغناء العربى خارج المنافسة فيما بينهن، إلا أن رابطة الوليات الأربعة تستمع للفرق الموسيقية الأوروبية ذائعة الصيت ومطربيها المميزين، "كم فات من الوقت دون أن نرى وجهنا الجميل؟! فى نفس اللحظة تضامنت أفريل لافين معهن وبدأت تصدح بأغنياتها: I am beautiful  " - ص233 - ، أما فى مطعم ومقهى شكسبير فى شارع الشيخ زايد مرت سحابة مدندنة بأغنية إيتا جيمس I've been loving you too long to stop now " ص 245-
وهنا نلاحظ أن الكاتبة قدمت في روايتها متعددة الأبعاد شهادة بالغة الأهمية فنيا وموضوعيا، عن تفاعلات جيل يتنفس بالحب حتى وإن كانت الأغانى وسيلة.
دبى بين عبقرية المكان وحداثة الزمن
أماكن مختلفة مثل الرولة فى الشارقة بزخمها والجميرا فى دبى بهدوئها وخبايها وأسرارها وسحرها...الأحداث تدور فى شوارع المدينة الساحرة التى اختصتها المؤلفة بإهداء الرواية إليها، فيها عاشت وتعايشت الأبطال حتى الراوى نفسه والروائى أيضا فى شوارع وطرقات ومبان شاهقة وفنادق معروفة، ومحال لبيع الماركات العالمية تفوع منها عبقرية المكان "اتجهت هالة نحو "فيستيفال سنتر" ثم دلفت إلى "إيكيا"  لتشترى منه شموعا ثم خرجت منه متوجة إلى "دبنهامز" لتشترى منه فستان سهرة أسود ص 165.
تناولت المؤلفة دبى كأرض خصبة ترعرعت عليها نماء الأحداث، فيها استطاعت أمنية طلعت استخدام الدوافع الفنية والنفسية لتناول دبى كمكان روائى عبقرى مغموس باستحداث التجربة العمرانية والسياحية والإلكترونية لدفع حركة مفاصل الحياة، تدور الأحداث بين ترقب حياة أربعة نساء يمثلن ثلاث جنسيات من بين ٢٠٠ جنسية عربية وأجنبية، لتثبت لنا المؤلفة أن دبي فضاء روائى يصلح لخلق عبقرية المكان وفق معطيات السرد ومرادفات الحوار، فالمؤلفة وإن كانت ملمة بشوارع المدينة إلا أنها لم تكتب إلا بعد تعايشها فى المجتمع الإماراتى بمدة امتدت لعشرة سنوات، فيه اتخذت أمنية طلعت دبى مكانا سرديا واسع المعالم، كثير الخصوصية لمدينة جميلة امتلكت كل المحفزات السردية ومن أمثلة الأمكنة الرئيسية المتجسدة فى المدينة والتي ذكرت فى الرواية بكثرة، شارع الشيخ زايد لكونه أهم شوارع المدينة وشريان الحياة الذى يصل دبى بأبو ظبى، وبالرغم من كونه إكسير حياه لما يحتضنه من مؤسسات وأبراج مهمة إلا أنه بمثابة الأنف لمدينة السحر والجمال، حيث تنقسم دبى إلى قسمين متشابهين مرورا بـ ديره سيتى سنتر، وكذلك شارع المكتوم  الى أن نخرج من فوهة الزجاجة عبر شارع بورسعيد حتى نسلك طريق الشارقة عبر شارع الوحدة منتهيا بشارع جمال عبد الناصر ومنها الى منطقة الرولة حيث مقر بيت أحد ابطال الرواية.
وكأنها خريطة نسائى الجميلات اليومية من العمل حتى السكن  المعروفة برحلة "الوليات المتحدة "فكلهن يسكن الشارقة حيث ملائمة سعر إيجار السكن إلا واحدة فمنال تسكن القصور بمنطقة جميرا فى دبى، فإن صح القول بأن الرواية سيتسع مجال انتشارها إلى الوطن العربى، وستتخطى مرحلة المحلية، لكونها وليدة فى مجتمع يعج بالتطور الدائم ممزوجة أحداثها بالصدق الفنى للروائية التي نسجت أبطال روايتها من واقع المجتمع الذى عاشته بنفسها، ورغبته فى التأثير على المجتمع دفعتها إلى الإصرار على كتابة الرواية التى تأخذ القارئ إلى عالم مشوق وتمرير الأفكار فى قالب مختلف ومثير يستطيع أن يسيطر على عقله من خلال كلماتها عبر لغتها الحوارية التى تعكس الضوء على المكان وكأنه انكسار ظل عبر النبرات.
الخاتمة
تركز أمنية طلعت فى روايتها على إبراز دور المرأة فى المجتمع العربى وتطالبها بالدفاع عن حقوقها ولا يقتصر دورها فى الرواية على إبراز الجانب الإيجابى فقط بل تشير بوضوح إلى الجانب السلبى أو الجهل أو التمسك بالعادات والتقاليد حتى إن كان لها تأثير نفسى "تعيشى عمرك كله على الحسنات.. حسنة من جوزك وحسنة من ولادك وحسنة من أخواتك .. كل دا وانتى عاملة لى فيها صابرة ومكافحة لكن الحقيقة أنك مازوشية ومنسحقة  اتولدتى واتربيتى على أنك تكونى عبدة للجميع" هكذا كانت تحاور أمها ص ٢٧٥
ممكن أن نصف الرواية بأنها "رواية بطعم الحب" وحديقة مليئة بالمتعة وتقنيات الفن والإبداع والسرد ووصف الشخصيات، لأنها تناقش مشاكل اجتماعية حية للمرأة من واقع المجتمع العربى وأخيرا أستطيع القول إننى عشقت هالة من بين الأحداث "لم يكن فراق هالة سهلا.. حتى الآن لم أتجاوز الأمر"



الثلاثاء، 20 مارس 2018

إضحك لما تموت ... هلوسة سياسية في ثوب درامي مهترئ




فكرت كثيراً قبل أن أتخذ القرار بالكتابة عن مسرحية " إضحك لما تموت"، فهي مسرحية صنعها في النهاية قامات في المسرح سواء من حيث النص الذي كتبه لينين الرملي أو الإخراج لعصام السيد أو البطولة لكل من القامتين التمثيليتين نبيل الحلفاوي ومحمود الجندي، ولكن للأسف الشديد لم يكن اجتماع أهل القمة هؤلاء على خير هذه المرة، فلقد خرجت المسرحية في رأيي المتواضع دون المستوى العادي حتى وإن كان الحلفاوي والجندي صنعا كل ما لديهما من حرفة تمثيلية لكي يجعلوا من الفسيخ شربات، وهو ما هون الأمر علي أنا ومن حضروا المسرحية كثيراً، لأن الحقيقة هي أن كثيرين تركوا المسرح ولم يكملوا المسرحية بعد انتهاء الفصل الأول، هذا عد همهمات المشاهدين المستاءة طوال العرض وتعليقات الكثيرين السلبية بعد انتهائها، فاطمأننت على نفسي بأنني لم أكن ظالمة في تقديري لها.
يكرر لينين الرملي نفسه في "إضحك لما تموت"، حيث دراما عادية جداً مليئة بالإفيهات والإسقاطات الجنسية التي لم تعد مضحكة الآن مثلما كانت في الماضي، إضافة إلى استاتيكية المشاهد والأحداث فأنت لا تخرج بعيداً عن شقة دكتور التاريخ يحيى وحركة الممثلين داخل الفضاء المسرحي تبدو مكررة وكأنك شاهدتها آلاف المرات، مع حوار أشبه بالاسكتشات والنكات المتبادلة على المقاهي، لا يحمل رؤية درامية حقيقية وموزونة، فلم يكن من المهم إن كان لينين الرملي مع أو ضد ثورة يناير، بقدر ما كان مهماً أن يقدم وجهة نظره بمنطقية في الأحداث والحوار بين الممثلين حتى نستطيع على الأقل أن نفهم ماذا يريد تحديداً؟ فليس حقيقياً أبداً ما تم نشره في الأخبار الخاصة بالمسرحية؛ أنها تدعو للتأمل في التاريخ وتطرح تساؤلات عن الأحداث الحالية والمستقبل في محاولة فهم أحداث الثورة، أو على الأقل هذا ما لم أفهمه أنا لقصور ما في ذهني.
في بداية المسرحية نفهم من شخصية طاهر التي لعبها محمود الجندي أن الثورة انتهت عندما يخبر صديقه أنه " نزل الميدان وصور المظاهرات والشهداء"، ثم تكتشف بعد فترة أن الثورة مازالت دائرة أسفل بيت الدكتور يحيى في ميدان التحرير، ثم تأتي مسألة الجثة التي تتجول في المنزل وتعيش داخل الثلاجة لتخرج وتعود وتختفي دون سابق إنذار، لنكتشف في نهاية المسرحية بشكل خاطف لم يلحظه كثيرون أنها ترمز إلى الرئيس السابق محمد حسني مبارك، حيث استخدم لينين الرملي تعبير الإنجليز في جرائدهم مع نهاية فترة حكم مبارك " the walking corpse" للتدليل عليه، وجسده في مسرحيته بشكل يبدو ساخراً لكنه بالنسبة لي لم يكن سوى ترميز فج لم يساعد الدراما في شئ بل أصابها بخلل في متابعة المشاهدين لها، وكان بإمكان الرملي أن يقدمه بشكل أكثر فعالية وقوة في الدراما بحيث يتفاعل معها الجمهور.
لم تتوقف الرمزية الفجة والمباشرة عند هذا الحد، فلقد تلاعب المؤلف بمدلول قيمة الحرية مع شخصية نسائية تأتي من الماضي، أي فترة شباب طاهر ويحيى، حيث كانت فتاة جميلة وتجذب الجميع إليها، يعرفها طاهر باسم حرية ويعرفها يحيى باسم حورية، بينما تأتي هي لتؤكد أن اسمها الحقيقي حربية. هذه الشخصية التي لعبت دورها الفنانة الكبيرة سلوى عثمان، والتي حاول لينين من خلالها أن يطرح فكرة أن الديموقراطية مثل الحرباء ذات ألوان متعددة وفقاً للمناخ المحيط، فحربية لعبت بعقول الجميع لكنها تزوجت من الشاب المتلون وفق العصور السياسية المختلفة وتلونت معه وهي الآن ترمي بنفسها في أحضان الإخوان. فكرة استخدام المرأة كرمز لأي شئ أصبحت شديدة الاستهلاك عبر السنين ونوع من أنواع الاستسهال، كما أن اللعب باسم " حرية وحربية وحورية" يحتوي على تلاعب سيئ في رأيي بقيم الحرية ومن يدعون إليها ويعملون من أجل تحقيقها، حيث أظهرها الرملي وكأنها امرأة لعوب وسيئة السمعة.
أيضاً الاستسهال في عرض أن كل الفتيات اللائي يسافر للخارج يخرجن عن الإطار العام للعادات والتقاليد المصرية، فتبدو ابنه طاهر وقد نست تماما أبيها وبلدها وفرغت نفسها للسكر والعربدة في أوروبا وفي النهاية تتزوج من أجنبي دون أن تهتم برأي أبيها. أما شخصية ابن يحيى التي تبدو مبهمة معظم المسرحية حيث لا نعرف ما الخلاف بينه وبين والده حتى يصل الأمر إلى القطيعة، ففي النهاية نكتشف أنه شارك في الثورة على غير إرادة أبيه، إضافة إلى الحديث عن بشاعة مذكرات والد يحيى التي منعتها أمه عنه وحاول هو منع ابنه عن قرائتها خوفاً من تأثيرها المهول، والتي لا نعرف عنها شئ في النهاية وما الفظيع فيها حتى تُمنع إلى هذا الحد؟،  ثم هذا النقاش المقحم والسوفسطائي عن أننا لا نقرأ تاريخنا وطرحه بنفس أسلوب الاستسهال المتبع في المسرحية من البداية، ناهيك عن شخصية شربات والتي كان من الممكن أن تكون نقطة مضيئة في المسرحية لولا تقديمها على أنها شخصية معتوهة تتبول في فراشها وبالطبع يجب أن تكون قد تعرضت للاغتصاب بعد أن وجدت نفسها في الشارع، حيث أن مشهد اغتصابها جاء وكأنه محشور من باب (احنا لسه ما اتكلمناش عن التحرش يلا نتكلم عنه)، للأسف جاء مضحكاً ولم يوحي بأي مأساوية. وبالطبع لم ينس الرملي أن يطرح كل هلوساته السياسية مثل المعارضة المرتزقة من صدام العراق وقزافي ليبيا والشيوعية والناصرية والساداتية ...إلخ وكأنه كان يكتب من باب ( فاضل إيه ما اتكلمناش عنه؟).
تبدو المسرحية من البداية على انها ضد الثورة وتطرح فكرة انها هوجة وفجأة وبدون مقدمات أصبحت معها بطرح يكمل سلسلة الاستسهال أيضاً، حيث أن الجيل القديم لا يفهم الجيل الجديد ولا يستطيع الحوار معه بآليات تناسب العصر الجديد، وفجأة بعدما كان يحيي ضد نزول شربات الثورة لأنها لا تفهم شيئاً عنها، طالبها بالنزول والهتاف أيضاً، وفي الحقيقة انا لست ضد ذلك من باب أن الثورة كانت ملاذاً للمهمشين حتى يقولون بصوت عالٍ "نحن هنا انظروا إلينا"، ولكن التسلسل المنطقي للدراما لم يكن ليقدم لذلك، فنحن في النهاية لا ندري ما الذي يريد لينين الرملي أن يقوله فعلياً من هذه المسرحية؟
الإخراج أيضاً أتى عادياً مع استخدام لتقنيات مسرحية جديدة مثل استخدام لشاشات عرض بروجيكتور تعرض أحداثا من الماضي لوالد ووالدة وابن يحيى وابنة طاهر وفي النهاية الجثة التي أعلنت خطاب التنحي بطريقة كوميدية خاطفة قائلة "خلاص يا عم أنا ماشي أهو"، وورائها العلم وهي تتحدث من على منصة الرئيس المخصصة للبيانات.
كنت أتمنى بالفعل أن أكتب مقالاً يمجد في مسرحية "إضحك لما تموت" التي انتظرناها بشوق كبير، لكن للأسف تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.

تم نشر المقال في جريدة القاهرة 


الاثنين، 12 فبراير 2018

أحمس ... متعة العرض الذي أفسده نصاً خارج التاريخ

قدم مسرح الجمهورية على مدار ثلاثة أيام عرض "أحمس" الذي يجمع بين الرقص المسرحي الحديث والمسرح التقليدي، حيث شارك فيه كوكبة من الممثلين الكبار جاءت على رأسهم الفنانة القديرة سميرة عبد العزيز والتي لعبت دور أم الفرعون المصري البطل أحمس (تيتي شيري) والفنانون كمال عطية ويحيى أحمد وحمزة العيلي والدكتور عبد الله سعد الذي لعب دور الملك سقنن رع الذي قاد أول مقاومة عسكرية للهكسوس.
من بروفات العرض 

جمع العرض الكثير من الأدوات الفنية المبهرة، مثل الرسم على الرمل من خلال شاشات عرض تتدلى من أعلى خشبة المسرح لتجسيد بعض الأحداث من خلال الرسم الذي قدمه الفنان المتميز في هذا المجال مايكل رومان، تصحبه رواية صوتية للأحداث، إضافة إلى قطع مسرحية متحركة تجسد البناء الفرعوني من جدران ومسلات وعواميد وعجلات حربية، حيث يمكننا وصف ديكور هذا العمل الفني الكبير بأنه ينتمي إلى فئة الديكور الفاخر والذي أضفى على المسرحية روح الفخامة التي تتناسب وقصتها عن أول  قائد وبطل عسكري في التاريخ المصري، أحمس الذي حرر مصر من أول احتلال ذُكر في التاريخ المصري القديم.
من بروفات العرض

تسير أحداث العمل المسرحي بالتوازي مع العرض الراقص، حيث يجمع بين تجسيد الأحداث بالرقص وكذلك بالحوار المسرحي، فنلاحظ أن أحمس وكاموس يلعب دورهما بطلان، أحدهما بالتمثيل والآخر بالرقص، ما أكسب العمل غنى في المشاهدة البصرية وكان الأمر أشبه بتوزيع عمل موسيقى على عدد من الآلات التي تعزف جملة موسيقية واحدة ولكن بأصوات مختلفة، لتكون النتيجة وليمة فنية دسمة يفوز بها المشاهد.
عمد مصمم الإضاءة ياسر شعلان إلى استخدام إضاءة خافتة في الكثير من المشاهد، بينما جسد مشاهد الحرب والصراع من خلال تركيز الإضاءة عليها مع الإظلام لباقي جنبات خشبة المسرح، لكنه في النهاية لم يستخدم أي نوع من أنواع الإضاءة العالية بأي جزء من أحداث العمل.
تبدأ المسرحية بشخصية الكاتب المصري يجلس على الجانب الأيمن من خشبة المسرح وهو يرتدي الزي الفرعوني ويحمل كتاباً ضخماً، يقرأ منه قصة كفاح المصريين ضد احتلال الهكسوس لأرضهم، وكيف استشهد الكثيرون فداءً للوطن قبل أن يأتي أحمس ليتوج هذا الكفاح بالانتصار، بينما يحيط به مجموعة من الأطفال الذين يرتدون ملابساً حديثة وهم ينصتون بشغف للحكاية، لنعرف في نهاية المسرحية أنهم أبناء للشهداء المصريين المعاصرين الذين ضحى آباؤهم بأرواحهم من أجل الحفاظ على أرض مصر.
من بروفات العرض 

من الصعب الإشارة إلى أي ضعف بأي عنصر من عناصر المسرحية، فلقد جاء الأداء المسرحي متناغماً تماماً مع الأداء الراقص، وهنا يجب الإشارة إلى بطل العرض الراقص عمرو البطريق الذي جسد دور أحمس، حيث كاد يقترب بأدائه من الكمال، فلقد بدا وحده دون منازع الأكثر تمكناً من الحركات الراقصة و كذلك القدرة على الأداء التعبيري للأحداث، ناهيك عن لياقته البدنية العالية والتي ترقى به إلى مصاف العالمية، في حين لم تكن رشا الوكيل التي لعبت دور ابنة ملك الهكسوس متمكنة من أدائها في كثير من الحركات التي جمعتها بعمرو البطريق "أحمس"، ورغم أن إيمان رزيق التي جسدت دور نفرتاري، مساحة دورها أقل بكثير، إلا أنها بدت متكمنة من الحركة التي أدتها باحتراف ومرونة عالية، خاصة في المشهد الذي جمعها بالبطريق عند عودة أحمس من رحلته الاستكشافية لقصر ملك الهكسوس وجيشه.
لم ينغص علي فرصة الاستمتاع الكامل بهذا العرض الهام سوى الإعداد المسرحي للنص، والذي قام به الدكتور مصطفى سليم، الذي استند في إعداده للنص إلى رواية الأديب الكبير نجيب محفوظ (كفاح طيبة)، وهي من الروايات الأولى له، والتي تحتوي على رواية متخيلة عن تحرير أحمس لأرض مصر، وتحتوي على مغالطات تاريخية كبيرة، وربما لا علاقة لها بحقيقة تاريخ هذا الفرعون الذي ينتمي للدولة الحديثة ويعد المؤسس للأسرة الثامنة عشر، وعلى يديه تم نقل العاصمة المصرية إلى طيبة في الصعيد، بعد أن كانت قبل ذلك في منف (الجيزة حالياً)، والتي سقطت في أيدي الهكسوس، ليهاجر المصريون إلى الجنوب ويبدأون كفاحهم من هناك.
من بروفات العرض 

ربما نعطي العذر لنجيب محفوظ الذي كتب روايته في الأربعينيات من القرن العشرين، حيث المصادر التاريخية لم تكن متوفرة بالقدر الذي يجعله يكتب الرواية بأحداث تاريخية دقيقة، لكن من الصعب أن نلتمس العذر للدكتور مصطفى سليم، الذي يعيش في زمن تتوفر فيه المصادر التاريخية الدقيقة، ولو الأمر بالنسبة إليه مرهقاً أو كان الوقت ضيقاً للبحث بنفسه، فإن الاتصال بأستاذ تاريخ مصري قديم من أساتذة كلية الآثار على سبيل المثال، كان سيفي بالغرض.
للأسف الشديد لم تعبر القصة الخاصة بالمسرحية عن الأحداث الحقيقية لتحرير مصر على يد سقنن رع ثم كاموس فأحمس الذي حقق الانتصار الكبير في النهاية، فلا يوجد دليل تاريخي على وجود شخصية ابنة ملك الهكسوس، ولا دليل على كونها وقعت في غرام أحمس، كما أن اسم ملك الهكسوس الأخير أمنوفيس وليس أبوفيس كما هو مذكور في رواية "كفاح طيبة"، مع إغفال تام لقصة "أفراس" النهر التي حاول بها ملك الهكسوس استفزاز المصريين في الجنوب، كذلك من المهم جداً لفت النظر إلى أن الهكسوس حكموا شمال مصر وليس جنوبها حيث أقام الهكسوس عاصمتهم أوراريس في شرق الدلتا ولم يحدث أبداً أن احتلوا طيبة متخذين منها عاصمة لهم، حيث أن احتلال الهكسوس تمركز في الدلتا ومنتصف مصر.
من بروفات العرض 

لم يشر الكاتب إلى أن سقنن رع استشهد في المعركة، بعد ما أسس حكماً قوياً في طيبة وبدأ في محاربة الهكسوس في الشمال، فدخل معهم في حروب طاحنة حقق فيها انتصاراً يُحسب له، لكنه مات في المعركة بجروح بليغة في رأسه منها شق رأسه ببلطة عميقاً، ولم يحدث أنه توفى جالساً على عرشه أبداً.
حكم كاموس الابن الأكبر لسقنن رع مصر ليكون آخر ملوك الأسرة السابعة عشر، وقد حقق في حكمه الذي استمر خمسة أعوام انتصارات عظيمة ضد الهكسوس محبطاً كل محاولاتهم لاختراق طيبة، بل اشتهر عنه التنكيل بالمصريين الذي يهادنون الهكسوس ويتعاملون معهم، وبعد أن قُتل كاموس أتى أحمس أخيه الصغير ليحقق الانتصار الأكبر ويحرر مصر كلها من الهكسوس، وبالطبع لا يمكن إغفال الدور العظيم الذي لعبته أمهما وزوجة سقنن رع الملكة تيتي شيري.
هذه محاولة بسيطة لتصحيح المغالطات التاريخية التي شملت النص كله للأسف، فلقد خرجت المسرحية لا تنتمي بأي حال من الأحوال للتاريخ، وإنما لفانتازيا روائية ألفها نجيب محفوظ.
بقى أن أشير إلى الإعداد الموسيقي للعرض والذي قدمه خالد درويش، وجاء موفقاً إلى حد كبير، حيث عبر بقوة عن حالة الصراع والحرب بالعمل، كما احتوى على نقلات سلسة من حالة الصراع إلى الحالة الرومانسية التي جمعت أحمس بابنة ملك الهكسوس في العرض ثم مع زوجته نفرتاري.
وبالطبع لا يمكن إغفال محمود مصطفى الذي لعب دور المايسترو لهذا العمل المسرحي الضخم بجدارة، فلقد أدار العمل من حيث تصميم الرقصات والحركة والإخراج باحترافية عالية، جعلتنا نستمتع بالعرض رغم التلفيق التاريخي المُخل لقصة أحمس، الفرعون المصري الذي خلده التاريخ وسيظل يخلده.

المقال منشور في جريدة القاهرة بتاريخ 6 فبراير 2018



الخميس، 18 يناير 2018

"الثامنة مساءً" مباراة مسرحية حامية يفوز بها الجمهور

بين الوهم والحقيقة وكيف يسجن الإنسان ذاته داخل الأوهام غافلاً عما بين يديه، تدور مسرحية "الثامنة مساء"، التي كتبتها ياسمين فراج عرابي بعذوبة لا تخرج إلا من  قلم أنثى تستطيع الدخول بين ثنايا التفاصيل الدقيقة للنفس البشرية.

اختارت ياسمين بيئة الصعيد مكاناً لتدور بها أحداث مسرحيتها، ربما لأن الصعيد حتى الآن مُغلق على عالمه الذي يمتد بعاداته وتقاليده لطبقات زمان ولى ولم يعد مناسباً لعصرنا الحالي، فأصبح يتقلب بين قشور الحاضر وأعماق الماضي، ليأتي العذاب البشري مناسباً تماماً لهذه الحالة من الوهم الذي لا يعرف للواقع المحيط به طريقاً.
الجذور التي ننشد إليها ونحن نبحث عن الخلاص منها، دون أن نبذل مجهوداً حقيقياً على الأرض، فنترك أنفسنا للضياع مستسلمين تماماً، بل ومتشبثين أيضاً.. هكذا دارت أحداث مسرحية "الثامنة مساءً"، التي كانت أقرب في الحوار المستخدم بين الأبطال إلى الدراما التلفزيونية من المسرحية.



تمكن المخرج هشام علي من القبض على خيوط الدراما، فاستطاع بحرفية مسرحية ذات رؤية تلفزيونية، أن يوهم المشاهد بأنه أمام شاشة عرض تلفزيونية، حيث تجتمع العائلة لمشاهدة مسلسل شديد التكثيف، وذلك بسلاسة مبهرة حيث استطاع أن يلعب بالإضاءة التي أشرف عليها كل من طارق عليان ومحمد عشري وأحمد فرج، فانتقل بين فكرة التركيز على المشاهد الفردية من خلال بقعة الضوء المتحركة، وفكرة التركيز على جزء من المسرح لتقديم مشهد بين اثنين داخل الفضاء المسرحي المظلم، فكان الانتقال من مشهد لآخر سريعاً وسلساً لا يفصل المشاهد عن متابعة الأحداث، بل ويوحي بأنها مشاهد فيديو مُمنتجة باحتراف.

نجحت المؤلفة والمخرج في تقديم الأحداث بشكل لا يبعث على الملل، حيث جاءت أحداث المسرحية مكثفة دون إخلال بعمق تفاصيل الفكرة، فخرجت المسرحية في شكل وجبة دسمة من الدراما الإنسانية الدافئة، والمُعَذِبة أيضاً، فلا يمكن أن لا تلمس حكاية "الثامنة مساءً" شيئاً ما داخل كل إنسان، حيث أننا جميعاً لدى كل واحد منا وهم يعيش داخل سجنه ولا يستطيع الفرار منه حتى يأكله تماماً أو يتمكن من التصالح مع فكرة التعايش معه، وقليلون هم من يستطيعون كسر حوائط السجن الصلبة لينجون بأرواحهم محلقين إلى فضاء الحقيقة والواقع.


بدأت المسرحية بقصائد شعرية عامية كتبها وأداها بصوته الشاعر عبد الله حسن، حيث قُدمت من خلال شاشة صغيرة في أعلى ديكور المسرح، احتوت على رسوم زيتية وديجيتال لحنان مجدي وأحمد أبو عقرب، كما تخللت أيضاً أحداث المسرحية كنوع من الفصل بين الأحداث، أو لتهيئة المشاهد للنقلة الدرامية التالية، فخرجت موفقة إلى حد كبير في قدرتها على تعميق الاندماج مع محتوى القصة، والتي لعب أدوارها مجموعة من الفنانين الكبار سواء من حيث تاريخهم الفني أو قدرتهم التمثيلية المتميزة.

ربما استطاع الفنان محمد عبد العظيم أن يثبت بأدائه أنه بالفعل الشخصية المحورية بالمسرحية، فلقد استطاع هذا الفنان القدير أن يتلاعب بحرفية بمشاعر المشاهدين، وإصابتهم بالحيرة، حيث لا يدري المشاهد إن كان عليه أن يكره هذه الشخصية أو يتعاطف معها. كانت قدرة عبد العظيم على التقلب بأدائه بين الجبروت والضعف من خلال أدائه الصوتي وتعبيرات وجهه وجسده موحية وملهمة، واستطاع أن يعيد إليّ ذكرى الفنان الراحل عبد الله غيث الذي كان يلتهم المسرح بجبروته المسرحي، ويخرج من كواليس خشبة المسرح وهو فائز بضحكات ودموع المشاهدين، وهذا ما فعله بالحرف الأستاذ الكبير محمد عبد العظيم الذي أخرج بيديه الآهات من قلوب المشاهدين، وكتم أيضاً انفعالهم وخوفهم وحيرتهم لتخرج من بين مآقيهم دموعا.


الفنانة القديرة وفاء الحكيم، لم تكن مفاجأة العرض، فهي ملكة المسرح بلا منازع منذ سنين طويلة وكان أداءها الرفيع تكملة لمشوارها المسرحي المٌلهم في عصر يفر فيه الممثلون نحو نجومية السينما والتلفزيون. إن وفاء تمتلك الساحة المسرحية وتعرف خطواتها جيداً عليها. حيث استطاعت بسهولة ممتنعة أن تحتكر عيون المشاهدين وتكسبهم لقضية شخصيتها، فهذه الزوجة المكلوم قلبها ورغم أنها خططت لقتل زوجها مثل الجميع، لم تستطع في النهاية سوى أن تكون الصدر الذي يتلقاه جثة هامدة وهي تحاول رغم كل شئ أن تُعيده إلى الحياة وإليها. فبين دهاء المرأة المطعونة بخنجر الخيانة وبين الزوجة المٌحبة لزوجها أوقعت وفاء الحكيم المشاهدين في حبائلها، فزادت حيرتهم حيرة جديدة، فاشتعلت المباراة بينها وبين محمد عبد العظيم ليخرج الجمهور موجوعاً وفائزاً في النهاية.

الفنانة الشابة لمياء كرم، كانت مفاجأة العرض بالفعل حيث اكتشفت شخصياً فنانة مسرحية موهوبة تستطيع أن تستدرج مشاهديها بخفة للوقوع في شرك الشخصية التي تتقلب بين العجز والأنوثة الطاغية والشر، فاستطاعت بالفعل أن تلعب ثلاثة أدوار مختلفة داخل عباءة شخصية واحدة، وتمكنت من تجسيد نفسية كل شخصية بحرفية عالية.

الثامنة مساءً من كل يوم هو موعد تنفيذ خطة الانتقام .. لكن يا ترى من سينتقم ممن؟ هذه هي اللعبة المسرحية التي تلعبها علينا ياسمين فرج عرابي، فكلنا بلا استثناء لدينا أسباب للانتقام، وكلنا لدينا خرائط معقدة للوجع، لكن من منا سيتمكن من القفز فوق خريطة أوجاعه لينجو؟ ومن سيظل مجاوراً للوجع يجتره ويعيد مضغه، ومن سيلتقط الخنجر أولاً ليزرعه في ظهر من؟

بيت جحا الذي لا أبواب له سوى باب واحد لا يعرف الوصول إليه إلا قليلون.. فهل أنت واحد من القلة؟ .. أعتقد تماماً أن مشاهدة هذه المسرحية ستساعدنا على الإجابة. 
نُشرت المقالة في جريدة القاهرة بتاريخ 16 يناير 2018

الأحد، 14 يناير 2018

"سلم نفسك" تفتح ملفات المصريين السوداء وتُصر على الأمل

كلمة السر .. (خالد جلال) ... نعم وهكذا بمنتهى البساطة فكلمة السر وراء خروج فنانين موهوبين ومحترفين على الساحة الفنية الآن، ساعدوا على إحياء الفن المسرحي والتلفزيوني وحتى السينمائي هي خالد جلال، فنظرة واحدة إلى نتاج ورشته المسرحية الأشهر في مصر ومنذ أكثر من عشرة سنوات تجعلنا نوقن أن هذا الرجل، حمل على كتفه عبئ نفخ الروح في جسد المسرح المصري الذي كان مريضاً بالفعل، فإذا بنا نشاهد أعمالاً هامة وأداءً مسرحياً رائعاً استطاع أن يعيد الجمهور إلى مقاعد المسارح بعد أن كانت خاوية، وبالطبع هناك أسماء أخرى معه لكنه يبرز على الساحة بشكل قوي من خلال الأسماء الكثيرة التي تخرج من أسفل جناحيه سواء في التمثيل أو الإخراج أو الديكور وتصميم الملابس وحتى التأليف والتلحين.


تشهد الساحة المسرحية الآن عملاً جديداً بعنوان "سلم نفسك" على مسرح مركز الإبداع الفني "الاستوديو"، وهو العمل الذي نتج عن ورشته المسرحية الثالثة - عرض مادة الارتجال لقسم التمثيل لهذه الدفعة - والذي لا يمكنك بعد مشاهدته أن تفكر بأن من شاركوا فيه مجرد ممثلين مبتدئين، فهم بالفعل استطاعوا أن يصلوا بأدائهم إلى مستوى الاحتراف، بل والعبقرية في الأداء، كلهم وبلا تفضيل لأحد على الآخر، وهذا ببساطة ما يفعله خالد جلال دون ضجة مبالغ فيها وبإخلاص وتفاني راهب في دير المسرح المقدس.
لعب جلال دور الدراما تورج لنص مسرحي كبير جداً كتبه خريجوا الدفعة الثالثة، فحسب قوله؛ كان لهذا العرض أن يصل إلى سبعة وعشرين ساعة مسرحية، لكنه استطاع بمهارته المعهودة أن يُكثفه في ثلاث ساعات تقريباً. ثلاث ساعات من المتعة المسرحية الخالصة، والتي لا تقتصر على استدراجك نحو مشاعر كثيرة مثل البهجة والابتسام والضحك بصوت عالٍ فقط، بل تدفعك نحو التفكير أيضاً والبحث في أعماقك عن علاقتك بكل المفردات من حولك في الحياة داخل مجتمعنا.
من خلال اسكتشات مسرحية متنوعة تقوم مسرحية "سلم نفسم" بتشريح المجتمع المصري بكل سلبياته، ورغم قسوة الطرح في إطار كوميديا شديدة السواد، إلا أن النص لا يخلو من أمل في التغيير نحو الأفضل من خلال ذلك الملف الغامض الذي يظل المشاهد طوال المسرحية يتساءل: ما هو؟
تبدأ المسرحية في زمن مستقبلي حيث الناس يعيشون حياة سعيدة ومستقرة في ظل إطار أخلاقي من العمل والعلم، ولكن المدينة تتعرض فجأة لفيروس غامض يتسبب في مرض خطير لا يمكن شفاؤه، وبالبحث عن سببه، اكتشفوا وجود مخلوق غريب على هيئة إنسان، ولكنه إنسان مختلف تماماً عنهم، فيتم توقيفه وترحيله إلى منطقة عزل، حيث الصراع يدور حول قتله أو محاولة علاجه، وبوضع هذا الإنسان الغريب على الجهاز الذي يفتش داخل عقله لتحليل وضعه العقلي والصحي بشكل عام، تنفتح كافة الملفات إلا ملف واحد يُعرفه الكمبيوتر بأنه: "هذا الملف مغلق وفي موقع عميق من ذهن الهدف ولا يفتح إلا بمعرفته هو فقط، وذلك عند الضرورة ووقت الخطر، لهذا هو عصي على الفهم ويصعب اختراقه أو هزيمته.. هذا هو السر."

تبدأ الطبيبة التي تصر على علاج هذا الإنسان في فتح الملفات بحثاً عن ملف إيجابي واحد تستطيع من خلاله إيجاد الدواء المناسب لعلاجه، لتبدأ الاسكتشات التي تُعبر عن كل ملف على حدة، حيث نبدأ من أول ملف والذي يوضح أن هذا المخلوق قادم من بلد يأكل فيها الناس بعضهم بألسنتهم، ثم ننتقل بعد ذلك إلى ملف "الفتك" فملف "الفتي"، و"لا تراجع ولا استسلام"، وملف "المرأة" ثم "أنا مش خرونج"، ثم ملف الإعلام القاتل، وملف الأمومة و "أنا ماسك إيديا"، و"ملوك الجدعنة"، و"سامبو وجولييت" الذي كان آخر أمل لدى تلك الطبيبة في العثور على شئ إيجابي واحد لدى هذا الإنسان والمجتمع الذي قدم منه، لكنها تصل إلى النقطة صفر حيث لا أمل في علاج هذا الرجل.
الصراع يظل قائماً حتى مع آخر ساعات من المهلة المتبقية لدى الطبيبة لتقديم علاج مناسب للرجل، ومع فقدان الأمل تُصر على موقفها فيطلبون منها أن تقدم تصور لمستقبل المدينة بعد ثلاثين عاماً، في حال سمحوا لهذا الإنسان أن يعيش بينهم، فيخرج التصور قاتماً، ما يزيد الصراع بين الطرفين، الطرف الذي يُصر على وجود أمل في الشفاء والطرف الذي يرى أن الحل في القتل.
لا يُنهي خالد جلال مسرحيته بانعدام الأمل، ولكنه يؤكد من خلال نص ورشته المتميز، أن الوصول إلى الهدف بالانطلاق من الملف الإيجابي الوحيد، يتضمن خطورة بالغة، ولكن الطبيبة توافق على خوض المخاطر، لنكتشف في النهاية أن حب الوطن هو الملف الإيجابي الوحيد والذي يمكن من خلاله أن ننطلق جميعاً نحو البناء والقضاء على سلبياتنا كافة.
إن ملفات مسرحية "سلم نفسك" موجعة ورغم أنها طُرحت بشكل كوميدي ورومانسي مبهج ورائق، إلا أنها مما لا شك فيه أثارت شجوناً كبيراً وتساؤل إن كان بإمكاننا فعلاً الخروج من ذلك النفق المُظلم الذي نرزح في ظلمائه، وإن كان بالفعل الانطلاق من محبة الوطن هو الحل الوحيد لدى الجميع.
هذه المسرحية البديعة والمبهرة في كافة تفاصيلها، حتى الإضاءة والملابس والديكور البسيط والمُعبر بقوة عن مفهوم المسرحية الأساسي، وأيضاً الموسيقى والأغاني والغناء، تم تقديمها من خلال مجموعة من المبتدئين الذي استطاع خالد جلال عجنهم بمياه عفاريته المسرحية، ليُشكلوا طاقة كبيرة ومٌتفجرة من الأداء المسرحي الشامل لكافة العناصر، حتى لأنهم جميعاً وبلا استثناء بإمكانهم أن يُثروا الساحة الفنية المصرية والعربية في أي منفذ كان، سواء سينما أو دراما تليفزيونية أو مسرح بالطبع.

من الصعب ذكر كافة الأسماء المشاركة بعرض "سلم نفسك" ولكن يكفي أن خالد جلال يتولى مهمة تقديمهم جميعاً بالاسم مع ذكر نبذة صغيرة عن كل واحد فيهم يومياً على خشبة مسرح الإبداع سواء في بداية العرض أو نهايته، فأنت ترى ببساطة في عينيه وأدائه الجسدي فرحة الأب بتفوق أبنائه، فنتاج الورشة الثالثة يرقى بالفعل إلى مستوى مسرح البوليفارد في أوروبا وأيضاً في برودواي، فهو عرض متكامل العناصر تم تقديمه باحترافية عالمية.
نُشر المقال في جريدة القاهرة 9 يناير 2018