الأربعاء، 13 سبتمبر، 2017

تشريح الحالة الجنسية للمجتمع المصري في "سيرة اللذة والجنس في مصر"



هذا كتاب عن الظمأ
ظمأ الجسد، وجوعه، وطرائق إشباعه أو "تحريره" عند رجال ونساء من الحاضر والماضي، عبر أقوال أثارت جدلاً وأفعال أحدثت زلزالاً في مجتمعات حائرة بين دين الفضيلة وديناميت الرغبات الجامحة.
هكذا؛ استهل الدكتور ياسر ثابت مقدمة كتابه " سيرة اللذة والجنس في مصر" والذي صدر العام الماضي 2016، ليلخص بكلمات بليغة محتوى بحثه الرصين في كوميديا الجنس السوداء التي يعيشها المجتمع المصري، الذي يقدم بحرفية شديدة قمة التناقض بين ظاهر الشخصية المصرية وباطنها، والتي تعلن بصخب دنس الجنس بينما تغرق داخله في الخفاء بنوع عالي الحرفية من التواطئ بين جميع أفراد الشعب رجاله ونسائه.
هذه الدراسة التي يمكننا أن نعدها فريدة من نوعها في مصر وربما في العالم العربي، حيث غالباً ما نتعرض إلى كتب مترجمة تقدم أبحاثاً لموضوع الجنس وتأثيره في البنية الاجتماعية للمجتمعات المختلفة، لكننا لا نجد ما يوازيها أو يقترب منها محلياً، فموضوع الجنس شائك وأحد أضلاع مثلث برمودا للمحرمات العربية (الدين والجنس والسياسة)، وحتى لو تجرأ كاتب وقدم بحثاً في الدين أو السياسة، فهو ينأى بنفسه بعيداً عن الجنس الذي دائماً ما يثير زوبعة من الرفض والاستهجان دون حتى الاطلاع على محتوى الكتاب.
يقترب دكتور ياسر من تابوه الجنس بحذر أيضاً، فهو يتعامل بذكاء شديد مع الموضوع، حيث لا يدخل في منطقة التحليل العميق للشخصية المصرية وسبب هوسها الجنسي، وعلاقتها المتناقضة معه، فهذا الشعب الذي تتمحور حياته بشكل كبير حول موضوع الجنس، ينفي الأمر طوال الوقت ويتخذ كافة التدابير للتضييق الجنسي الظاهري في حين يتسامح معه طالما كان داخل الدوائر المغلقة – ( تحتل مصر المركز الثاني عالمياً في أكثر عمليات بحث مرتبطة بالجنس على الإنترنت).
خلال ستة عشر فصلاً يتنقل ثابت بين مواضيع كثيرة حول سيرة الجنس في مصر، من سيرته بين المشاهير في الماضي والحاضر، إلى الجنس في الأعمال السينمائية والأدبية، ثم موضوع الجنس في الحجاب وأزيائه، والتراث المتحرر جنسياً أمام انغلاق عقولنا في الحاضر، والعلاقة بين المال وعشق العواجيز، ولم يغفل أيضاً التطرق إلى مسألة المثلية الجنسية وإن كان القانون قد جرمها صراحة؟
لكن في رأيي كان الفصل الأكثر قوة وربما تأثيراً في الكتاب، هو "تحرش قطاع عام" الذي تناول فيه موضوع التحرش من كافة جوانبه القانونية والاجتماعية، واستعرض ردود فعل المجتمع عليه سواء في الشارع أو عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، ثم انكاره لكونه موجود من قبل ليطفح على السطح في العشر سنين الأخيرة ويكتفي بوصفه بالظاهرة، إضافة إلى صورة مصر في الخارج وتناول موضوع التحرش بالسائحات.  كذلك لم يغفل السرد التاريخي إن جاز لنا التعبير لأشهر حوادث الاغتصاب والتحرش التي تناولها الإعلام المصري منذ الثمانينيات. ولا يغفل ثابت  التركيز الشعبي والإعلامي طوال الوقت في إلقاء اللوم دائماً على الضحية (المرأة), إضافة إلى مناقشة مسألة التحرش من حيث هي قصور أمني أم أزمة اجتماعية مفصلية لها علاقة بنظرة المجتمع للمرأة.
برشاقة معهودة يخط دكتور ياسر بحثه في سرد ممتع، برغم أنه في حقيقة الأمر يقدم دراسة أشبه بالتاريخية للأمر، من خلال رصده للحوادث التي تتمحور حول موضوع الجنس عبر الصحف ووسائل الإعلام المختلفة مع إضافة وسائل التواصل الإجتماعي وخاصة موقع الفيسبوك، الذي تحول إلى مسرحاً للتفاعل الاجتماعي المصري، يمكن من خلاله تقديم رؤية شبه واقعيه للحراك الاجتماعي داخل مصر.
تناول أيضاً الكتاب مسألة إثبات النسب، من خلال فصل "عز وزينة ومعركة التوأم" والذي أفرد فيه لتفاصيل القضية معتمداً على ما نٌشر عنها في الجرائد والمواقع الإخبارية، لكن الفصل لم يتوقف عند توأم عز وزينة بل فرد للعديد من قضايا النسب التي طالت مشاهير العرب.
ويعرج الكتاب أيضاً غرام السلفيين والإخوان من خلال فصل "جنس الأخوة"، لكننا نجده يقول:" الأكيد أن هناك من يطابق قوله فعله من حيث الالتزام وحسن الخلق، لكننا نتحدث عن نماذج لا يمكن تجاهلها أصيبت بتشوهات خطيرة نتيجة التناقض بين كبت مستمر تحت شعار الالتزام، ورغبة مستعرة تلهو سراً فتصنع ما تصنع."
وهنا أتساءل: هل يبرر ثابت كتابته لهذا الفصل حتى يتقي شر الأخوة والسلفيين؟ ولماذا لم يقدم مبررات لغيرهم من الفئات الأخرى التي تناولها في بحثه مثل الفنانين؟ فليس هناك من دليل على ان الانفلات الجنسي تختص به فئة دون الأخرى في المجتمع وليس عاديا أن تكون الفضائح الجنسية قاصرة على الفنانين مثلاً بينما هي أمر غريب على الإخوان والسلفيين، فإن كانت فضائح الفنانين هي الأكثر بروزاً فذلك لكونها تجذب القراء والمشاهدين أكثر، لكن في النهاية عندما قرر الإعلام أن يترصد الجماعات الدينية خلال 2011 و 2012، وأصبحوا مادة دسمة للمتابعة جماهيرياً، تصدرت فضائحهم عناوين المواقع الإخبارية.
من الفصول المميزة أيضاً، الفصل الخاص بالمخرجة إيناس الدغيدي التي تُعد بحق أيقونة مصرية لكسر تابوه الجنس في مصر، من خلال تناولها لموضوعه في أفلامها المختلفة، التي لطالما قوبلت بالهجوم اللاذع في الوقت الذي حققت فيه انتشاراً وجماهيرية كبيرة، إضافة إلى حضورها الإعلامي وآراؤها التي كانت صادمة للمجتمع.
كتاب "سيرة اللذة والجنس في مصر" يمكنه أن يكون بداية لتشجيع كتاب آخرين على تناول موضوع الجنس من جوانب أخري تشرح المجتمع المصري بطبقاته المختلفة وتدرس أزمة التناقض الذي يغرق فيها شعب كامل شغوف بالجنس لكنه ينكره.



الأربعاء، 2 أغسطس، 2017

"أحلام من أبي" .... سؤال الهوية الذي لا يكتوي بجمره سوى من يكبشه


ربما لا يشعر بحرق جمر النار سوى من يكبشها بكفيه كما يقولون، ولهذا ربما كان استيعابي ورؤيتي لكتاب " أحلام من أبي – قصة عرق وإرث" للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما؛ مغايراً لرؤية كثيرين قدموا مراجعات للكتاب الذي صدر أول مرة عام 1994، قبل أن يظهر اسم أوباماً كنجم من نجوم السياسة الأمريكية.




لقد تجسدت أمامي كل الآلام التي صاحبت رحلتي الطويلة مع محاولاتي المستميتة للبحث عن هويتي، فمن أنا؟ هو السؤال المؤرق لكل البشرية، لكن التحدي لدى من عاش تجربة الغياب التام للأب مختلف تماماً، وربما من عاش مثلي أيضاً في مدينة لا تشبهه ومعروف بين الجميع أنه فقط يسكنها لكنه ليس من أهلها، يضفي على تشتت الهوية بعداً آخر أكثر إيلاماً، فأنت دائما ما تقع تحت ضغط سؤالين: من هذا الرجل الذي أحمل اسمه وملامحه؟ ولماذا أتيت هنا؟
نعيش مع باراك أوباما خلال 500 صفحة في الترجمة التي قدمتها كل من هبة نجيب السيد مغربي وإيمان عبد الغني نجم ونشرها مركز كلمة بأبوظبي، رحلة صادقة وتفصيلية سردها أوباما ببراعة أدبية تضعة في مصاف الأدباء العالميين، جمع فيها بين سؤال الهوية خاصته وسؤال الهوية العالمي والخاص باحتلال الرجل الأبيض للعالم وفرضه لونه وملامحة وثقافته لتكون هي الأفضل دون التفكير في أفضليتها تلك على أساليب أخرى كانت موجودة وذابت في هوية الأبيض الرأسمالية الليبرالية.
لا يغيب عن القارئ نبرة التمرد والرفض لكل ما هو أبيض لدى أوباما، فهو من البداية أثناء سرده لتفاصيل طفولته أفرد لملاحظاته الخاصة بفرق اللون بينه وبين أمه وجده وجدته لأمه، وكذلك ما تابعه في مجلات ملقاة في السفارة الأمريكية بأندونيسيا لإعلانات تفتيح البشرة لتحصل النساء على اللون الأبيض باعتباره العلامة الأهم من علامات الجمال والجاذبية، ناهيك عن ألمه الخاص بخوف جدته من متابعة شاب لها في الشارع، كانت كل أسباب ارتيابها تكمن في لون بشرته الأسود. كل ذلك وهو لا يعرف الرجل الذي نقل إليه هذا اللون سوى من خلال صورة معلقة بمنزل جدته تجمعه بأمه أثناء زواجهما.
لم يقتصر سؤال الهوية أو العرق الذي ينتمي إليه عند هذه الحدود، فهو المولود على تخوم البيض ويحمل ملامح السود، لا يدري إلى أي العالمين تكمن ماهيته، حيث تختل موازينه في كلا العالمين ولا يشعر بالانتماء الكامل لأي منهما، فالتفوق الأبيض يطعنه في لونه بينما يكمن داخل دمائه، والعزلة السوداء تطعنه في قلبه بينما يحملها على جسده.
كانت لرحلة أوباما مع أمه إلى أندونيسيا ليعيش معها وزوجها الثاني، تأثيراً كبيراً في تكوين شخصيته، حيث تعلم كيف يمكن أن تتحايل على الحياة وأنت لست بأمريكي، وهذا المجهود الكبير الذي يمكن لطفل وشاب ورجل أن يبذله طالما لا يحمل الباسبور الأمريكي حتى لو كان يعيش خارج الحدود الأمريكية، فأعلام الولايات المتحدة ترفرف فوق حدود بلاد العالم وتتحكم بها وبأهلها، فتفرض عليهم أنماطاً من العيش لا تشبههم، وتجبرهم على مخاتلة المبادئ الأمريكية أو الخضوع لها بالكامل حتى يتمكنوا من كسب قوتهم اليومي ولا يتعرضون للرفض أو النبذ أو حتى السجن والقتل، حيث حكام تلك البلاد يخضعون لأمريكا بشكل أو بآخر ويقمعون أي محاولة لمواجهتها ورفضها.
كانت حياة أوباما بأندونيسيا بمثابة جرس تنبيه له كي يقدر كونه أمريكيا على هذه الأرض وعندما أعادته أمه ليكمل دراسته بأمريكا، حيث لم تكن ترضى عن المستوى التعليمي في أندونيسيا، رفض العودة إليها مرة أخرى وأصر على أن يستمر في إقامته مع جده وجدته في هاواي. لكن حياته في الولايات المتحدة لم تكن مثالية بالشكل الذي تخيله، فهو أسود اللون، وهذه غربة أخرى داخل ما يعتقد أنه الوطن، فهو يتجاهل تماماً والده وكينيا التي ينتمي إليها بالعرق أيضاً لأنه لا يعرف شيئاً عنها ولا يعرف شيئاً عن أبيه.
مرحلة أخرى ينتقل إليها أوباما في كتابه الممتع " أحلام من أبي"، ألا وهي مرحلة المراهقة التي حملت إليه أول لقاء له بأبيه، فهذا الرجل الذي كانت أمه وعائلتها يصفونه بالألمعية والذكاء، بدا له متواضع جداً و نحيف للغاية، بينما لم يستطع أن يتفاعل معه وأحاديثه إليه، فكان بمثابة عار لطم وجهه فجأة وهو يحاول أن ينتمي لشئ، لكن والده استطاع أن يجلب له الفخر والإعجاب عندما ذهب إلى مدرسته ليلقي على طلاب فصله محاضرة عن كينيا والقبيلة التي ينتمي إليها (لوو) وعن وظيفته أيضاً، لكن ذلك لم يمح إحساس الغربة تجاه أبيه ولم يشعر أنه بإمكانه أن يجلس إليه ليتجاذب معه أطراف الحديث.
وكما جاء كما ذهب، ليعود باراك وحيداً في طاحونة حياته غير المحددة فمن أنا وما الذي أتى بي هنا؟ يظلا السؤالان الجوهريان.
في المرحلة الثانوية يتعمد باراك أوباما أن ينخرط في تجمعات السود ويبتعد تماماً عن المجتمع الأبيض، لكن ذلك لم يجعله يقبض على هويته المنشودة، فمجتمعات الأمريكان من أصول أفريقية تعيش فكرة القهر والاستعباد الأبيض كجزء أصيل من الهوية، ولا يتخلص من هذا الإحساس إلا من يعتزل حياة السود وينتمي بالكامل إلى عالم الرجل الأبيض الرأسمالي بكل قوانينه المجحفة حتى لأصحاب البشرة السمراء مثله. ظل أوباما في حالة التخبط بين العالمين، فهو من ناحية لا ينتمي لمجتمع الأمريكيين من أصول أفريقية حيث أن والده قدم إلى الولايات المتحدة للدراسة بهارفارد ثم عاد مرة أخرى، ووالدته أمريكية بيضاء، ومن ناحية أخرى هو يواجه حكماً مؤبداً بالحياة بينهم بسبب لون بشرته.
ذلك النزاع النفسي الذي عاشه أوباما طوال مرحلة دراسته الثانوية، جعله لا يدري ما الذي يريده فعلاً في الحياة وما الذي يمكنه أن يفعله، فأجل فكرة الدراسة بالجامعة وقرر الانخراط في العمل الاجتماعي داخل أحياء السود، وبالفعل يبدأ في عمله هذا ويحقق إنجازات كثيرة تُحسب له، لكنه يتعرض خلال الفترة لكثير من المتناقضات داخل مجتمعات السود نفسها، فهم يقسمون أنفسهم وفقاً للأحياء والكنائس وهم أيضاً يهدفون إلى الخروج منها للعيش مع الرجل الأبيض كنوع من الارتقاء ولا يبقى سوى التعيس الذي لا ينوي فعل شئ في حياته سوى التذمر والتشدق بكراهية الرجل الأبيض وقوانينه.
في المرحلة التالية لحياة أوباما وقبل أن يلتحق بجامعة هارفارد مثل أبيه، يقرر القيام برحلة إلى كينيا للوقوف على جذوره بنفسه ومحاولة البحث عن أبيه الذي كان قد توفى بالفعل، في باقي إخوته وعماته وأجداده، تلك الرحلة التي أقحمت أوباما في مستوى آخر من أساليب العيش، ومستوى آخر من توغل الرجل الأبيض وسيطرته على أفريقيا وفقدان الكينيين لهويتهم وعاداتهم وتقاليدهم أمام قانون الرجل الأبيض ذو الأفضلية المهيمنة على العالم.

"أحلام من أبي" كتاب ممتع بحق يأخذك بنعومة إلى قسوة العالم المتناقض ويطعنك في هويتك التي تشعر أنك بشكل أو بآخر تخليت عنها أيضاً من أجل تبني ثقافة وهوية الرجل الأبيض، الذي تؤمن داخلك أنه المسيطر وذو الأفضلية في جميع أنحاء العالم، لكنك عندما تتكلم بصوت مسموع لا تفعل سوى أن تلعنه بينما تمضي قدماً وأنت لا تهدف إلا إلى أن يقبلك في عالمه حتى وأنت تعيش على أرض وطنك. 

الخميس، 20 يوليو، 2017

"قمر العشاق" ... مباراة صوفية ناعمة أضاءت خشبة المسرح القومي



"حضرة روحانية" هكذا ببساطة تشبه بساطة صفاء النفس في سبيل الوصول إلى الله، يمكن وصف عرض "قمر العشاق" الذي أضاء خشبة المسرح القومى في النصف الثاني من شهر رمضان. مباراة في عشق الله كتبها باقتدار الكاتب عبد الرحيم كمال الذي اشتهر بكتاباته الصوفية التي يحاول من خلالها التعبير عن كل كل أفكاره وتوصيلها للمشاهد على اختلاف نوعه ودرجة ثقافته، فهو ربما ينفرد باللعب في تلك الساحة وحده وكأنه  يأخذ على عاتقه مهمة تهذيب النفوس المشتتة في محاولة معرفة الله وكيفية الوصول إليه، وربما كان نص "قمر العشاق" البسيط في تركيبته الدرامية، مثالاً بارزاً على هذا الهدف، فهو يحاول أن يقول بهدوء أننا جميعاً مهما اختلفت مسالكنا في الحياة نبحث عن الله ونحاول الاهتداء إلى طريقه النوراني الذي يأخذنا إلى منطقة الراحة والشعور بالاستقرار مهما تلاطمت أمواج الحياة من حولنا.


من خلال ثلاث شخصيات أداها باقتدار على خشبة المسرح كل من الفنانة القديرة سوسن بدر والقديرين ناصر سيف وخالد الذهبي، نتابع ثلاث مسارات مختلفة متفارقة التقت في النهاية على تل "قمر العشاق"، هذا التل الذي يعد رمزاً للبرزخ الذي يلتقي فيه كل البشر في طريقهم النهائي إلى ملاقاة الله في نهاية رحلة الحياة وما بعد الموت للوصول إلى الآخرة التي لا تنتهي عنده وحده. وبفكر صوفي شديد الصفاء يجمع عبد الرحيم كمال ثلاثة يعبرون عن رحلتهم للوصول إلى الكشف وبلوغ ما وراء الحُجب حيث الله يجتمع عنده المحبون والذين أفنوا عمرهم من أجل وصله مهما اختلفت السُبل، حيث يُمثل الفنان خالد الذهبي ذلك الذي بلغ الكشف صدفةً أو هبةً من الله بعد أن كان فتىً مدللاً يأخذه الترف من لهو إلى آخر حتى بلغ قمته ولم يكن لديه غيره ليفعله، فكشف الله له الحجب وهو نائم ليمضي في حضرة جلاله متحبباً متقرباً منتظراً بلوغ المنتهى بماعيته سبحانه، وناصر سيف العالم المُفكر الذي خرج عن صندوق الراحة المُحدد لتعريف الله والوصول له من خلال الطقوس والشرائع المفروضة كقائمة جاهزة مُقدمة بسهولة من المجتمع والناس، وفضل الخروج على الله بالسؤال في كينونته وماهيته وضلال القوالب الجاهزة عنه ولم يعترف سوى بالعقل وحده لتفسير كل شئ على الأرض وأنكر تماماً السير في طريق الدين المُعبَد بلا تفكير أو تأمل، فتعامل بصلف مع كل المُحيطات المُقَولَبة لتعريف الحياة والموت والآخرة ومفردات الكون، لكنه في النهاية وصل إلى تل قمر العشاق الذي يجتمع فيه المُحبون الذين يبغون وصل الخالق جل جلاله. أما سوسن بدر فجسدت شخصية الإنسان الذي يعيش حياةً من كَبَد، فلا تأخذها بالتذمر ولكن بالتدبر، حيث قابلت الكثير من العثرات في الحياة وواجهتها بقوة وصلابة، فتعلمت حكمة الحياة ومنها عرفت الطريق إلى الله فكشف عنها الحجاب لتراه وتكون بماعيته.


ثلاث طُرق متفرقة مضى فيها الثلاثة تُعبر عن أدبيات الصوفية والتصوف، حيث يصل إلى الله ذلك الذي يخرج عليه ويُنكره، وذلك الذي يتجاهل وجوده وينغمس في الترف واللهو، وتلك التي تضيع بين طيات قسوة الحياة وصروف الزمن، فقط هم يختلفون عن غيرهم بشئ واحد ركز عليه الكاتب في نصه، ألا وهو القلب، فبلا قلب مُحب لا سبيل لنا للوصول إلى جلالته سبحانه.
يُحسب لعبد الرحيم كمال في نص "قمر العشاق"، أنسنة الشخصية المُلحدة التي يتعامل معها مجتمعنا بكراهية واستنكار وكأنها الشيطان مجسداً على الأرض، فيقول بوضوح أنه حتى الملحد يصل إلى الله بإلحاده ورفض كل ما هو رُوحاني بالتعامل مع الماديات فقط لتفسير الكون، فالخروج على الله هو اعتراف بالأساس به ومحاولة لرفض القوالب الجاهزة السطحية في تعريف الله وطريقه، فليس بالطقوس يكون الإيمان وإنما بالعقل المُحاط بنور القلب. أيضاً يُحسب له إثارة التعاطف مع العاصي اللاهي الغارق في الملذات فهو بقلبه يمكن أن يهديه الله السبيل القويم، أما جعل التجربة الحياتية الموجعة مُجسدة بواسطة امرأة فهي نقطة إيجابية تُحسب أيضاً للنص ولا أدري إن كانت مقصودة من قبل الكاتب أم لا؟، لكنني رأيتها هامة جداً حيث أنها كرست لفكرة عُمق التجربة الحياتية للنساء في مجتمعاتنا وأنهن لسن بكائنات سطحيات يعشن على هامش حياة الرجل.


استطاع المخرج محمد الخولي أن يُخرج النص من شكله التقليدي حيث ثلاثة ممثلين يلقون نصوصاً أقرب إلى الشعرية على مسامع المتلقين، ليحوله إلى نص مُتحرك رغم عدم وجود حركة على المسرح، فقد قسم المسرح إلى وحدتين منفصلتين يقف على جانبها الأيمن كل من ناصر سيف وخالد الذهبي، بينما تقف على الجانب الأيمن سوسن بدر، ثم وصل بينهما في الخلف بفرقة الفراديس للإنشاد الديني والصوفي وبذلك عبأ فضاء المسرح، ليخلق تفاعلاً بين عناصره الثلاثة بالتباري بين الممثلين في الحوار حول الله والخروج والوصول إليه بينما تلاحقهم "الفراديس" بنصوص إنشادية جمعت بين تلخيص محتوى كلامهم وبين الرشاقة في نفس الوقت، ما خلق حالة من السلطنة والسباحة في ملكوت الله دون لحظة انفصال واحدة عن ضوء خشبة المسرح، ساعده على تحقيق ذلك الديكور الذي نجح ناصر عبد الحافظ في إبداعه ليجعلنا نشعر بأننا مُعلقين في الفضاء بين الكواكب والمجرات يشملنا ضوء القمر والنجوم.
أما القمم التمثيلية التي جمعها هذا النص على خشبة مسرحية واحدة، فقد تمكنت من سحبنا بصوتها العميق والمُعبر بقوة عن كل كلمة كتبها عبد الرحيم كمال، فكانت بحق مباراة ناعمة بينهم فازوا فيها جميعاً.
نُشِرَ المقال في جريدة القاهرة عدد 11 يوليو 2017


الثلاثاء، 4 يوليو، 2017

ملك الأنسجة في العالم يخرج من قصور الإمبراطوريات ولا يفقد قيمته بين أيدي العامة

الحصول على قطعة حرير يوازي اقتناء الذهب والصين تحتكر السوق العالمية بمليارات الدولارات 


-         دودة القز تدور حول نفسها 300.000 مرة لبناء شرنقة واحدة


-         المصريون يقطعون أشجار التوت في الثمانينيات ويفقدون مجد الحرير

-         تعرف على أسعار الحرير العالمية وكيف نغسل مقتنياتنا دون تبديدها

-         طريق الحرير ... من أين بدأ وكيف انتهى؟ ولماذا احتكرت الصين سره لثلاثة آلاف عام

-         كوريا تطيح بعرش الصين والعرب يحولون الحرير لسلعة شعبية عالمية

-         النزاع الإيطالي الفرنسي حول الحرير ودور الحرب العالمية الثانية في القضاء على تجارته

-         النمل والنحل والعنكبوت والدبابير ينتجون حريراً أيضاً وحركة التجارة العالمية تتجاهلها

-         سبعة أسباب لاقتناء الملابس الحريريه و "الغالي تمنه فيه" 




غالباً ما يترجم الذهن (الحرير الطبيعي) إلى الإحساس بالرفاهية والنعيم، فمن هذا الذي تتثنى له فرصة لمس قطعة من الحرير دون أن يسرح بخياله في أروقة وممرات قصور من ذهب وبيارق فضة؟ ، لكن ماذا لو أخبرتكم عن التعريف العلمي للحرير؟
فالحرير علمياً عبارة عن ألياف بروتين حيواني يتم إنتاجها بواسطة حشرات معينة تبني شرانقها وشبكاتها، والحرير لا يقتصر على شكل ونوع واحد بل هناك أنواع مختلفة منه يتم إنتاجها بواسطة أنواع كثيرة جداً من الحشرات فضلاً عن حشرة العتة أو اليسروع، لكن كلها لم يتم استغلالها في الأغراض التجارية وإن كان هناك أبحاث علمية عديدة أثبتت هذا الأمر وعددت أنواع الحرير المميزة التي يمكن إنتاجها منها، ليبقى المشهور والمعروف هو إنتاج الحرير من اليرقات أي الحشرات ذات التحول الكامل.
وبشكل عام يتم إنتاج الحرير من الحشرات البالغة من (غازلات الشبك) فإنتاج الحرير مشهور لدى نوعيات حشرات الـ ( أرثربودا) مثل ( النحل والنمل والدبابير) وأحياناً تُستخدم في بناء أعشاشهم. كذلك فإن الحشرات اللافقارية تنتج الحرير وهي مجموعة ضخمة من الحشرات مثل العنكبوت، والذي يُستخدم إنتاجه تجارياً في منتجات بعينها مثل الأسلحة والتليسكوبات وغيرها من الأجهزة البصرية. أما العملية التجارية لصناعة الحرير فهي معقدة جدا وتحتاج لعمالة كثيفة، وهذا ما سنتناوله بالشرح لاحقاً.  



تربية دودة القز
تُعرف زراعة دودة الحرير بتربية دودة القز، فرغم أن الحرير مثلما عرفنا سابقاً يُنتج بواسطة أنواع متعددة من الحشرات،  لكن خيوط الحرير المُستخدمة من قبل خطوط الإنتاج التجارية لا تؤخذ إلا من حشرات الـ "بومبكس موري" و "عتة التوت" وعدد قليل آخر من الحشرات، ولكن للتبسيط على الناس لا يُستخدم سوى مصطلح عام وهو "دودة الحرير".
فقس البيض
تعد مرحلة زرع بيض دودة القز هي الأولى في إنتاج الحرير، وذلك في بيئة مُتَحَحكم بها جيداً داخل صناديق من الألومنيوم يتم فحصها جيداً للتأكد من خلوها من الأمراض، حيث تبيض الأنثى من 300 إلى 400 بيضة في المرة الواحدة، ما يعني أن مائة حشرة عتة تنتج ما يقارب الأربعين ألف بيضة، حيث تموت الأنثى بمجرد وضع بيضها بينما يموت الذكر بعدها بفترة وجيزة. ومن الغريب أن هذا الدود لا يأكل كثيراً عندما يبلغ ولا يأكل أبداً بمجرد أن يصل إلى مرحلة التكاثر.
يتم بعد ذلك احتضان البيض لمدة عشرة أيام حتى يتحول إلى يرقات  حيث يكون طولها إنش وربع أي في حجم رأس الدبوس.
مرحلة التغذية
تُنقل اليرقات بعد ذلك لتوضع أسفل طبقات ناعمة من الشاش وتُغَذَى بأوراق التوت المفروم أو مبشور قشر البرتقال والخس وهذا هو الوقت الذي تستبدل فيه جلدها أربع مرات، لكن اليرقات التي تتغذى على أوراق التوت هي التي تُنتج أفضل أنواع الحرير حيث تأكل خمسة آلاف مرة حجم وزنها، فعلى مدار ستة أسابيع من الأكل المستمر يتضاعف حجمها ليصل إلى 3 إنش، وبعدها تتوقف تماماً عن الأكل لتبدأ في تغيير لونها ويزيد وزنها إلى عشرة آلاف مرة قياساً بوزنها عند الفقس.  في ذلك الوقت تكون جاهزة لغزل شرنقة الحرير.
غزل الشرنقة
تقوم دودة الحرير في المرحلة المعروفة اصطلاحياً بالتشرنق، بربط نفسها بإطار يشبه المقصورة أو بغصين أو شُجيرة كمكان للتربية حتى تغزل شرنقة الحرير في فترة تمتد من ثلاثة إلى ثمانية أيام.
تمتلك دودة الحرير زوجاً من الغدد اللعابية المُعدلة والمعروفة باسم "سيركتيريس" والتي تُستخدم في إنتاج بروتين الفيبروين – مادة بروتينية رائقة ولزجة – الذي يُدفَع عبر فتحات اسمها "المغزال" موجودة على فم اليرقة.
تظهر الإفرازات السائلة من زوج الغدد اللعابية عبر "المغزال"، حيث يحدد قطر فتحة "المغزال" حجم سماكة خيط الحرير والذي يُنتج في شكل خيط طويل متصل.
تتحول الإفرازات إلى مادة صلبة بمجرد التعرض للهواء وتُشكل زوجاً من الخيوط المُكوَنة من بروتين الفيبروين. زوج ثانٍ من اللعاب يفرز سائل أشبه باللبان يُسمى "سيرسين" يقوم بربط نوعي الخيوط معاً. وبصرامة شديدة خلال أربعة أيام تقوم دودة الحرير بالدوران حول نفسها على شكل رقم 8 حوالي 300.000  مرة لبناء الشرنقة وإنتاج ما يقارب الكيلو متر من خيوط الحرير.
تضفير الخيوط
يتم التعامل مع الشرنقة في هذه المرحلة بالهواء الساخن أو البخار أو الماء المغلي لفصل الحرير عن الشرنقة بواسطة تليين مادة الـ "سيرسين"، ثم برقة شديدة يتم لف الخيوط من أربع إلى ثماني شرانق لتكوين بكرة واحدة.
ومادة الـ "سيرسين" تقوم بحماية ألياف الحرير أثناء عملية التكوين، وغالباً ما يتم تركها حتى مرحلة غزل النسيج، فالحرير الخام هو ما يحتوي على السيرسين، وبمجرد غسلها بواسطة الصابون والماء المغلي، تترك النسيج ناعماً ولامعاً وأخف بنسبة 30%. ومن المدهش أن كمية الحرير الموجود في كل شرنقة قليل جداً ويحتاج إلى 2500 دودة لإنتاج رطل واحد من الحرير الخام.






أنواع الحرير
يتم لف الحرير الخام في شكل بكرة بقوة ليكون جاهزاً للنسج والحياكة، حيث ينقسم إلى أربعة أنواع هي: ( كريب وترام وحبال الحرير المنفردة و الأورجانزا)، فالكريب مصنوع من لفائف خيوط الحرير الخام المفردة بمزاوجة اثنين أو أكثر معاً ثم برمها مرة أخرى، أما الترام فمصنوع بواسطة برم اثنين أو أكثر من الخيوط في اتجاه واحد. النوع الثالث والمعروف بحبال الحرير المنفردة فهو عبارة عن خيوط فردية مبرومة في اتجاه واحد، ليأتي النوع الأخير وهو الأورجانزا عبارة عن خيط صُنع ببرم الحرير الخام بشكل أولي، ثم برم اثنين من هذا الخيط معاً في الاتجاه المعاكس.
تاريخ الحرير

وفقاً للأسطورة الصينية الراسخة، كانت الإمبراطورة "هسي لينج شي" زوجة الإمبراطور هوانج تي والمعروف أيضاً بالإمبراطور الأصفر، هي أول شخص يكتشف بالصدفة استخدام الحرير كألياف نسيج.
ففي يوم من الأيام، كانت الإمبراطورة تجلس أسفل شجرة توت تحتسي الشاي، عندما سقطت شرنقة في فنجالها وبدأت تحل خيوطها، فوقعت الإمبراطورة في عشق منظر الخيوط المتلألئة، واكتشفت مصدرها حيث وجدت دودة البومبيكس موري في شجرة التوت الأبيض. بعدها بقليل قامت بتهجين دودة القز مصدر زراعة دود الحرير واخترعت البكرة ونول النسج. وهنا بدأ تاريخ الحرير.
وبغض النظر عن دقة الأسطورة المروية، فمما لا شك فيه أن مراجع مراحل إنتاج الحرير التاريخية تعود كلها إلى الصين منذ آلاف السنين حيث كانوا يحتكرون إنتاج وتجارة الحرير.
طريق الحرير
بدأ الحرير في الانتشار تدريجياً بالخروج من البلاط الملكي الصيني إلى جميع ربوع الصين ويتغلغل في ثقافة أهله الاجتماعية، وبدأت الملابس الحريرية تصل إلى مناطق أخرى بعيدة في قارة آسيا، وسرعان ما تحول إلى نسيج المرفهين في كل البلاد المفتوحة أمام التجار الصينيين بسبب ملمسه الناعم الشهواني.
لقد ساهمت زيادة الطلب على هذا النسيج المُنَعًم وما حققه من أرباح في تأسيس طريق تجاري أُطلق عليه "طريق الحرير"، حيث كان التجار يسلكونه في اتجاه الغرب لمقايضة الحرير بالذهب والصوف ومن ثم العودة شرقاً، ويبدو جلياً أن الحرير كان أكثر قيمة من الذهب، لتسمية الطريق باسمه، كما أنه من الواضح أن فهم تاريخ الحرير لن يكون كاملاً بمعزل عن استيعاب الدور الهام الذي لعبه طريق الحرير في التجارة العالمية وكمقدمة للتعريف بالعالم خارج حدود الصين.
امتد طريق الحرير إلى أربعة آلاف ميل من شرق الصين وحتى البحر الأبيض المتوسط، فقد كانت القافلة تسلك طريقاً طويلاً تبدأه مع سور الصين العظيم متجهة نحو الشمال الغربي بعبور صحراء "تاكلا مكان"، ثم تسلق جبل "بامير" وعبور أرض الدولة المعروفة الآن بأفغانستان، ومن ثم التوجه إلى بلاد الشام في الشرق حيث السوق التجاري الضخم في دمشق. ومن هناك يقوم التجار بشحن بضائعهم عبر البحر الأبيض المتوسط. قليل من الناس كان يقوم بالرحلة بأكملها حيث أن السائد هو تسليم البضائع لوسطاء تجاريين في مناطق توقف تجاري حتى نقطة النهاية.

سر الأسرار
أدرك الصينيون قيمة النسيج الرائع، ما جعلهم يحتفظون بطريقة إنتاج الحرير من بداية زراعة دودة القز وحتى النسج، كسر من الأسرار المقدسة ومنعوا خروج بيض الدود أو الشرانق خارج حدودهم، وإذا ما تم القبض على أحد المهربين فإنه يواجه مصير الإعدام، ما جعل إنتاج الحرير والتجارة فيه قاصرة على الصين على مدار ثلاثمائة قرن من الزمان.

انتشار دودة القز في آسيا وأوروبا
ظلت الصين محتكرة لإنتاج الحرير حتى العام 200 قبل الميلاد، عندما بدأت كوريا تشهد بواكير إنتاجها للحرير بمساعدة المهاجرين الصينيين الذين استقروا هناك، ومن ثم بدأ إنتاج وصناعة وتجارة الحرير تنتشر في الهند واليابان وفارس ليتحول إلى جزء أصيل من ثقافة تلك البلاد.
عرفت الإمبراطورية الرومانية تجارة الحرير أيضاً بسبب شهرته العالمية، وإن كان سر إنتاج الحرير لم يصل إلى أوروبا قبل عام 550 بعد الميلاد خلال الإمبراطورية البيزنطية، فوفقاً لأسطورة تاريخية معروفة جيداً بين صُنَّاع الحرير، قام الرهبان العاملين في بلاط الإمبراطور جوستنيان بتهريب بيض دودة الحرير في سيقان البامبو المُفَرَغة إلى القسطنطينية، حيث قام البلاط باحتكار الإنتاج والتجارة لنفسه لقرون عديدة واحتفظوا به سراً تماماً مثل الصينيين. لكن خلال القرن السابع الميلادي قام العرب بغزو بلاد فارس وكشفوا سر دودة القز الرائعة، ثم قاموا بنقل السر إلى بلادهم وإلى أفريقيا وصقلية وأسبانيا، حيث كانت الأندلس مركز إنتاج الحرير في القرن العاشر. وفي القرن الثالث عشر ودون أن ندري كيف، تحول مركز زراعة دودة القز وإنتاج خيوط الحرير ونسجه إلى إيطاليا حيث احتكر تجار فينيسيا تجارته بكثافة وشجعوا على سيطرة إيطاليا على هذه الصناعة، واستمر الأمر حتى الآن حيث تتمتع مقاطعة "كوكو" بسمعة طيبة على مستوى العالم في هذا المجال، وكان استخدام الحرير في العصور الوسطى قاصراً فقط على طبقة النبلاء.
لقد كان الحرير الإيطالي مشهور جداً لدرجة أن إمبراطور فرنسا فرانسيس الأول، دعا صناع الحرير الإيطاليين إلى فرنسا لإنشاء مصنعاً للحرير، وبالفعل تم إقامة الأنوال في "ليون" وتفوقت فرنسا في الأمر حتى أصبحت منافس قوي لإيطاليا في القرن السابع عشر ومازالت مصانع الحرير في ليون مشهورة حتى الآن لما تُنتجه من نسيج حريري نادر.


خريطة طريق الحرير 

خريطة طريق الحرير

دودة القز اليوم
شهد القرن التاسع عشر انهيار صناعة الحرير الطبيعي في أوروبا، فالحرير الياباني الرخيص والمدفوع بافتتاح قناة السويس كان أحد أسباب الانهيار، لكن ظهور وانتشار أنواع النسيج البشري مثل النايلون بدأت كذلك في العصف بقيمة وفرادة الحرير الطبيعي نظراً لاستخدامها في صناعة الجوارب وقماش المظلات، وأتت الحرب العالمية الثانية لتمنع ما تبقى من أوكسجين لهذه الصناعة، حيث قطعت الطريق أمام تجار اليابان. لكن اليابانيين احتفظوا بصناعتهم وطوروها ليعودوا بعد انتهاء الحرب إلى مكانتهم السابقة ويتربعوا على عرش إنتاج وتجارة الحرير حتى عام 1970، عندما بدأت الصين تتبع خطوات تاريخها وتعود إلى مكانتها الأولى، فإن كان هناك 125 ألف طن متري من الحرير يتم إنتاجه الآن، فإن الصين تستحوز على ثلثي هذا الإنتاج، لتأتي بعدها بلاد مثل اليابان والهند وكوريا وتايلاند وفييتنام وأوزباكستان والبرازيل والولايات المتحدة الأمريكية.
الحرير الطبيعي المصري
نعم لقد كان هناك إنتاجاً مميزاً للحرير في مصر، حيث دخل لأول مرة في عهد محمد علي واستطاعت مصر آنذاك أن تكون ضمن الدول الكبرى المنتجة للحرير الخام، واستمرت هذه الصناعة ما بين ازدهار وانحسار إلى أن تم القضاء عليها تماماً في الثمانينيات من القرن العشرين حيث تم قطع أغلب أشجار التوت في الريف المصري، وأصبح إنتاج مصر من الحرير يمثل واحدًا في الألف من الاحتياج المحلي، حيث لا يزيد على 4 أطنان من الحرير الخام، بينما تستهلك السوق المحلية 250 طنًّا سنويًّا، ويمثل واحدًا من 180 مليون من الاحتياجات العالمية. لكن وفقاً لوزارة الزراعة المصرية فإن الدولة تحاول توجيه المشاريع الصغيرة والمتوسطة الآن للعودة إلى إنتاج الحرير بتوفير شتلات شجر التوت وفتح باب استيرادها من الخارج.
فوائد الحرير
إضافة إلى نعومته الفاخرة وجماله البراق، فهناك فوائد عديدة أخرى للحرير تجعله يتفوق على كافة أنواع النسيج الأخرى سواء كانت طبيعية أو صناعية. وكل هذه المميزات أعطت للحرير الحق ليكون ملك جميع الأنسجة، فإن كانت مازالت لديك أسئلة بخصوصها وتتساءل لماذا؟ فإليك بعض من تلك الفوائد التي ستنهي الشكوك داخلك:
-         بسبب تكوينه البروتيني الطبيعي يعد الحرير مقاوماً طبيعياً لكل أنواع حساسية الجلد.
-         يعد النسيج المناسب لكافة أنواع المناخ، فهو يدفئ في الشتاء ويبرد الجلد في الصيف، وبسبب طبيعته المتناقضة التي تعمل بالتوازي مع كل جميع درجات الحرارة، تمثل الملابس الحريرية الطبقة الثانية تحت أي ملبس دون أن تُكسب شكل الجسم ضخامة.
-         الحرير قادر على امتصاص العرق لدرجة تصل إلى 30% زيادة عن وزنه، ما يجعله يمتص أي تَعَرُق سريعاً تاركاً البشرة تتنفس بحرية.
-         على الرغم من مظهره الرقيق وملمسه الناعم، إلا أنه نسيج قوي جداً من الصعب تآكله مع الزمن ويقاوم نفاذ التربة والروائح الخارجية إلى الجسم.
-         ليس من السهل تمزيق نسيج الحرير ويعد المعادل للصلب في الأنسجة.
-         من السهل صبغ الحرير بأي لون، كما أنه سهل أيضاً غزله ونسجه وحياكته وخياطته.
-         يختلط جيداً بأي نوع طبيعي آخر من الألياف النباتية أو الحيوانية مثل القطن والكتان والصوف.
حقائق مهمة عن الحرير
قبل أن تقرر الانضمام إلى ملايين الناس الذين يفضلون استخدام الحرير الطبيعي على أي نوع آخر من الأنسجة الطبيعية أوالصناعية، دعني أقدم لك بعض الحقائق عن ملك الأنسجة المتوج لتشعر بأهمية النسيج الذي يلامس جلدك.
-         مورست ثقافة الحرير لمدة خمسة آلاف سنة على الأقل في الصين.
-         دودة الحرير "بومبيكس موري" مصطلح لاتيني معناه: " دودة الحرير الخاصة بشجرة التوت"، وهي تقنياً ليست دودة ولكن يرقة عتة من فصيلة "بومبيسيداي".
-         النظام الغذائي الخاص بدودة القز يقتصر فقط على ورق التوت.
-         دودة الحرير "بومبيكس موري" لم تعد موجودة في الطبيعة وتعتمد في تكاثرها واستمرارها على الإنسان في المزارع المخصصة بإنتاج بيوض دودة القز، وهي تنتمي في الأصل إلى شمالي الصين.
-         أنثى دودة الحرير تبيض 400 بيضة في المرة الواحدة داخل حيز مكاني لا يزيد عن شاشة الكمبيوتر الشخصي، ما يعني أن مائة دودة سوف تبيض أكثر من أربعين ألف بيضة، الواحدة منها في حجم رأس الدبوس.
-         هكتار واحد من أشجار التوت ينتج حوالي إحدى عشر ألف طناً من الأوراق، وحوالي 450 رطل من الشرانق، وحوالي 85 رطلاً فقط من الحرير الخام.
-         الشرنقة مصنوعة من خيط مفرد متصل من الحرير الخام يصل طوله إلى كيلو متر.
-         لصنع رطل من الحرير نحتاج إلى 2000 إلى 3000 شرنقة. يمثل الرطل الواحد من الحرير 1000 ميل من الخيط.
-         لتفصيل كيمونو واحد نحتاج إلى 2000 شرنقة.
-         الإنتاج العالمي السنوي من الحرير يصل إلى 70 مليار ميل من خيوط الحرير، وهو ما يمثل من حيث المسافة 300 رحلة ذهاب وعودة من الأرض إلى الشمس.
-         بالقياس على مسافة كيلو متر لكل شرنقة، فخيوط عشر شرانق يمكن عند فردها الوصول نظرياً إلى قمة جبال إيفرست.
-         المظهر اللؤلؤي لسطح الحرير يأتي من شكل الثقب في الألياف المثلثية والتي تسمح لقطعة قماش الحرير أن تكسر الضوء الوارد إليها من أي اتجاه.
-         ألياف الحرير متماسكة جداً فهي تمثل 10 نانوميتر (1/ 2500 من البوصة) في القطر الواحد.
-         قوي كالصلب من حيث قوة الجذب، فالحرير هو أقوى أنواع الألياف الطبيعية التي عرفها الإنسان.
-         الحرير أقل كثافة مقارنة بالقطن والصوف والنايلون وبالتالي فهو الأفضل في امتصاص الرطوبة.
-         نسيج متعدد الاستخدامات فقد أثبت أنه مناسب للملابس الرسمية بقدر ملابس النوم ومناسب أيضاً للمظلات وللسجاد وفي صناعة الغرز الطبية وحتى الشرايين الصناعية.
-         حجم تداول الحرير في سوق النسيج العالمي ضئيل للغاية ويمثل حوالي 0.02%، ومع ذلك فحجم تداول منتجات الحرير يحقق الكثير من مليارات الدولارات، حيث يصل سعر وحدة الحرير إلى ما يزيد عن عشرين مرة من القطن الخام.
-         إنتاج الحرير عالمياً الآن يقدر بحوالي 125.000 طن متري، وتنفرد الصين بإنتاج حوالي 80% منه بينما تنفرد الهند بحوالي 10%.
-         اليابان وكوريا وتايلاند وفييتنام وأوزباكستان لديهم إنتاج متميز من الحرير الخام وغزل الحرير، كما تعد البرازيل هي الدولة غير الآسيوية الوحيدة التي تنتج حريراً مميزاً.
-         الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر مستورد للحرير في العالم.



 تنظيف وغسل الحرير
يحرص مصمموا الملابس الحريرية على نصح المستخدمين بعدم استخدام أي نوع من الغسيل المميكن مع قطع الملابس الحريرية، ويشددون على وجوب غسله باليد، حيث أنه سهل جداً في التخلص من الأوساخ والبقع التي قد تعلق به، وذلك لأن الغسالات الكهربية أياً كان نوعها تقوم بمزع النسيج في اتجاهين متضادين ما يتلف النسيج.
كذلك يهتم المصنوعون بنصح المستخدمين على عدم استخدام أي وسيلة تجفيف صناعية فلابد من نشر الملابس الحريرية في اتجاه واحد بالطريقة التقليدية وبعيداً عن أشعة الشمس المباشرة، كما يوصون أيضاً بعدم استخدام الحرارة العالية عند الكوي مع الأخذ في الاعتبار عدم ترطيب الحرير بالماء أثناء الكوي لأن ذلك سيترك علامات أشبه بالبقع، وللحفاظ على قطعة الملابس الحريرية مفرودة دون أي تجاعيد، يجب تعليقها داخل خزانات الملابس. ومن النصائح الطريفة لفرد الأقمشة الحريرية، يوصي الخبراء بعدم كوي الحرير من الأساس وإذا رغبنا في فرد التجاعيد، فلنعلق قطعة الملابس الحريرية داخل الحمام أثناء الاستحمام، حيث ستساعد الرطوبة المنبعثة من المياه الساخنة على فرد التجاعيد.









 أسعار الحرير
تتفاوت أسعار الحرير من بلد لأخرى لكنها في النهاية ترتبط بسعر عالمي مثل الذهب، ولكن التفاوت الضئيل في الأسعار يعتمد على نوع وجودة النسيج وانتمائه لأي بلد، حيث أن الحرير الصيني هو الأغلى على مستوى العالم.
يبلغ متوسط سعر متر الحرير المطبوع رقمياً حوالي 7 دولاراً، أما المطبوع يدوياً بواسطة فنانين متخصصين فيعتمد على اسم الفنان وبيت الأزياء الذي ينتمي إليه، لكنه على أية حال من الأحوال لن يقل عن 30 دولار للمتر، أما نسيج المفروشات المنزلية من الحرير فلا يقل سعر المتر منها عن 20 دولار.
عند شرائك وشاحاً 21x 70 سنتيمتر طباعة رقمية فلا تتوقع أن يقل سعره عن 40 دولار، لكنه قد يصل إلى 100 دولار، أما البيجامات الحريرية السادة فأسعارها تبدأ من 50 دولار وحتى 120 دولار، لكن بالنسبة لملابس الخروج سواء كانت عمل أو سهرة فبالإمكان الحصول على قميص بعشرين دولار وبنطلون بثلاثين وتتراوح أسعار فساتين السهرة من 100 دولار وحتى كل ما يتسع خيالك إلى أن يصل إليه.
قد يبدو الأمر أشبه بالمستحيلات لدينا نحن المصريين فمتر الحرير المطبوع رقمياً يبلغ حوالي 120 جنيهاً، لكن لماذا الفزع فالحصول على قطعة أو قطعتين من الملابس الحريرية يوازي تماماً اقتناء خاتماً أو أسورة من ذهب، فلما لا نستشعر الرفاهية على جلودنا باقتناء قطعة ملابس واحدة من الحرير؟
تم نشر الموضوع في جريدة القاهرة بتاريخ 4 يوليو 2017