الخميس، 18 يناير 2018

"الثامنة مساءً" مباراة مسرحية حامية يفوز بها الجمهور

بين الوهم والحقيقة وكيف يسجن الإنسان ذاته داخل الأوهام غافلاً عما بين يديه، تدور مسرحية "الثامنة مساء"، التي كتبتها ياسمين فراج عرابي بعذوبة لا تخرج إلا من  قلم أنثى تستطيع الدخول بين ثنايا التفاصيل الدقيقة للنفس البشرية.

اختارت ياسمين بيئة الصعيد مكاناً لتدور بها أحداث مسرحيتها، ربما لأن الصعيد حتى الآن مُغلق على عالمه الذي يمتد بعاداته وتقاليده لطبقات زمان ولى ولم يعد مناسباً لعصرنا الحالي، فأصبح يتقلب بين قشور الحاضر وأعماق الماضي، ليأتي العذاب البشري مناسباً تماماً لهذه الحالة من الوهم الذي لا يعرف للواقع المحيط به طريقاً.
الجذور التي ننشد إليها ونحن نبحث عن الخلاص منها، دون أن نبذل مجهوداً حقيقياً على الأرض، فنترك أنفسنا للضياع مستسلمين تماماً، بل ومتشبثين أيضاً.. هكذا دارت أحداث مسرحية "الثامنة مساءً"، التي كانت أقرب في الحوار المستخدم بين الأبطال إلى الدراما التلفزيونية من المسرحية.



تمكن المخرج هشام علي من القبض على خيوط الدراما، فاستطاع بحرفية مسرحية ذات رؤية تلفزيونية، أن يوهم المشاهد بأنه أمام شاشة عرض تلفزيونية، حيث تجتمع العائلة لمشاهدة مسلسل شديد التكثيف، وذلك بسلاسة مبهرة حيث استطاع أن يلعب بالإضاءة التي أشرف عليها كل من طارق عليان ومحمد عشري وأحمد فرج، فانتقل بين فكرة التركيز على المشاهد الفردية من خلال بقعة الضوء المتحركة، وفكرة التركيز على جزء من المسرح لتقديم مشهد بين اثنين داخل الفضاء المسرحي المظلم، فكان الانتقال من مشهد لآخر سريعاً وسلساً لا يفصل المشاهد عن متابعة الأحداث، بل ويوحي بأنها مشاهد فيديو مُمنتجة باحتراف.

نجحت المؤلفة والمخرج في تقديم الأحداث بشكل لا يبعث على الملل، حيث جاءت أحداث المسرحية مكثفة دون إخلال بعمق تفاصيل الفكرة، فخرجت المسرحية في شكل وجبة دسمة من الدراما الإنسانية الدافئة، والمُعَذِبة أيضاً، فلا يمكن أن لا تلمس حكاية "الثامنة مساءً" شيئاً ما داخل كل إنسان، حيث أننا جميعاً لدى كل واحد منا وهم يعيش داخل سجنه ولا يستطيع الفرار منه حتى يأكله تماماً أو يتمكن من التصالح مع فكرة التعايش معه، وقليلون هم من يستطيعون كسر حوائط السجن الصلبة لينجون بأرواحهم محلقين إلى فضاء الحقيقة والواقع.


بدأت المسرحية بقصائد شعرية عامية كتبها وأداها بصوته الشاعر عبد الله حسن، حيث قُدمت من خلال شاشة صغيرة في أعلى ديكور المسرح، احتوت على رسوم زيتية وديجيتال لحنان مجدي وأحمد أبو عقرب، كما تخللت أيضاً أحداث المسرحية كنوع من الفصل بين الأحداث، أو لتهيئة المشاهد للنقلة الدرامية التالية، فخرجت موفقة إلى حد كبير في قدرتها على تعميق الاندماج مع محتوى القصة، والتي لعب أدوارها مجموعة من الفنانين الكبار سواء من حيث تاريخهم الفني أو قدرتهم التمثيلية المتميزة.

ربما استطاع الفنان محمد عبد العظيم أن يثبت بأدائه أنه بالفعل الشخصية المحورية بالمسرحية، فلقد استطاع هذا الفنان القدير أن يتلاعب بحرفية بمشاعر المشاهدين، وإصابتهم بالحيرة، حيث لا يدري المشاهد إن كان عليه أن يكره هذه الشخصية أو يتعاطف معها. كانت قدرة عبد العظيم على التقلب بأدائه بين الجبروت والضعف من خلال أدائه الصوتي وتعبيرات وجهه وجسده موحية وملهمة، واستطاع أن يعيد إليّ ذكرى الفنان الراحل عبد الله غيث الذي كان يلتهم المسرح بجبروته المسرحي، ويخرج من كواليس خشبة المسرح وهو فائز بضحكات ودموع المشاهدين، وهذا ما فعله بالحرف الأستاذ الكبير محمد عبد العظيم الذي أخرج بيديه الآهات من قلوب المشاهدين، وكتم أيضاً انفعالهم وخوفهم وحيرتهم لتخرج من بين مآقيهم دموعا.


الفنانة القديرة وفاء الحكيم، لم تكن مفاجأة العرض، فهي ملكة المسرح بلا منازع منذ سنين طويلة وكان أداءها الرفيع تكملة لمشوارها المسرحي المٌلهم في عصر يفر فيه الممثلون نحو نجومية السينما والتلفزيون. إن وفاء تمتلك الساحة المسرحية وتعرف خطواتها جيداً عليها. حيث استطاعت بسهولة ممتنعة أن تحتكر عيون المشاهدين وتكسبهم لقضية شخصيتها، فهذه الزوجة المكلوم قلبها ورغم أنها خططت لقتل زوجها مثل الجميع، لم تستطع في النهاية سوى أن تكون الصدر الذي يتلقاه جثة هامدة وهي تحاول رغم كل شئ أن تُعيده إلى الحياة وإليها. فبين دهاء المرأة المطعونة بخنجر الخيانة وبين الزوجة المٌحبة لزوجها أوقعت وفاء الحكيم المشاهدين في حبائلها، فزادت حيرتهم حيرة جديدة، فاشتعلت المباراة بينها وبين محمد عبد العظيم ليخرج الجمهور موجوعاً وفائزاً في النهاية.

الفنانة الشابة لمياء كرم، كانت مفاجأة العرض بالفعل حيث اكتشفت شخصياً فنانة مسرحية موهوبة تستطيع أن تستدرج مشاهديها بخفة للوقوع في شرك الشخصية التي تتقلب بين العجز والأنوثة الطاغية والشر، فاستطاعت بالفعل أن تلعب ثلاثة أدوار مختلفة داخل عباءة شخصية واحدة، وتمكنت من تجسيد نفسية كل شخصية بحرفية عالية.

الثامنة مساءً من كل يوم هو موعد تنفيذ خطة الانتقام .. لكن يا ترى من سينتقم ممن؟ هذه هي اللعبة المسرحية التي تلعبها علينا ياسمين فرج عرابي، فكلنا بلا استثناء لدينا أسباب للانتقام، وكلنا لدينا خرائط معقدة للوجع، لكن من منا سيتمكن من القفز فوق خريطة أوجاعه لينجو؟ ومن سيظل مجاوراً للوجع يجتره ويعيد مضغه، ومن سيلتقط الخنجر أولاً ليزرعه في ظهر من؟

بيت جحا الذي لا أبواب له سوى باب واحد لا يعرف الوصول إليه إلا قليلون.. فهل أنت واحد من القلة؟ .. أعتقد تماماً أن مشاهدة هذه المسرحية ستساعدنا على الإجابة. 
نُشرت المقالة في جريدة القاهرة بتاريخ 16 يناير 2018

الأحد، 14 يناير 2018

"سلم نفسك" تفتح ملفات المصريين السوداء وتُصر على الأمل

كلمة السر .. (خالد جلال) ... نعم وهكذا بمنتهى البساطة فكلمة السر وراء خروج فنانين موهوبين ومحترفين على الساحة الفنية الآن، ساعدوا على إحياء الفن المسرحي والتلفزيوني وحتى السينمائي هي خالد جلال، فنظرة واحدة إلى نتاج ورشته المسرحية الأشهر في مصر ومنذ أكثر من عشرة سنوات تجعلنا نوقن أن هذا الرجل، حمل على كتفه عبئ نفخ الروح في جسد المسرح المصري الذي كان مريضاً بالفعل، فإذا بنا نشاهد أعمالاً هامة وأداءً مسرحياً رائعاً استطاع أن يعيد الجمهور إلى مقاعد المسارح بعد أن كانت خاوية، وبالطبع هناك أسماء أخرى معه لكنه يبرز على الساحة بشكل قوي من خلال الأسماء الكثيرة التي تخرج من أسفل جناحيه سواء في التمثيل أو الإخراج أو الديكور وتصميم الملابس وحتى التأليف والتلحين.


تشهد الساحة المسرحية الآن عملاً جديداً بعنوان "سلم نفسك" على مسرح مركز الإبداع الفني "الاستوديو"، وهو العمل الذي نتج عن ورشته المسرحية الثالثة - عرض مادة الارتجال لقسم التمثيل لهذه الدفعة - والذي لا يمكنك بعد مشاهدته أن تفكر بأن من شاركوا فيه مجرد ممثلين مبتدئين، فهم بالفعل استطاعوا أن يصلوا بأدائهم إلى مستوى الاحتراف، بل والعبقرية في الأداء، كلهم وبلا تفضيل لأحد على الآخر، وهذا ببساطة ما يفعله خالد جلال دون ضجة مبالغ فيها وبإخلاص وتفاني راهب في دير المسرح المقدس.
لعب جلال دور الدراما تورج لنص مسرحي كبير جداً كتبه خريجوا الدفعة الثالثة، فحسب قوله؛ كان لهذا العرض أن يصل إلى سبعة وعشرين ساعة مسرحية، لكنه استطاع بمهارته المعهودة أن يُكثفه في ثلاث ساعات تقريباً. ثلاث ساعات من المتعة المسرحية الخالصة، والتي لا تقتصر على استدراجك نحو مشاعر كثيرة مثل البهجة والابتسام والضحك بصوت عالٍ فقط، بل تدفعك نحو التفكير أيضاً والبحث في أعماقك عن علاقتك بكل المفردات من حولك في الحياة داخل مجتمعنا.
من خلال اسكتشات مسرحية متنوعة تقوم مسرحية "سلم نفسم" بتشريح المجتمع المصري بكل سلبياته، ورغم قسوة الطرح في إطار كوميديا شديدة السواد، إلا أن النص لا يخلو من أمل في التغيير نحو الأفضل من خلال ذلك الملف الغامض الذي يظل المشاهد طوال المسرحية يتساءل: ما هو؟
تبدأ المسرحية في زمن مستقبلي حيث الناس يعيشون حياة سعيدة ومستقرة في ظل إطار أخلاقي من العمل والعلم، ولكن المدينة تتعرض فجأة لفيروس غامض يتسبب في مرض خطير لا يمكن شفاؤه، وبالبحث عن سببه، اكتشفوا وجود مخلوق غريب على هيئة إنسان، ولكنه إنسان مختلف تماماً عنهم، فيتم توقيفه وترحيله إلى منطقة عزل، حيث الصراع يدور حول قتله أو محاولة علاجه، وبوضع هذا الإنسان الغريب على الجهاز الذي يفتش داخل عقله لتحليل وضعه العقلي والصحي بشكل عام، تنفتح كافة الملفات إلا ملف واحد يُعرفه الكمبيوتر بأنه: "هذا الملف مغلق وفي موقع عميق من ذهن الهدف ولا يفتح إلا بمعرفته هو فقط، وذلك عند الضرورة ووقت الخطر، لهذا هو عصي على الفهم ويصعب اختراقه أو هزيمته.. هذا هو السر."

تبدأ الطبيبة التي تصر على علاج هذا الإنسان في فتح الملفات بحثاً عن ملف إيجابي واحد تستطيع من خلاله إيجاد الدواء المناسب لعلاجه، لتبدأ الاسكتشات التي تُعبر عن كل ملف على حدة، حيث نبدأ من أول ملف والذي يوضح أن هذا المخلوق قادم من بلد يأكل فيها الناس بعضهم بألسنتهم، ثم ننتقل بعد ذلك إلى ملف "الفتك" فملف "الفتي"، و"لا تراجع ولا استسلام"، وملف "المرأة" ثم "أنا مش خرونج"، ثم ملف الإعلام القاتل، وملف الأمومة و "أنا ماسك إيديا"، و"ملوك الجدعنة"، و"سامبو وجولييت" الذي كان آخر أمل لدى تلك الطبيبة في العثور على شئ إيجابي واحد لدى هذا الإنسان والمجتمع الذي قدم منه، لكنها تصل إلى النقطة صفر حيث لا أمل في علاج هذا الرجل.
الصراع يظل قائماً حتى مع آخر ساعات من المهلة المتبقية لدى الطبيبة لتقديم علاج مناسب للرجل، ومع فقدان الأمل تُصر على موقفها فيطلبون منها أن تقدم تصور لمستقبل المدينة بعد ثلاثين عاماً، في حال سمحوا لهذا الإنسان أن يعيش بينهم، فيخرج التصور قاتماً، ما يزيد الصراع بين الطرفين، الطرف الذي يُصر على وجود أمل في الشفاء والطرف الذي يرى أن الحل في القتل.
لا يُنهي خالد جلال مسرحيته بانعدام الأمل، ولكنه يؤكد من خلال نص ورشته المتميز، أن الوصول إلى الهدف بالانطلاق من الملف الإيجابي الوحيد، يتضمن خطورة بالغة، ولكن الطبيبة توافق على خوض المخاطر، لنكتشف في النهاية أن حب الوطن هو الملف الإيجابي الوحيد والذي يمكن من خلاله أن ننطلق جميعاً نحو البناء والقضاء على سلبياتنا كافة.
إن ملفات مسرحية "سلم نفسك" موجعة ورغم أنها طُرحت بشكل كوميدي ورومانسي مبهج ورائق، إلا أنها مما لا شك فيه أثارت شجوناً كبيراً وتساؤل إن كان بإمكاننا فعلاً الخروج من ذلك النفق المُظلم الذي نرزح في ظلمائه، وإن كان بالفعل الانطلاق من محبة الوطن هو الحل الوحيد لدى الجميع.
هذه المسرحية البديعة والمبهرة في كافة تفاصيلها، حتى الإضاءة والملابس والديكور البسيط والمُعبر بقوة عن مفهوم المسرحية الأساسي، وأيضاً الموسيقى والأغاني والغناء، تم تقديمها من خلال مجموعة من المبتدئين الذي استطاع خالد جلال عجنهم بمياه عفاريته المسرحية، ليُشكلوا طاقة كبيرة ومٌتفجرة من الأداء المسرحي الشامل لكافة العناصر، حتى لأنهم جميعاً وبلا استثناء بإمكانهم أن يُثروا الساحة الفنية المصرية والعربية في أي منفذ كان، سواء سينما أو دراما تليفزيونية أو مسرح بالطبع.

من الصعب ذكر كافة الأسماء المشاركة بعرض "سلم نفسك" ولكن يكفي أن خالد جلال يتولى مهمة تقديمهم جميعاً بالاسم مع ذكر نبذة صغيرة عن كل واحد فيهم يومياً على خشبة مسرح الإبداع سواء في بداية العرض أو نهايته، فأنت ترى ببساطة في عينيه وأدائه الجسدي فرحة الأب بتفوق أبنائه، فنتاج الورشة الثالثة يرقى بالفعل إلى مستوى مسرح البوليفارد في أوروبا وأيضاً في برودواي، فهو عرض متكامل العناصر تم تقديمه باحترافية عالمية.
نُشر المقال في جريدة القاهرة 9 يناير 2018

الأربعاء، 22 نوفمبر 2017

صحراء منهاتن .. رواية تسطر بحرفية تداعيات حقبة التسعينيات وتراهن على الزمن

(صحراء منهاتن) رواية صدرت عن دار الدار في أول هذا العام 2017، للكاتب أيمن نيازي، الذي فيما يبدو وضع فيها تجربته الأدبية كاملة، حيث أنه ينتمي إلى جيل التسعينيات، لكنه لم يخض غمار الكتابة الروائية قبلها، ووفقاً له؛ فهي قد احتاجت إلى ثلاث سنوات حتى ينتهي من الكتابة الأخيرة لها.

تعتبر هذه الرواية من الروايات القليلة جداً لحد الندرة، التي تتناول فترة التحولات السياسية والاقتصادية العالمية، والتي بالطبع أثرت على الواقع العربي، وفرضت آليات جديدة للتعامل مع قضاياه العروبية، وبالطبع القضية المحورية التي تكاد أن تكون أزلية الآن ( القضية الفلسطينية)، ومنذ ذلك التحول الاجتماعي العربي من مدني حداثي إلى أصولي ديني، مع ظهور وتصاعد قوي الإسلام السياسي في السبعينيات التي دَيَنَت القضايا العربية التحررية، وحولتها من التحرر من الاستعمار الأجنبي للوطن، إلى التحرر من السيطرة الصليبية أو ( النصرانية الغربية) للبلاد والشعوب الإنسانية.
لم يغرق أيمن نيازي في أسر النقاش السياسي على حساب الدراما في الرواية، بل استطاع بمهارة تُحسب له أن يضفر التاريخ السياسي لتلك الحقبة التاريخية القريبة مع الأحداث الدرامية والشخوص ما بين أبطال وأشخاص ثانوية. ولا يمكن لقارئ الرواية أن يشعر أبداً أنه وقع في فخ المعلومات الغزيرة التي تقدمها الرواية، أو يرتبك في الربط ما بين تلك الأحداث وعلاقتها بالأبطال، فالدراما في الرواية بدأت من الصفحة الأولى وبدأ معها السرد المعلوماتي أيضاً، بحيث سارت الأحداث السياسية مع سير الشخصيات الروائية في خطين متشابكين طوال العمل، ليجد القارئ نفسه مع آخر صفحة أنه قرأ كتابين متعانقين بدلاً من كتاب واحد، الأول تاريخي سياسي لأحداث المنطقة منذ السبعينيات مع التركيز بالطبع على عقد التسعينيات، والثاني حكاية الأبطال أو الشخصيات المحورية في "صحراء منهاتن" أمل وحازم وبطل الرواية أو السارد الرئيسي فيها، الثلاثة الذين يمثلون جيل التسعينيات بالرواية، والذين كانوا انعكاساً حقيقياً لتأثير معركة قتل الوطنية العروبية طوال عشرين عاماً سابقة على مرحلة شبابهم (السبعينيات والثمانينيات).
لا يفرد أيمن نيازي أو يغرق في تفاصيل الأحداث التي مرت على جيل الآباء للشخصيات المحورية باعتبارهم سبباً رئيسياً في تحركات وتوجهات الثلاثة، لكن برشاقة ملحوظة في السرد والقفز ما بين الأحداث التي شملت عقوداً تصل إلى الأربعة، قدم خلفية سريعة لوالدي كل من حازم وطارق وأمل، وتمكن من بداية الرواية أن يغزل قماشة واسعة جداً يمكنه من خلالها أن يسرد تفاصيل كثيرة لأحداث مثيرة مع شخوص عديدة جداً، لا يمكن معها أن تتوه أو تفقد خيطاً بالدراما، بل على العكس ظهرت كل تلك الشخصيات وكأنها أبطال، وكانوا بالفعل فاعلين ومحركين للأحداث.
أنت مع أيمن نيازي في روايته الأولى "صحراء منهاتن" ستنتقل عبر البلاد من مصر إلى المملكة العربية السعودية إلى أفغانستان ثم السودان وفلسطين المحتلة وفلسطين السلطة وحماس والولايات المتحدة الأمريكية، بل إنه سيأخذك إلى أماكن أخرى أيضاً بشكل خاطف وسريع مثل فييتنام، وكل ذلك دون تشتيت للقارئ، ودون أن تشعر أنك تهت في أحداث لا لزوم لها.
لا أدري لماذا اختار نيازي اسم "صحراء منهاتن" تحديداً للرواية، ولكن ربما لأن بطل الرواية أو السارد الرئيسي لها، الذي كان بطلاً مركزياً نرى من خلاله الأحداث، استقر في النهاية بالولايات المتحدة وتحديداً في نيويورك بحي منهاتن، وربما أيضاً لأن نيازي يطرح وبثقة فكرة أن الولايات المتحدة، سبباً رئيسياً وربما المسبب الوحيد لصناعة التطرف الديني الإسلامي، وبالتالي تدمير وضياع مصائر بلاد كثيرة بما فيها هي شخصياً مع تفجير برجي التجارة العالمين عام 2001.
يتعدد صوت الراوي في الرواية، رغم أن لدينا راوي رئيسي وهو البطل الرئيسي، العقل المفكر الوحيد في ثلاثي التسعينيات، فهو الوحيد الذي لم ينجر وراء الشعارات الدينية أو الوطنية دون تفكير، ومنذ طفولته وهو يبصر ما يحدث حوله بدقة ويترجمه إلى تحليلات منطقية ساعده عليها أمه الناصرية القومية المتعصبة ثم أشخاص آخرون كان آخرهم الدكتور جلال أستاذه في الجامعة الذي قدم له منحة دراسة الدكتوراة في نيويورك، لكن هناك أيضاً صوت آخر لراوٍ عليم بكل شئ، يحكي خلفيات وقصص الآخرين، وربما يكون هو نفسه "البطل" ولكن من الصعب الجزم بذلك، حيث أن "البطل الرئيسي" مثلاً لم يكن شاهداً على أحداث عشق الدادة لعدنان في رام الله عندما كانت في مراهقتها وهو لم يأت إلى الحياة بعد، أو يروي قصة العلاقة الثلاثية المشبوهة بين السيناتور وليام وديفيد اليهودي والزوجة العشيقة في نفس الوقت.
بذكاء شديد يقدم نيازي قناعاته بأن التطرف الديني ليس إسلامياً فقط، بل هو مسيحي ويهودي أيضاً، ويقدم دلائلة من خلال الدراما على أن التطرف الإسلامي كان ومازال الأعلى صوتاً في العالم لأن أمريكا والقوى الغربية يدعمونه بالمال والسلاح لتحقيق أهدافهم سواء في المنطقة العربية أو في بلاد أخرى مثل أفغانستان للقضاء على التواجد الروسي هناك.
ومن اللافت للنظر أيضاً أنه لم يغفل إلقاء الضوء على سيطرة الرجل الأنجلوسكسوني الأبيض على مقدرات العالم الاقتصادية والسياسية منذ الاستعمار الأوروبي للمنطقة والعالم بداية من القرن الثامن عشر، والذي مازال مستمراً وممتداً وتتحرك بإرادته كل مصائر الكرة الأرضية حتى الآن، مع الإشارة البسيطة لأن عالم هذا الرجل الأبيض على وشك أن ينهار بإفصاحه في نهاية الرواية لأن ابن السيناتور وليام هو الابن الطبيعي لعشيق زوجته اليهودي، وكذلك بقرار توم الابن أن يتزوج من الفتاة الفيتنامية التي يحبها رغم عن إرادة والده الذي قالها صراحة؛ بأنه يمكنه العبث مع الفييتنامية لكن عند الزواج يجب أن يتزوج من كاثوليكية بيضاء.
ما بين جهاد حازم الذي وقع في براثن الجهاديين منذ دراسته في الجامعة، فأمضى حياته بين أفغانستان والسودان واليمن ثم أمريكا في النهاية لتفجير البرجين، وبين أمل ابنة القيادي في حماس حسن الزهار والسيدة المصرية المنحدرة من أصول أريستوقراطية زائلة، والمتخبطة بين الاسلامية والعروبية لفلسطين، وبين "البطل الرئيسي" الذي اختار ألا يكون فريسة لكل هؤلاء حتى والده الذي وقع أسير الحياة الرغدة بالعمل في الخليج وأمه التي ظلت متشبثة بعشقها لعبدالناصر وفكره القومي، نتنقل بين أحداث الرواية، التي تسطر نهاية درامية متميزة جداً، فبرشاقة يُحسد عليها فعلاً أنهى خيوط روايته المتشابكة بالشخصيات والأحداث في أربع صفحات فقط، حيث وضع نهاية لكل الأبطال بالرواية بما فيها الشخصيات الفرعية، بالتنقل بينهم جميعاً ورسم نهاية مصائرهم، كنوع من الهذيان وكأنه يعلن بصوت صارخ في الوجوه موت أوطاننا، والعبث الذي نعيشه الآن دون معنىً مفهوم لقيمة وجودنا على أرض لم نعد نعرف؛ هل هي أوطاننا فعلاً؟ أم أوطان الغرباء؟

رواية " صحراء منهاتن" رواية تستحق القراءة عن جدارة، فبين الكثير من الأعمال الأدبية التي تعبر دون أن تترك أثراً، يقف أيمن نيازي بروايته الأولى الناضجة جداً، في مكان له وحده، مقدماً عملاً أدبياً  لن يغفله الزمن بالتأكيد. 

الجمعة، 17 نوفمبر 2017

الأوركسترا يفتتح مهرجان الموسيقى العربية بتجربة خاصة تحتاج إلى تطوير

لا أستطيع أن أقول؛ إن تكوين أوركسترا بهذا الحجم من أجل تقديم مؤلفات عربية يُعد الأول من نوعه في مصر والمنطقة، فلقد شهد مهرجان الموسيقى العربية في دورات سابقة له العديد من الأوركسترات التي لعبت مؤلفات موسيقية لمؤلفين مصريين وعرب مصاحبة آلة شرقية كصولو مثل العود، لكنني يمكنني أن أقول إن ما قدمه الأوركسترا وبهذه التوليفة من الآلات الموسيقية في حفل افتتاح الدورة السادسة والعشرين من مهرجان الموسيقى العربية، يُعد عملاً نادر الحدوث في عالمنا العربي، لأننا وببساطة قمنا بالفصل العنيف بين كل ما هو عربي وما هو أوركسترا سيمفوني، فالسيمفونية مستقرة في وجداننا على أنها مُؤلف غربي ومن الصعب التفاهم معها عربياً رغم محاولات العديد من المؤلفين الموسيقيين المصريين والعرب تقديم مؤلفات سيمفونية، لم تحظ بالترحاب الكافي، ربما لأنها حاولت الدمج بين مفهوم الموسيقى الغربية ومفهوم الموسيقى الشرقية، ما كان غريباً على أذن حتى المهتمين والمتابعين.

مؤخراً برزت الموسيقى التصويرية الخاصة بالمسلسلات والأفلام، كمتنفس وحيد للمؤلفين الموسيقيين العرب، يقدمون من خلالها أفكارهم الموسيقية، وربما كان الراحل الكبير عمار الشريعي والموسيقار عمر خيرت، أبرز من حمل لواء هذا المسار ونقله إلى خشبة المسرح، ليكون شكلاً متناغماً يجمع بين رضا الجمهور والإطار العام لما هو معروف موسيقياً بالسيمفونيات.
عندما ذهبت إلى حفل افتتاح الأوبرا لحضور الأوركستر الذي تم تكوينه خصيصاً من أجل تقديم مؤلفات الموسيقيين العرب للدراما، تخيلت أنه سيتم العمل على تكوين مؤلف متعاشق لمجموعة من مؤلفات كل موسيقار، ليتم عزفها بشكل أشبه بالسيمفونية الكاملة، وذلك كان هو الوضع الأمثل أو الذي نحتاج لأخذ خطوة شجاعة لتنفيذه، لكن ما حدث هو تقديم عدداً من الموسيقات الخاصة بمجموعة من المسلسلات بشكل منفرد لكل مُؤلف موسيقي، وهو في رأيي الأمر المعتاد والذي لا يمثل إضافة كخطوة مستقبلية على طريق تطوير وتحديث القوالب الموسيقية العربية والتي وصلت حالياً لنوع من أنواع التشبع والجمود.
رغم ذلك جاءت التجربة مميزة ولم تخلو من النقاط الإيجابية التي تُحسب لهذا المجهود المميز، فلقد تم تقسيم العمل الموسيقي ككل إلى أقسام درامية، وربما في رأيي جاءت على عكس فكرة التصاعد الدرامي، حيث بدأ الأوركسترا بعزف المؤلفات التي تُجسد قمة الصراع أولا، والتي لعب بطولتها بامتياز المؤلف الموسيقي الكبير رعد خلف، الذي تم لعب ثلاث مقطوعات له هي : (مسلسل نابليون والمحروسة، ومسلسل مشرفة رجل من هذا المكان، ومسلسل حرب الجواسيس الذي تم دمجها  مع موسيقى مسلسل عابد كرمان).

وفيما عدا موسيقى مسلسل "مشرفة رجل من هذا الزمان" والتي كانت ناعمة وهادئة ومكتوبة للآلات الوترية بشكل خاص حيث لعب فيها الكمان والفيولا دوراً رئيسياً مع خلفية خافتة للتشيلو والكونترباص، تأتي باقي المؤلفات لتُعبر بقوة عن عقلية رعد التي تضج بقوة نبضات الحياة في قمة صراعها، فأنت أثناء مشاهدتك للأوركسترا وهو يعزف مقطوعة مسلسل "نابليون والمحروسة"، ستتوه عينيك بين الحركات الديناميكية الضاجة بالسرعة والتوتر المتصاعد لكل الآلات الموسيقية على المسرح، فلم يكن لآلة واحدة منها مجال للسكون والكمون، بل كان لكل واحدة دور مهم، وبدون صولوهات، فبأسلوب بوليفوني عالي الاحترافية جعل رعد الأوركسترا يعمل كخلية نحل مخضرمة، فالأوركسترا يستقبلك ودون سابق إنذار بقرعات قوية من آلة "التيمباني" الضخمة وعلى غير المعتاد يلعب "الباص درام" دوراً بارزاً بينما تقدم آلات النفخ جميعها (فلوت – ترومبيت – ترومبون – كورنو – فرنش كورن – فاجوت – أوبوا – باستوبا) حواراً منحوت الملامح ويمكن تمييزه بوضوح. هكذا كانت البداية التي خطفت آذان الحضور وحبست أنفاسهم لتضج القاعة بالتصفيق في النهاية.
جاءت موسيقى مسلسل "الكابوس" للمؤلف الموسيقي وقائد الأوركسترا في نفس الوقت الدكتور أحمد عاطف كفاصلة بين موسيقى رعد خلف وموسيقى الموسيقار التونسي الشاب أمين بوحافة، حيث تميزت الموسيقى بدور بارز لآلة الفيولا التي لعب الصولو الخاص بها دكتور أحمد عاطف بنفسه حيث انه صوليست هام ومرموق في مجاله، وكان صولو الفيولا الذي تكرر مرتين هو أبرز ما في المقطوعة.
يأتي بعد ذلك التصاعد الدرامي المعكوس لعمل الأوركسترا، حيث بزوغ المشكلة أو الحبكة الدرامية للعمل الموسيقي الشامل ، وقدمه بامتياز الموسيقار التونسي أمين بوحافة من خلال الموسيقى التي وضعها لأربعة أعمال درامية هي (جبل الحلال و جراند اوتيل ولا تطفئ الشمس و حارة اليهود)، والتي كانت الغلبة فيها للوتريات مع دور بارز لآلة البيانو وبدء ظهور صوت آلة الهارب، وبالطبع لعب على البيانو أمين بوحافة بنفسه على آلة بيانو خاصة تم إضافتها إلى المسرح أثناء عزف أعماله، إضافة إلى آلة الأوكرديون بشكلها الحديث المتمثل في كي بورد موصل ببوق نفخ عن طريق الفم، قدم بوحافة من خلال مزجه مع البيانو مهارة فائقة في العزف.
نعومة مقطوعات بوحافة شكلت وحدة متكاملة لم يشعر معها المستمع أنه ينصت إلى مقطوعات مختلفة، إضافة إلى صولو التشيلو الذي لعبه محمود صالح والذي أضفى شجناً وصوتاً رخيماً معتقاً للمقطوعات الموسيقيى التي عبرت بصدق عن الصراعات النفسية الداخلية المكتومة للإنسان.

كانت المقطوعات الموسيقية السابقة بالحفل فيما عدا "الكابوس"، قريبة أو متسقة أكثر مع الروح الموسيقية الغربية حيث لم تلعب فيها الآلات الموسيقية الشرقية التي كانت موجودة على المسرح (ناي،عود وقانون) دوراً يُذكر وربما اختفى بعضها تماماً مثل القانون والناي، لكن الموسيقار المصري تامر كروان أعاد معنى الموسيقى الشرقية المتطورة بمعناها الحرفي الشجي إلى الأوركسترا، من خلال مؤلفاته لمسلسلات ( ذات، سجن النسا، واحة الغروب)، حيث انضم إلى الأوركسترا عازفان لآلتين إيقاعيتين شرقيتين هما الرق والدف، واستطعنا أن نسمع بوضوح صوت العود والقانون، بينما ارتدت الوتريات جلباباً شرقياً فخماً أضاف زهواً محبباً على الأوركسترا وجذب آذان المستمعين على مقاعد الجمهور، خاصة عندما شدا المُطرب الغول وائل الفشني أغنية واحة الغروب، والذي أبهر بها الجميع حيث صوتاً فخماً يتلاعب بالمقامات ويصعد ويهبط على الطبقات الصوتية بانسيابية مبهرة.
وكما يقولون ختامه مسك، جاءت مؤلفات الموسيقار المصري الكبير راجح داوود من خلال موسيقى تتر مسلسل "هوانم جاردن سيتي" والتي غنت أغنيتها نهال نبيل. بعد ذلك  انضم إلى الأوركسترا (الكبار) من الصوليستات وعلى رأسهم الدكتورة إيناس عبد الدايم على الفلوت وهاني البدري على الناي، بينما لعب الكلارينت عمرو إمام والتشيلو محمود صالح، والبيانو والأورغن محمود مخيمر، والعود محمد عرفة، بينما قدم الأداء الصوتي سيد إمام، وذلك لمتطلبات المزج الموسيقي الرائع لمجموعة من مؤلفات الموسيقار راجح داوود وكان من بينها البسكاليا الشهيرة خاصته، حيث المعنى الحقيقي للموسيقى السيمفونية الشرقية والتي ربما يتفرد بها داوود وحده على الساحة العربية الآن حسب معلوماتي الخاصة.

ومن أكثر المزازيك الملهمة التي وضعها داوود في مؤلفاته؛ الحديث الرائق للفاجوت والعود، وكذلك الجدل الحاد الناعم بين آلتي النفخ الشرقية والغربية الفلوت (إيناس عبد الدايم) والناي (هاني البدري)، لينضم إليهما في الجدل القانون ويُشكل الرق والدف ظهيراً شعبياً زاهياً لهم في الخلفية، فمما لا شك فيه أن راجح داوود من أميز المؤلفين الموسيقيين الذين قاربوا في مؤلفاتهم بين الآلات الشرقية والغربية حيث أثبت أن بإمكانهما التفاهم والتحاور بتناغم.
وفي لفتة هامة تُعبر عن أن الفن الراقي المُعبر عن حركة التنوير العربية لا يتم إلا تحت لواء مصر، انتهت الحفل بعزف رشيق وخاطف لأغنية "اسلمي يا مصر"، التي لحنها الراحل صفر علي وصاغها أوركسترالياً الموسيقار الكبير راجح داوود.

تم نشر المقال في جريدة القاهرة الثقافية 7 نوفمبر 2017 


الأحد، 12 نوفمبر 2017

"الجلسة – شغل عفاريت" .. نص مسرحي تقليدي مُقَدَم بحرفية بالغة المهارة

مع رفع لافتة كامل العدد استطعت بمعجزة أن أحصل على مقعد إضافي داخل قاعة صلاح عبد الصبور في مسرح الطليعة، كي أتمكن من حضور مسرحية "الجلسة – شغل عفاريت"، ولا يمكنني أن أقول أن هذه حالة نادرة الآن في عروض البيت الفني للمسرح، والذي تشهد خشباته مؤخراً نشاطاً ورواجاً بين صفوف الجماهير من عشاق المسرح، الذين استطاع الجيل الجديد من الفنانين المسرحيين تحت قيادة متميزة، جذبهم وإعادتهم إلى مقاعد مسارح الدولة.

مسرحية "الجلسة – شغل عفاريت"، من تأليف وإخراج الفنان مناضل عنتر الذي يتميز برؤاه المسرحية المعاصرة، حيث جمع هذه المرة بين عناصر المسرح التقليدي والرقص المعاصر، في عرض يمكن لنا وصفه بالحالة المسرحية المغايرة لما هو سائد على الساحة، حيث ينجذب المشاهد بشدة لوتيرة المسرحية المتسارعة والموترة من أول مشهد لها، فلا يسمح له مناضل ومجموعة الفنانين المشاركين في العرض أن يلتقط أنفاسه دقيقة واحدة، فيكون من الطبيعي جداً أن تجد مشاهداً قد نهض من مقعده واضعاً كفية فوق رأسه من شدة الإثارة والترقب لفك طلاسم هذا العرض الذي يقوم على فكرة الصراع بين الإنسان والشيطان داخل حلبة السباق المحمومة والمفروضة على كليهما منذ بدء الخليقة.

تختلط الأفكار داخل المحتوى العام للسياق الدرامي بالمسرحية، فبين فكرة الجن غير المرئي والذي يتلبس الإنسان، وفكرة الاستعانة برجال الدين (مسيحي ومسلم) لتخليص الإنسان من هذا اللبس، يغرس مناضل الأفكار التي ربما تختلط في رأيه هو شخصياً وتجسد لديه صراعاً فكرياً، ويبدو هذا ملحوظاً في الخلط بين النصوص المقدسة وتراث الشخصيات الأسطورية الشعبية مثل "أمنا الغولة"، والشخصيات المقدسة داخل التوراة مثل ليليت والإنجيل مثل ماريا المجدلية، التي افترض مؤلف النص أن كل امرأة تولد من نسل ماريا مُعرضة لإغواء الشيطان واللبس، وبالتالي تأتي شخصية بطلة العرض الذي لعبت دورها باقتدار بليغ الجمال والقوة الفنانة إيمان غنيم، حيث فتاة مسيحية تقع تحت سطوة الجن فتعيش في أرق وقلق دائم يُغرقها في الإحساس بالغربة والتمعن في الوحدة واعتزال الناس.

يطرح النص أفكاراً تراثية مثل أن الفتاة التي تستغرق وقتاً طويلا في مطالعة نفسها في المرآة، تتعرض لإغواء الشيطان وأسره ومن ثم الوقوع في الرذيلة، كما يضع بعضاً من الأفكار الفلسفية الحداثية مثل نفي وجود شخصية الشيطان حيث أن فكرته موجودة داخلنا بالأساس، أو أن الفتاة ليست ملبوسة ولكنها مريضة نفسياً وتحتاج إلى العلاج النفسي وليس رجال الدين، على لسان شخصية الشيطان التي تفنن في أدائها بحرفية مسرحية عالية الفنان طه خليفة، كما يطرح فكرة تعرض رجال الدين أنفسهم وهم يصارعون الشيطان للوقوع تحت سيطرته حيث لا عاصم للإنسان سوى إرادته وقوة إيمانه.
حالة من الجدل التقليدي الخاص بفكرة اللبس وضعف الأنثى تحديداً أمام إغواء الشيطان، تم تغليفها بثوب مسرحي حديث، إضافة إلى السفسطة العقائدية بين الشيخ والقسيس الذي يتعرض كل واحد منهما للإغواء والاختبار في إيمانهما، لكن مناضل عنتر يأبى أن يجعلهما صيداً سهلاً للشيطان، حيث يتخلصا سريعاً من تأثيره ويفيقا لنفسهيما ناهضين مرة أخرى بقوة للبحث عن منفذ وحل داخل نصوص الدين والتراث لإنقاذ الفتاة، بين عدد لا حصر له من المحاورات بين الشيطان الأكبر ومساعديه وبين رجلي الدين المسيحي والإسلامي حول الشر الذي ينتصر دائماً بإسقاط الإمبراطوريات والممالك، وهنا يأتي السؤال المهم: وما هي فائدة حصول الشيطان على هذه الفتاة؟ وهو سؤال وجيه لم تقدم له المسرحية إجابة حقيقية وإنما طرح تقليدي يعيد إنتاج أفكار مجتمعية نتمنى الخلاص منها وليس تأكيدها، فالمرأة في رأي مناضل عنتر مازالت هي مصدر الفتنة والإثارة بجسدها المُشكلة ومن خلالها يمكن إفناء الأرض باستغلالها في إغواء الرجال، وهذا في رأيي لا يختلف مهما تم تغليفه بعناصر مسرحية حديثة عن أي طرح وهابي متطرف سائد في مجتمعاتنا العربية، ولا أدري أيضاً لماذا كان يجب أن تكون الفتاة الملبوسة بالجن مسيحية، فليس من الضروري أن تكون حفيدات ماريا المجدلية كلهن مسيحيات، إضافة إلى أنه من المفترض أن استخدام شخصية المجدلية استخداماً رمزياً لعملية التحول من العصيان إلى الإيمان.

استخدام شخصيتين لرجلي دين يمثلان الدينين الرسميين بمصر كان في رأيي نوعاً من السذاجة الفكرية أشبه بصور التقبيل والمصافحة بعد كل حادث إرهابي بين ممثلي الدينين في مصر، فلقد كان يكفي أن يمثل الدين في المسرحية شخصية واحدة تتحدث بمنطقه دون تحديد الكتاب المقدس الذي يتبعه، فمع استخدام شخصية ماريا المجدلية وربط فكرة أن حفيدتها مسيحية ظهر دور الشيخ باهتاً بلا معنى بينما دور القسيس أكثر قوة في تجسيد الصراع بين الشيطان والدين.
لا يمكنني أن أنكر أنه على تقليدية الفكرة واستخدامها لرموز أكثر تقليدية، خرج النص مكتوباً بحرفية عالية استطاع من خلال الفنانين أن يحبس الأنفاس في صالة المسرح، لكن لأن محتوى النص تقليدي، خرج أداء الممثلين أيضاً قريباً جداً من الأداء المسرحي الواقعي، فللجن طريقة في الكلام بالتأكيد يجب أن تكون مليئة بالفحيح، وللشر أسلوباً في الحكي والضحك وحتى السير، لكنني أيضاً لا يمكنني أن أنكر أن هذا الأداء التقليدي خرج ممتعاً جداً.
كانت العروض الراقصة بالمسرحية متميزة على أنها تحتاج إلى فضاء مسرحي أكثر رحابة من طبيعة قاعة صلاح عبد الصبور الضيقة والمحدودة، كذلك المكياج والملابس خرجا مناسبين إلى حد كبير لطبيعة المسرحية وطرحها التقليدي لتجسيد فكرة الشيطان حيث الاعتماد على اللونين الأسود والأحمر، ونفس الشئ حدث مع الديكور والإضاءة حيث الشياطين تخرج من أسفل الأرض ولا تتعامل إلا من خلال إضاءات أقرب إلى لون النار. أما الموسيقى فكانت متميزة جداً حيث جمعت بين أغاني الزار التراثية القديمة وموسيقى تحمل الكثير من الغموض والسؤال.
وينتصر مناضل عنتر في مسرحيته "الجلسة" إلى الشر حيث يجعل الشيطان يُغوي الفتاة بقتل نفسها في لحظة مخادعة بقمة الصراع بينه وبين رجلي الدين، فيفوز بحبس أنفاس المشاهدين الذين تسود بينهم حالة صمت ثم تساؤل إن كانت المسرحية قد انتهت؟ ليدركوا الأمر بعد لحظات تمر عليهم وكأنها زمن طويل، بعدها ينهض الجميع من مقعده في وصلة تصفيق لا تنتهي. وربما انتصر مناضل للشيطان بمسرحيته ليدلل في النهاية عدم قدرة الدين على مخاطبة الناس الآن من خلال طرحه التقليدي الذي لا يناسب العصر، لكن هذا الأمر كان بالنسبة لي مثل موجة أفلام المخدرات التي تنتهي بأن مصير المدمن الفناء ولكن بعد أن يعيش حياة حافلة بالاستمتاع واللذة.
مسرحية "الجلسة – شغل عفاريت" نص مسرحي تقليدي مصنوع بحرفية شديدة المهارة والروعة، ولذلك أتمنى أن يحضره الجميع ولكن بعقل نقدي حيث الاستسلام لطرح المحتوى الفكري للمسرحية مخادع وفي رأيي ينتصر للسلفية على الفكر الحداثي في تناول علاقة الدين بأزمات النفس البشرية والصراع بين الإنسان وتقاليد المجتمع الرجعية الخانقة.
تم نشر المقال في جريدة القاهرة بتاريخ 7 نوفمبر 2017 


الثلاثاء، 17 أكتوبر 2017

"القرصان" عرض باليه يجمع عناصر الجمال الكلاسيكي ممزوج بروح الشرق الأسطورية

"لي كورسير" أو القرصان، هو  في الأصل عرض باليه يُقدم في ثلاثة فصول مع نص أوبرالي محكي، قام بإبداعه كل من جوليوس هنري فيرناي دي سانت و جورج لوسلي مستوحيين النص من قصيدة "القرصان" للورد بايرون. قُدم العرض لأول مرة بشكل متطور على المسرح الإمبراطوري بأوبرا باريس في الثالث والعشرين من يناير عام 1865، لكن كل الإنتاجات الحديثة لعرض القرصان مبنية على العرض المستحدث الذي قدمته فرقة باليه ماستر ماريوس بيتيبا للباليه الإمبراطوري في سان بيتريسبرج بعد ذلك.

ونظراً لأن باليه القرصان يحتوي على العديد من المشاهد الراقصة الاحتفالية ما يجعله محبباً لدى الجمهور على اختلاف العصور، حظى بتحديثات عدة، منها عام 1955 على يد فرقة باليه بيوتر جيوزف التي قدمت نسخة جديدة للقرصان على مسرح مالي للبالية بليننجراد، وفي عام 1973 قدمت فرقة باليه كيروف لقسطنطين سيرجييف نسخة محدثة أيضاً تحتوي على مشاهد راقصة جديدة، ليشهد العرض تحديثاً شاملاً على يد مسرح البلشوي عام 2007، وربما إعادة إحياء كاملة بعد سنين طويلة من النسيان، ليعود ويجوب العالم من خلال فرق باليه أوروبية كانت أولها فرقة الباليه الوطني الإنجليزية عام 2013، وقدمتها فرقة باليه أوبرا القاهرة لأول مرة في الشرق الأوسط منذ خمس سنوات لتعود إلى تقديمها الآن في ثوب مبهر يليق بالمسرح الكبير وجمهوره.
تدور أحداث باليه "القرصان" في منطقة الشرق وتحديداً في أحد الموانئ التي تقع على مضيق البسفور، حيث نشاهد في بداية العرض مع موسيقى تُجسد الصراع، مقاومة القراصنة لعاصفة شديدة تواجه سفينتهم ما يُعرضها للتحطم بالقرب من الميناء. يُعرض المشهد من خلف ستارة شفافة توحي بالضباب وبعد المسافة بين السفينة والمشاهدين في صالة المسرح، لترتفع بعد ذلك ونحن نشاهد مجموعة من الفتيات ينجحن في إنقاذ قائد السفينة "نور الدين"، ومساعده "علي" وبعض الأتباع.

مع بداية المشهد الأول نتعرف على ياسمين وجولنار اللتان تنقذان نور الدين وعلي، فيقع القرصانان في عشق الفتاتين، لكن يظهر فجأة تاجر الجواري أحمد مع العسكر الذين يهجمون على الجمع وينجحون في أسر الفتيات استعداداً لبيعهن في سوق الجواري.
في المشهد الثاني من الفصل الأول يتحول ديكور المسرح إلى سوق كبير للجواري، يعج بالتجار الذين أتوا لشراء الفتيات ومعهم الثري سعيد باشا. حيث نشاهد رقصة العبيد التي أضافها بيتيبا على موسيقى أمير أولدينبرج بيتر جورجفيتش، وصاغها في شكل رقصة ثنائية تعبيرية يعرض فيها أحمد بائع الجواري الفتيات على الأغنياء لشرائهن، وتحتوي الرقصة على حركات شرقية مستوحاة من الرقص الشرقي مع الاستعانة بتنويعات موسيقية شرقية أيضاً.  

الرقصة الثانية بالمشهد الثاني هي رقصة الجاريات الثلاث والتي كانت في الأصل عبارة عن فالس فقط تؤديها جاريات ثلاث على موسيقى أدولف آدم، ثم قام بوجني بإضافة أجزاء موسيقية جديدة لتتحول إلى رقصة ثلاثية تستهل بالفالس ثم يتبعها تنويعات على اللحن الأصلي، وهذه الرقصة تعتمد على أسلوب رقص الباليه الكلاسيكي ولا تحمل أي عناصر شرقية في الحركات أو الموسيقى.
ينجح سعيد باشا في شراء جولنار وقبل أن يشتري ياسمين، يدخل نور الدين والقراصنة متخفيين في زي تجار عرب وينجح في شراء ياسمين، لكنه بعد أن يفصح عن شخصيته الحقيقية لها، تقع مشاجرة كبيرة بين القراصنة والعسكر الذين يساعدون سعيداً في اختطاف ياسمين والفتيات ولكن نور الدين يتمكن من القبض على تاجر الجواري أحمد ويرغمه على اصطحابه لمنزل سعيد باشا.
في الفصل الثاني ننتقل إلى قصر سعيد باشا حيث جناح الحريم المزدان بالثريات والبلورات الرقراقة والستائر المُخملية. يظهر الباشا وهو يحاول استمالة ياسمين له بالإغداق عليها بالمجوهرات في حركات تعبيرية راقصة، لكنها ترفضه ما يثير حفيظته ويترك المكان غاضباً.
مع إظلام خشبة المسرح يتغير الديكور ليقدم حديقة القصر في المشهد الثاني من الفصل الثاني، ونشاهد أحمد وهو يرشو الحرس لفك أسر ياسمين وجولنار وباقي الفتيات، وبعد أن يلتقي نور الدين بياسمين ويقدما رقصة باليه كلاسيكية تُعبر عن الحب الذي يجمعهما، يدخل عليهما سعيد باشا ويأمر حراسه بالقبض على الحبيبين.

المشهد الثالث من الفصل الثاني لا يقدم أحداثاً إضافية، وهو بشكل كبير مُصمم لتقديم متعة متابعة الرقص على الموسيقى الرومانسية الساحرة، حيث نور الدين في الأسر نائماً من التعب ويحلم بنفسه مع حبيبته في حديقة مليئة بالأشجار. هذا المشهد مشهور باسم "الحديقة المسحورة" ويرجع تاريخ تصميمه عندما أعاد مازلييه عرض باليه القرصان في باريس عام 1865، حيث أضاف إليه رقصة جماعية أسماها "رقصة الزهور" على موسيقى ليو ديليب وبعد عام قام بيتيبا بالتوسع في تصميم هذه الرقصة وأسماها مشهد الحديقة المسحورة، ليقوم بوجني بتوسيع فالس الافتتاحية لديليب وإضافة تنويعين جديدين للموسيقى الأصلية.
في المشهد الرابع من الفصل الثاني يستيقظ نور الدين من حلمه الساحر ليجد من حوله رفاقه، وقد استطاعوا أن يحرروه من الأسر، ليدخل سعيد باشا ومعه الحرس ونشاهد معركة راقصة على موسيقى تتسم بالقوة لتوحي بشدة المعركة بين الجميع، والتي ينجح فيها القراصنة ويحرروا الفتيات والهروب بهن.

الفصل الثالث والأخير من باليه القرصان، يتكون من مشهد واحد احتفالي بشكل كبير، حيث لا نتابع أحداثاً هامة، فقط نشاهد وصول القراصنة إلى الجزيرة سعداء بالفوز وتحرير الفتيات، ويحاول بعض القراصنة الانتقام من أحمد تاجر الجواري لكن نور الدين يتدخل ليخبرهم أن أحمد هو من ساعدهم في إنقاذ الفتيات.
نشاهد في الفصل عدداً من الرقصات الجماعية الاحتفالية، ليبدأ أبطال العرض نور الدين وياسمين وعلي وجولنار في تقديم رقصات متشابكة حيث تبدأ الرقصة بشكل رباعي للراقصين الأربعة، ثم ينفصلا ليقدما رقصات ثنائية لكل من علي وجولنار ثم ياسمين ونور الدين، ليبدأوا بعد ذلك في تقديم صولهات راقصة ممتعة للغاية.

لا يمكننا إغفال دور الإضاءة التي صممها ياسر شعلان والتي اعتمدت طوال العرض على التعبير عن فكرة الأسطورة التي تعتمد عليها قصة القرصان، فهي تتضامن بشكل كبير مع ألوان ملابس الراقصات بين الأزرق والبنفسجي الفاتح والوردي، ما لعب دوراً كبيراً في تعليق قلوب المشاهدين بالعرض، كذلك لم يستخدم ياسر إضاءات قوية وصريحة سوى في مشاهد مثل مشهد سوق الجواري، بينما اعتمد الإضاءة الداكنة المكتومة في قصر سعيد باشا ليوحي بالظلم والقهر والطمع في بيت هذا التاجر الثري.
لعب الأوركسترا دوراً هاماً في العرض، حيث كان أدائه تحت قيادة قائد الأوركسترا ديفيد كريشينزي ناعماً ومبهراً ما ساهم بشكل كبير في إنجاح العرض بين شغف المتابعة وانسيابية الراقصين على نغمات الموسيقى.

ولا يمكننا بأي حال من الأحوال أن نغفل روعة أداء الراقصين سواء كان الصوليستات أو المجمايع، حيث يواصل أحمد نبيل ضجته الرائعة في الأداء، بينما كانت كاترينا زابرزنايا تجسيداً حقيقياً لمعنى الفراشة الحالمة على المسرح، وواصل بطلا العرض أنجا أهسين وممدوح حسن روعة أدائهما في لعب دوري نور الدين وياسمين.
عرض باليه القرصان من العروض التي لا تُترك بالفعل، فهو يجمع كل عناصر الجمال الخاصة بالموسيقى والباليه الكلاسيكي، مع زهوة ورقة الديكور والملابس، إضافة إلى روح الشرق المستوحاة في القصة والتي تأخذنا إلى أجواء أساطير علاء الدين والقراصنة التي اشتهرت في تلك الفترة.



 المقال منشور في جريدة القاهرة بتاريخ 17 أكتوبر 2017 

الثلاثاء، 10 أكتوبر 2017

"قلعة آلموت" عرض للرقص الحديث يستلهم أسطورة الحشاشين في الإسقاط على واقع الإسلام السياسي المعاصر

استضاف مسرح الجمهورية عرض الرقص المسرحي الحديث "قلعة آلموت"، ضمن عروض مهرجان المسرح التجريبي لمدة ثلاثة أيام، استطاع خلالها العرض أن يحقق نجاحاً فنياً وجماهيرياً كبيراً، حيث استطاع المخرج مناضل عنتر إضافة عرضاً مميزاً جديداً إلى قائمة عروضه التي حققت نجاحاً محلياً وعالمياً منذ عرضه الأول (الآلات) عام 2008.
العرض الجديد (قلعة آلموت) يُعد قراءة مسرحية راقصة للرواية الشهيرة بنفس الاسم للروائي والمفكر السلوفاكي فلاديمير بارتول، والتي كتبها عام 1939 عن طائفة الحشاشين التي أسسها الحسن بن الصباح في القرن الخامس الهجري، فكانت أول طائفة دينية متشددة تُنفذ اغتيالات سياسية في شكل استشهادي بدائي يناسب تقنيات ذلك الوقت.

من بروفات العرض 

كتب بارتول الرواية في زمن تميز بصعود النظريات الشمولية وبوجود شخصيات سياسية قيادية تتطلع إلى تغيير العالم، ما جعل الكاتب يتأثر بهذا الظرف التاريخي ويتجه باهتمامه إلى شخصية "شيخ الجبل" الفذة التي استخدمت فكرة الجنة والحور العين لاستقطاب الشباب لتنفيذ اغتيالاته السياسية باسم الدين والدفاع عنه، معتمداً في ذلك على كتابات المستشرقين وعلى ما تضمنته تلك الكتابات من أساطير أحاطت بداهية من كبار دهاة التاريخ السياسي الإسلامي في بلاد فارس.
وبالطبع ورغم أن الرواية قديمة جداً إلا أنها تعبر بجدارة عن واقعنا الذي يعج بالتطرف الديني واستخدام الاسلام سياسياً وتحويله إلى دين اغتيالات وحروب، وهذا هو ما أعتقد تماماً أنه كان السبب وراء اختيار مناضل عنتر للرواية لتكون مصدر قراءته المسرحية الراقصة الجديدة، لكن المدهش حقاً هو أنه لم يتم ذكر الرواية أو مؤلفها بأي شكل من الأشكال في كُتيبات المسرحية أو الأخبار المنشورة عنها، وكأن قصة المسرحية إنتاجاً فكرياً خالصاً لمنتجيها المحليين، وهو ما يجعلنا نطالب يتصحيح الأمر مستقبلاً، فرواية "قلعة آلموت" ومؤلفها بارتول ليسا بمغمورين كي يتم تجاهل ذكرهما بهذه الطريقة.
اختار مناضل الجزء الخاص بانتقال المقاتلين الشباب الذين دربهم الصباح على الاغتيالات السياسية إلى منطقة الحريم أو كما ادعى الصباح الجنة وحورها العين العذراوات أبدأ، حيث يقع أحد الشباب في غرام جارية أو واحدة من الحور العين الملفقات، لنشاهد عروضاً راقصة ثنائية مبهرة حقاً تتميز بكريوجراف محكم وقادر على التعبير عن تفاصيل القصة بلغة جسد بليغة، استطاعت أن تفوز بتصفيق الجمهور لأكثر من مرة.
العرض احتوى على الصراع بين شغف الحياة والرغبة في تحقيق الهدف الذي يعتقد الشباب أنه سامي من أجل رفعة الدين، من خلال حوارات راقصة بين الشباب والشيخ الصباح الذي يدفعهم نحو اغتيال الشخصيات السياسية البارزة في الدولة، لكن الموسيقى في بعض المواضع لم تأت مناسبة لفكرة العرض، حيث تم الاستعانة ببعض الأغاني الحديثة باللغة الفرنسية وهو ما لم يكن مفهوماً في السياق العام للعمل، بينما جاءت أخرى في إطار صوفي وهو ما لا يناسب طبيعة العمل أيضاً، الذي يعتمد على حالة الصراع بين فكرة الحياة وفكرة الموت أو الاستشهاد من أجل بلوغ الجنة، في حين جاءت في مواضع أخرى مناسبة ومتجانسة مع المحتوى الدرامي العام للعرض.
كانت الإضاءة موفقة بالعرض، حيث عبرت بصدق عن حالة الغموض والمجهول الذي يسعى إليه الشباب المقاتل، بينما عبرت في مواضع أخرى عن الشر والأهداف التدميرية التي يسعى إلى تحقيقها الصباح، وكذلك حالة الصراع السياسي في الداخل وتربص الأجنبي لينقض على البلاد وسط كل هذه البلبلة الداخلية، وذلك دون اللعب بالضوء والظل كثيراً، حتى أن المشاهد كان يشعر بحالة الظلام الذي يشوبه الضوء الخافت الخانق والكئيب دون أن يلاحظ التغيير الذي يحدث مع كل مشهد، فجاء تغيير الإضاءة وفقاً لطبيعة كل مشهد انسيابياً دون ضجة غير مريحة للعين.
من بروفات العرض 

الديكور كان ثابتاً أيضاً، حيث القلعة على جانبي خشبة المسرح، وسلالم تؤدي إلى مساحة مسرحية عليا يتغير عليها المشاهد الخاصة برجال السياسة والذي رمزوا لعملية الصراع السياسي وكونهم أهدافاً للاغتيال، بينما كانت هناك شاشة تغطي خلفية المسرح كله يظهر عليها العرض مُصوراً في تسجيل سابق، ومن المفترض أن تتناغم الحركة على المسرح مع الحركة المسجلة والمعروضة عبر الشاشة، وهو ما لم يحدث في الكثير من المشاهد، ما يجعلنا نتساءل عن السبب الدرامي الذي تم من أجله استخدام هذه الشاشة؟ فهي لم تقدم شيئاً تكميلياً للأحداث المسرحية الراقصة، وجاء استخدامها معيقاً لعملية التوحد الكامل مع العرض الدائر على الخشبة، فكانت عنصراً بعث على التشتت، حتى أنني لجأت إلى تَعمُد تجاهلها طوال العرض كي أركز مع العرض أكثر.
لم يُقدم عنتر في مسرحيته عملية الاغتيال بشكل صريح واكتفى بالترميز لها، لينتهي العرض جامعاً عناصره الدرامية القائمة على الصراع بين الحب والحياة والموت من أجل جنة مُلفَقة، لكن الغريب حقاً اننا فوجئنا بمشهد ختامي صوفي لعرض تنورة وهو ما كان دخيلاً بالفعل على العرض وخارج السياق تماماً، لينتهي العرض بشكل يشذ عن المسار العام للأحداث الراقصة.

في النهاية لا يمكننا إنكار أن العرض كان ممتعاً بشكل عام، وجامعاً لكافة عناصر الكريوجراف الناجح في التعبير بصدق عن الأحداث، فكان التواصل بين المشاهدين والأحداث التي شملت الصراع والحب قوياً وبليغاً. 
المقال منشور في جريدة القاهرة بتاريخ 10 أكتوبر 2017